يبدأ توماس فريدمان مقالته من التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي، التي نقلت النقاش، في رأيه، من المخاوف النظرية إلى حوادث ملموسة. فقد أعلنت شركات ذكاء اصطناعي عن حالات تجاوزت فيها نماذج أو «وكلاء» آليون حدود البيئة التي كان يفترض أن يعملوا داخلها.
في تموز/يوليو الماضي، أقرت OpenAI بأن نماذج كانت تخضع لاختبارات للأمن السيبراني تجاوزت القيود الموضوعة عليها، ووصلت إلى الإنترنت واستغلت ثغرات في أنظمة خارجية، من بينها أنظمة مرتبطة بمنصة Hugging Face. كما كشفت Anthropic عن أربع حوادث حصلت فيها نماذج تابعة لها على وصول غير مصرح به إلى أنظمة حقيقية لطرف ثالث. وفي أستراليا، اضطرت OpenAI إلى الاعتذار بعدما وصلت نماذجها إلى مواقع حكومية بطرق لم تكن مخولة بها.
لا يُقدّم توماس فريدمان هذه الوقائع بوصفها دليلًا على أن «الآلة خرجت نهائيًا عن السيطرة»، لكنه يراها إنذارًا مبكرًا بشأن ما يمكن أن تفعله أنظمة أكثر قدرة واستقلالية في السنوات المقبلة، ولا سيما عندما تقع نماذج أقل انضباطًا في أيدي جهات إجرامية أو أجهزة استخبارات أو مجموعات متخصصة في الاختراق.
ويدعم منطقه أيضًا التصاعد السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الهجمات الإلكترونية. فتقرير CrowdStrike لعام 2026 يتحدث عن توسع واضح في استخدام المهاجمين للذكاء الاصطناعي لتسريع العمليات السيبرانية وتعقيدها، فيما تشير البيانات المنشورة حول التقرير إلى ارتفاع الهجمات المرتبطة بخصوم يستخدمون الذكاء الاصطناعي بنسبة 89% خلال عام 2025.
لكن ما يقلق فريدمان أكثر هو التباين بين هذه المؤشرات وموقف ترامب السياسي. ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر، ربط الرئيس الأميركي التحذيرات من أخطار الذكاء الاصطناعي بالتحذيرات السابقة من تغير المناخ، وقدم الاثنين باعتبارهما جزءًا من خطاب مبالغ في التشاؤم. النص المنشور للخطاب يظهر أن ترامب سخر بالفعل ممن يقولون إن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى كارثة، مؤكدًا في المقابل أولوية الحفاظ على السباق الأميركي نحو «الذكاء الفائق».
هنا يستدعي فريدمان بيل غيتس، لا بوصفه خصمًا للتكنولوجيا، بل باعتباره أحد أبرز المتفائلين تاريخيًا بإمكاناتها. غيتس قال أخيرًا إن التنظيم الذاتي للشركات لا يكفي، وإن الحكومات وأجهزة إنفاذ القانون يجب أن تشارك في وضع الضمانات وآليات الرقابة. وذهب إلى حد التحذير من أن استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب أصحاب النيات السيئة يمكن أن يقود إلى أحداث كارثية واسعة النطاق.
ومن هنا تأتي مفارقة فريدمان: هو لا يريد إبطاء الذكاء الاصطناعي لأنه يرفضه؛ بالعكس، يرى فيه فرصة ضخمة للطب والطاقة والمناخ والبحث العلمي. ولهذا تحديدًا يخشى حادثة كبرى تقضي على ثقة الجمهور بالتكنولوجيا كلها. فـ«11 سبتمبر رقمي»، وفق منطقه، لن تكون مأساته في الضرر المباشر وحده، بل في أنه قد يدفع المجتمعات إلى رفض تقنية تحمل في الوقت نفسه إمكانات هائلة.
الفيروس البيولوجي
من العالم الرقمي ينتقل فريدمان إلى فيروس أكثر حرفية: المرض.
ويضع في مركز هذه الفقرة ما يجري داخل مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأميركية، CDC، التي كانت طوال عقود إحدى أهم مؤسسات الصحة العامة في العالم. ويستند إلى تقارير تتحدث عن تقليص كبير في الكادر والبرامج تحت إدارة وزير الصحة روبرت إف. كينيدي جونيور، في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة عودة أمراض كان يُعتقد أن السيطرة عليها أصبحت أمرًا راسخًا.
