“كورونا” التائه في ميادين الحرب السورية: تربة خصبة وإحصاءات مفقودة
TOPSHOT - Children try improvised gas masks in their home in Binnish in Syria's rebel-held northern Idlib province as part of preparations for any upcoming raids on September 12, 2018. - The Syrian regime and its Russian ally are threatening an offensive to retake the northwestern province of Idlib, Syria's last rebel bastion. (Photo by Muhammad HAJ KADOUR / AFP) (Photo credit should read MUHAMMAD HAJ KADOUR/AFP via Getty Images)

في وقت تصدر فيه وزارة الصحة السورية بيانات متلاحقة حول عدد المصابين بفيروس "كورونا" في سوريا، والذي تسبب بشل الحركة الاقتصادية بسبب الإجراءات الاحترازية لتلافي انتشاره، تسببت الحرب السورية وخريطة السيطرة التي فرضتها والدمار الكبير في البنية التحتية الصحية على وجه الخصوص، في خلق بيئة مناسبة لانتشار الفيروس، إن انتشر، بعيداً عن عين الرقابة الصحية، أو قدرتها على اكتشافه وإحصاء انتشاره على أقل تقدير، الأمر الذي قد يعطي تفسيراً للأرقام الرسمية السورية حول الحالات المكتشفة والمعلن عنها (39 حالة)، ما يجعل الأرقام الحقيقية تائهة في ميادين الحرب وزواريبها.

39 حالة مؤكدة لمصابين بفيروس “كورونا” (كوفيد-19) في سوريا، شفيت منها خمس حالات وتوفيت ثلاث، وفق آخر الإحصاءات التي تقوم الجهات الرسمية بتحديثها بشكل يومي، عن طريق بيان مقتضب تنشره وزارة الصحة، دون أية تفاصيل حول أعمار المصابين أو جنسهم أو مناطق إقامتهم، الأمر الذي بررته مديرة دائرة الأمراض السارية والمزمنة في وزارة الصحة الدكتورة هزار فرعون خلال لقاء إذاعي بأن المعلومات التي يتم نشرها هي ما تهم المواطن، أما التفاصيل الإضافية فقد تعتبر “انتهاكاً لخصوصية المرضى، أو تصيب الآخرين بهلع لا داعي له”.

المسؤولة السورية نفت خلال اللقاء الذي بثته إذاعة “شام إف إم” وجود أية تقديرات حول عدد المشتبه بإصابتهم، موضحة أن الحالات يتم فحصها في المختبر العام في دمشق، والذي يعمل بطاقته القصوى، ويجري يومياً حوالي 100 مسحة، مشيرة إلى أن ” عملية التقصي مستمرة عن طريق فريق التقصي الذي يجري فحوص بشكل مستمر ضمن المراكز الصحية وفحص المشتبه بإصابتهم”.

وتابعت أن ” الانتشار للفايروس في سوريا بشكل أفقي، وليس تصاعدياً أي أنه لا يصل إلى قمة أو ذروة، وهو ضمن السيطرة والحدود المعقولة، والوضع جيد”.

وتأتي الإحصاءات الرسمية السورية بعد نحو شهر على بدء تطبيق سلسلة إجراءات احترازية للحد من انتشار الفيروس شملت إغلاق المدارس والمؤسسات الحكومية ومنع السفر بين المدن بالإضافة إلى فرض حظر التجوال ضمن أوقات محددة من اليوم وإغلاق جميع الفعاليات التجارية في الأسواق، قبل أن تخفف الحكومة من حدة هذه الإجراءات عن طريق السماح للفعاليات التجارية وبعض المهن باستئناف نشاطها ضمن برنامج أسبوعي محدد.

وتسببت أزمة “كورونا” وما رافقها من إجراءات في تعطل قسم كبير من الأعمال والمهن التي تمثل مصدر الدخل الوحيد لشريحة واسعة من المواطنين، وبالتزامن مع موجة غلاء كبيرة تشهدها السلع الغذائية والأساسية، بسبب انخفاض قيمة العملة السورية نحو 20 في المئة خلال الأسبوعين الماضيين، بالإضافة إلى عمليات التهريب التي تشهدها بعض السلع نحو لبنان، بينها بعض أنواع السلع الزراعية، الأمر الذي أدى إلى تدهور أوضاع شريحة كبيرة من السوريين الذين لا يملكون أساساً مدخرات تمكنهم من الصمود خلال فترة الحجر.

وبالتزامن مع تخفيف الإجراءات، عادت الحركة بشكل كبير للأسواق الذي ظهرت مزدحمة بشكل كبير، الأمر الذي أثار قلقلاً واسعاً في لدى بعض الأوساط الطبية من انتشار الفيروس من خلال هذه التجمعات، خصوصاً أن الحكومة السورية سمحت بالسفر بين المدن والمحافظات خلال يومي الاثنين والثلاثاء، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام احتمالية انتقال الفيروس من مدن إلى أخرى، خصوصاً مع غياب المعلومات الكافية حول المدن التي اكتشفت فيها الحالات.

من الصعب معرفة حقيقة انتشار “كورونا” وعدد المصابين به، كما يبدو أنه من الصعب أيضاً اتخاذ إجراءات تضمن للحد من هذا الانتشار بشكل فعلي

 

في متاهات السياسة

 

في وقت تحاول فيه وزارة الصحة السورية رصد انتشار الفيروس في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، تعاني المناطق الخارجة عن سيطرتها من تشعبات سياسية عدة، إضافة إلى الانخفاض الكبير في مستوى الخدمات الصحية سواء بسبب الدمار الذي تسببت فيه الحرب في البنى التحتية، أو بسبب عدم وجود معدات كافية في تلك المناطق.

