حروب الكابلات.. و”البيانات”!

عام 2023، تمّ في قمّة العشرين بنيودلهي الإعلان عن مبادرة ممرّ الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) كردٍّ أميركي-إسرائيلي على مبادرة الحزام والطريق الصينية، وداعماً للاتفاقات الإبراهيمية بين إسرائيل ودول الخليج، بل مؤسِّساً لمنظور تحالفٍ "هندي-إبراهيمي" مُفترض يرعاه بنيامين نتانياهو ودونالد ترامب. ممرٌّ يصل آسيا بأوروبا برّاً عبر الخليج والأردن وميناء حيفا، ويشمل طرقاً وسككاً حديدية، وكذلك مادّة المستقبل: البيانات، عبر كابلات الألياف الضوئية.

ليس الممرّان مجرّد مسارين متنافسين، بل هما نموذجان متنافسان للنظام العالمي المستقبلي. وللإشارة، يكمُن جزء من الصراعات القائمة في المشرق العربي ومع إيران في خلفيّتهما. إلا أنّ اللافت للانتباه أن حجم الاستثمارات المُعلنة حتى الآن حول IMEC بقي ضعيفاً (بضعة مليارات من الدولارات)، في حين أنّ إجمالي استثمارات ممرّ الحزام والطريق قد تخطّى التريليون. والأهم أنّ التحالفات التي تقوم عليها المبادرتان باتت تشهد تشقّقات.

لقد دخلت تركيا بقوّة في المشهد، وهي عضو في حلف الأطلسي، كي ترفض أن تكون معزولة جانباً عن IMEC. وكذلك تداعت الوحدة الداخلية الخليجية، وبرزت هوّة عميقة بين المملكة العربية السعودية والإمارات نابعة من تباين تصوّرات كلّ منهما حيال التهديدات المستقبلية وزعامتهما الاقتصادية والإقليمية. وتتجلّى هذه الهوّة بوضوح في مواقف البلدين في اليمن والسودان، وكذلك في سوريا ومصر، حيث يقترب التصوّر السعودي أكثر من التصوّرات الاستراتيجية التركية.

وفيما يخصّ الغاز، ظهر مسارٌ بديل من رحم الطموحات التركية، أوصل الغاز الأذربيجاني إلى حلب شمال سوريا بتمويلٍ قطري، يُرسِّخ دور تركيا كدولة عبورٍ فاعلة للطاقة. كذلك قامت قطر، الأقرب اليوم إلى السعودية منها إلى الإمارات، وبسرعة، بتمويل خطٍّ لنقل الغاز يربط حلب بحمص، لتربطه بخط الغاز العربي القادم من الأردن ومصر، والذي يمكن وصله سريعاً بالسعودية وقطر. كما تدعم تركيا بقوّة – إذ إنّ “لا ممرّ من دون تركيا” كما صرّح الرئيس رجب طيب أردوغان – تكامل مسارين لنقل الطاقة، أحدهما عبر سوريا والآخر عبر العراق، هذا عدا مسار الغاز القائم أصلاً مع إيران.

ويؤدّي ذلك إلى تجاوز هشاشة مضيق هرمز واختناق البحر الأحمر وقناة السويس، وكذلك إلى الاستغناء عن ضرورة العبور عبر إسرائيل. وهو ما يُلقي ضوءاً على التوجّه الإسرائيلي الحالي للهيمنة على جنوبي لبنان وسوريا، بهدف قطع المسار السوري نحو المتوسط وتركيا.

أمّا الاهتمام الصيني فيصبّ أساساً على أمن إمداد الطاقة شرقاً، لا غرباً. وذلك عبر استراتيجيات أكثر تعقيداً تشمل أساطيل سفن النقل والاستثمارات المشتركة مع دول الخليج جميعاً في معالجة النفط والغاز، وفي الربط مع مرفأ غوادار في باكستان على بحر العرب بالقرب من الحدود الإيرانية، والذي كان تابعاً لسلطنة عُمان حتى سنة 1958. والأفضلية لدى الصين في المسارات التجارية البرية غرباً هي عبر إيران وتركيا والعراق وسوريا.

إلا أن المنافسة الاستراتيجية الحقيقية في العقد المقبل قد لا تكون على الطاقة نفسها، بل على البنية التحتية للبيانات والقدرات الحسابية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. إذ إن توافر الطاقة الرخيصة في الخليج دفع دوله إلى توطين القدرات الحسابية، وبخاصةً في مجال الذكاء الاصطناعي، عبر استثمارات متسارعة بمليارات الدولارات. إلا أنّ هذه القدرة الحسابية يجب تصديرها غرباً وشرقاً. ما يعني أنّ التنافس بين الممرّين الصيني والإسرائيلي-الأميركي هو، في منظور القرن الحادي والعشرين، تنافسٌ أكبر على نقل البيانات.

فعلى أفق سنة 2030، سيتخطّى حجم البيانات الصادرة عن الخليج، مع تلك القادمة من آسيا وأوروبا، مجمل قدرات استيعاب الكابلات البحرية القائمة والمخطط لها حالياً، هذا فضلاً عن مخاطر قطعها.

في الوقت الراهن، يمرّ 95% من حركة البيانات الدولية عبر الخليج بواسطة الكابلات البحرية، مع وجود مساري اختناق رئيسيين: البحر الأحمر حتى قاع قناة السويس، ومضيق هرمز. وقد أسفر قطع كابلين في البحر الأحمر عام 2025 عن أضرار بتكلفة 3.5 مليار دولار. لذلك تتسابق ستة مشاريع للألياف الضوئية البرية لبناء بدائل لخطوط نقل البيانات البحرية.

وفي حين يتركّز نهج الإمارات نحو الربط مع إسرائيل عبر شرق إفريقيا، حيث تقيم الإمارات قاعدة عسكرية في أرض الصومال، أطلقت السعودية أكبر استثمار لها في سوريا لممرّ ألياف ضوئية، SilkLink، يصل إلى طرطوس، ويمكن وصله بسهولة بتركيا. وهنا أيضاً ليس الأمر خيارات تقنية فحسب، بل رهانات استراتيجية على المستقبل.

وكما تركيا، تبرز مصر كإحدى الدول الأكثر أهميةً هيكلياً في تنافس الممرّات. فقد صُمِّم مسار IMEC كي يتجاوزها بالنسبة للسلع والطاقة والبيانات على السواء. إلا أنّ السعودية دعمت مساراً لـIMEC يمرّ عبر سيناء.

وفي المقابل، تمرّ 95% من حركة البيانات الدولية بين آسيا وأوروبا اليوم عبر مصر، وتجلب لها إيرادات باتت تنافس إيرادات قناة السويس نفسها. وقد انخرطت مصر بقوة في مسارات البيانات الصينية لممر الحزام والطريق، وكذلك مع شركات التكنولوجيا الصينية مثل هواوي؛ فهي شريكة في كابل Peace مع الصين، الذي يربط كراتشي بشرق وشمال إفريقيا نحو مرسيليا، والمنافس لكابل Blue-Raman التابع لغوغل، والذي يتجاوز مصر عبر إيلات. وهي أيضاً شريكة في كابل EMA مع الصين والسعودية، بالتوازي مع مشاركتها في كابل SeaMeWe-6 المدعوم أميركياً.

إقرأ على موقع 180  الحوار العربي الإيراني.. ضرورة تفرضها وقائع التاريخ والجغرافيا

إنّ التنافس بين الممرّين الصيني والإسرائيلي-الأميركي يؤطّر أفق الصراعات بين القوى الإقليمية، بل أيضاً التنافس على مسار كلٍّ منهما. إذ يقوم مسار IMEC على تكامل بين الإمارات والسعودية كعقدتين مترابطتين، وعلى افتراض تطبيع سعودي-إسرائيلي يبدو بعيد المنال اليوم. وبدون الجسر البرّي السعودي لا يمكن لـIMEC أن يعبر إلى حيفا.

والأرجح ألا تُفضي الأمور إلى مسار IMEC موحّد، بل إلى مجموعة من المسارات المتداخلة والمتفرقة، يمكن لكلٍّ منها أن يحمل الاسم نفسه مع اتباع مسارات وتمويلات وتوافقات سياسية مختلفة، كما هو الحال بالنسبة لكابلات الوصل بين أوروبا وشرق المتوسط. وهذا ما يفتح المجال لتشابك ممرات IMEC مع ممرات الحزام والطريق الصينية.

وتتمسّك كلّ من السعودية وتركيا ومصر بأن يشملها الممرّان أساساً، والتوازن بينهما يخلق مجالاً لتحالف استراتيجي بين هذه القوى الإقليمية الثلاث، ينافس الدور الإسرائيلي وما يحيكه من تحالفات إقليمية. لكن إسرائيل ما زالت تضغط على الولايات المتحدة كي تكون أداةً لترسيخ موقعها ليس فقط كقوة إقليمية، بل كقوة ذات تأثير دولي أوسع.

يبقى أنّ موقف الدول الأكثر هشاشةً، كسوريا، في هذا الصراع حرج، في التموضع ليس فقط بين الممرّين الصيني والأميركي-الإسرائيلي، بل أيضاً بين مسارات IMEC المتناقضة ضمن الصراعات الإقليمية. وبالطبع، يمكن لسوريا أن تختار، كما مصر، موقفاً متوازناً بين هذه المسارات. لكن المخاطر تكمن في تفاقم الصراعات الدولية والإقليمية، ودفع الأطراف المتصارعة إلى فرض اصطفافات حادة والعمل على تخريب الخيارات البديلة.

هناك نوعٌ من الحتمية الجغرافية تملكه مصر يتيح لها مجالاً أوسع للمناورة، وإن كان يحتاج إلى دقة في الإدارة والتموضع بين الممرات والمسارات. أما سوريا فلا تملك حقاً هذه الحتمية، ولا لبنان بالطبع، الذي يدعو إلى الانضمام لـIMEC. ولن تبرز أهمية موقعه الجغرافي إلا إذا أصبح التحالف السعودي-التركي راسخاً وقوياً، ومنفتحاً على الصين وأوروبا في آن واحد.

Print Friendly, PDF & Email
سمير العيطة

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية؛ رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  مَن قالَ إن بوتين يريدُ أفغانستان جديدة في أوكرانيا؟