وتنقسم المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية إلى ثلاث: مناطق “قسد” التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية في المناطق النفطية شمالي شرق سوريا، ومناطق “درع الفرات” و”غصن الزيتون” التي تسيطر عليها تركيا في الشمال السوري، ومحافظة إدلب التي تمثل التجمع الأكبر للفصائل “الجهادية” في الشمال الغربي من سوريا، والتي تشهد تدخلاً عسكرياً تركياً متواصلاً.

هذه المناطق الثلاث، تدار محلياً عن طريق “الإدارة الذاتية” الكردية في مناطق “قسد”، و”الحكومة السورية المؤقتة” التي تنشط من تركيا وتدير منطقتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، بالإضافة إلى “حكومة الإنقاذ” التي تقودها “هيئة تحرير الشام” في إدلب، الأمر الذي تسبب بمجمله في “فوضى” كبيرة، وساهم في تعبيد الأرض أمام احتمالية تفشي الفيروس، خصوصاً أن الإجراءات الوقائية المتبعة في كل منطقة تختلف عن المناطق الأخرى.

كذلك، تسببت هذه الفوضى في عدم وجود إحصاءات دقيقة تشمل سوريا، حيث تقتصر إحصاءات وزارة الصحة السورية على المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة، في حين لا توجد أية إحصاءات أو أرقام واضحة حول عدد المصابين في بقية المناطق، أو لتواجد عمليات رصد ومتابعة حتى.

وبالتوازي مع اتهام الرئيس الأميركي دونالد ترامب منظمة الصحة العالمية بإخفاء حقائق تسببت بتفشي الفيروس، اتهمت “الإدارة الذاتية” أيضاً المنظمة “بعدم تقديم المعونة اللازمة للتصدي للوباء”، واعتبرت إلهام أحمد، رئيسة الهيئة التنفيذية في “مجلس سوريا الديمقراطية”، أن هناك “هناك تسييساً في التعامل في مواجهة فيروس كورونا”، قبل أن تعلن منظمة الصحة العالمية عن وفاة مصاب بالفيروس في مستشفى القامشلي الوطني، الأمر الذي اعتبرته الإدارة الذاتية “توطؤاً من المنظمة وإخفاء معلومات قد تسبب في انتشار الوباء”.

أزمات إنسانية

تسببت الحرب المندلعة في سوريا منذ نحو عشرة أعوام في حركات نزوح متواترة، حيث قطن آلاف السوريين في مخيمات بدائية قرب المناطق الحدودية، أبرزها قرب الحدود التركية المغلقة في ريفي حلب وإدلب، بالإضافة إلى مخيم الهول في الحسكة الذي تعيش فيه عائلات تنظيم “داعش”، ومخيم الركبان قرب الحدود الأردنية، الذي يعاني أوضاعاً إنسانية مأساوية.

وتمثل هذه المخيمات بيئة خصبة لانتشار الفيروس، سواء بسبب الاكتظاظ الكبير فيها، او بسبب عدم وجود أية مقومات للحياة، وغياب الدعم الصحي والطبي المطلوب، حيث يعيش الآلاف داخل خيم قماشية في مناطق تشهد سيولاً وانجرافات تربية في الشتاء وحراً شديداً وارتفاعاً كبيراً لدرجات الحرارة صيفاً، في حين تقدم بعض المنظمات الدولية مساعدات دورية لهذه المخيمات.

في هذا السياق، عبّرت الأمم المتحدة عن قلقها بشأن سلامة وحماية أكثر من أربعة ملايين مدني في شمال غرب سوريا، أكثر من نصفهم من النازحين داخلياً. وذكرت في بيان لها أن حوالي 940,000 شخص نزحوا منذ 1 كانون الأول/ديسمبر 2019 في شمال غرب سوريا أكثر من 80 في المئة منهم من النساء والأطفال.

بدورها، حذّرت لجنة الإنقاذ الدولية، من سرعة انتشار وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في مخيمات اللاجئين والنازحين المكتظة بشدة في بعض دول العالم، وخصت بالذكر مخيم الهول في الحسكة الخاضع لسيطرة “قسد” والذي يضم عشرات الآلاف من النازحين بينهم عائلات “داعش”.

وفي مخيم الركبان قرب الحدود الأردنية، والذي يقع في منطقة تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية، يعاني آلاف النازحين من خطر انتشار الوباء، بالإضافة إلى أزمات إنسانية أخرى، حيث أعلنت وزارة الخارجية الأردنية رفض بلادها إدخال اية مساعدات إلى المخيم عبر الأراضي الأردنية خوفاً من وباء “كورونا”.

وأمام هذا المشهد الميداني المعقد، والسياسي المتداخل، والتراجع الكبير في الخدمات الطبية في مناطق عدة من سوريا، يبدو أنه من الصعب معرفة حقيقة انتشار هذا الوباء، وعدد المصابين به، كما يبدو أنه من الصعب أيضاً اتخاذ إجراءات تضمن عدم انتشاره بشكل فعلي، الأمر الذي يفرّغ لغة الأرقام والإحصاءات من محتواها، ويجعلها عاجزة عن رسم الصورة الحقيقية لما يجري على أرض الواقع.

علاء حلبي

صحافي سوري

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free