أوضح الأمثلة هو داء الحصبة. فبحلول نهاية أيلول/سبتمبر، كانت بنسلفانيا قد سجلت 943 إصابة مؤكدة خلال 2026 وخمس وفيات مرتبطة بالمرض، وسط خلاف بين سلطات الولاية وCDC حول طريقة احتساب الوفيات في الإحصاءات الفيدرالية. كما أفادت تقارير حديثة بأن القوة العاملة في CDC تقلصت بنحو الثلث خلال العام الأخير.
بالنسبة إلى فريدمان، الرابط بين هذا المثال والذكاء الاصطناعي ليس تقنيًا، بل مؤسسيًا. ففي الحالتين، هناك خطر لا يمنع بمجرد امتلاك الولايات المتحدة التكنولوجيا أو الموارد، وإنما يحتاج إلى مؤسسات قوية قادرة على الاكتشاف المبكر ووضع القواعد والاستجابة قبل أن يتحول الخطر المحدود إلى أزمة.
ويصبح نقده لإدارة ترامب هنا أكثر وضوحًا: فهو يرى أن الإدارة تتعامل بشك عميق مع بعض المؤسسات التي يفترض أن تشكل «جهاز المناعة» للدولة، ثم تفاجأ عندما تبدأ الأخطار التي كانت تلك المؤسسات مصممة لاحتوائها بالعودة.
الفيروس المضاد للدبلوماسية
أما القسم الثالث من مقال فريدمان، فهو الأكثر اتصالًا بالشرق الأوسط. هنا ينتقل من الفيروس الرقمي والبيولوجي إلى ما يسميه، مجازًا، الفيروس المضاد للدبلوماسية.
نقطة البداية هي غزة.
يرى فريدمان أن إدارة ترامب حققت إنجازًا أوليًا بوقف النار وبإطلاق إطار سياسي واسع، لكنها لم تحول ذلك إلى عملية دبلوماسية مستمرة تفرض التنفيذ خطوة بعد خطوة. وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن «مجلس السلام» حصل على تعهدات بنحو 17 مليار دولار لإعادة الإعمار، وأن التحضير لقوة الاستقرار الدولية تقدم على مستوى التخطيط، لكن التنفيذ ظل جزئيًا ومشروطًا بخلافات سياسية وأمنية لم تُحسم.
وينقل فريدمان عن تحليل لتسفي برئيل في «هآرتس» أن الفجوة بين الوعود والتنفيذ أوسع بكثير: فعلى الرغم من مليارات الدولارات المعلنة، ظل التمويل الفعلي المتاح حتى الفترة الأخيرة في حدود مئات الملايين فقط. وتؤكد تقارير أخرى أن مشروع إعادة الإعمار لا يزال يواجه عقبات كبيرة، رغم الإعلان في أيلول/سبتمبر عن برنامج أولي بقيمة 2.45 مليار دولار.
كما ينقل فريدمان عن برئيل قراءة سياسية إسرائيلية مثيرة للجدل مفادها أن استمرار الجمود يمنح حكومة بنيامين نتنياهو حرية أكبر في إبقاء الوضع الراهن، فيما يرى فريدمان نفسه أن الحديث داخل إسرائيل عن «الهجرة» الفلسطينية يقترب من مشروع تهجير قسري.
لكن حجة فريدمان الأوسع ليست عن إسرائيل وحدها، بل عن واشنطن نفسها: أين الآلة الدبلوماسية التي يفترض أن تتابع الاتفاق كل يوم، وتضغط على الأطراف، وتحل الخلافات الصغيرة قبل أن تتحول إلى عراقيل كبيرة؟
جيمس بيكر مثالًا
حتى يشرح ما يقصده، يعود فريدمان إلى عام 1991 وإلى وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر.
بعد حرب الخليج، أمضى بيكر ثمانية أشهر في دبلوماسية مكوكية مكثفة انتهت بمؤتمر مدريد للسلام. وتوثق وزارة الخارجية الأميركية تلك العملية بوصفها سلسلة متواصلة من الرحلات والاجتماعات مع إسرائيل وسوريا ومصر والأردن والفلسطينيين، انتهت بجمع أطراف الصراع العربي ـ الإسرائيلي للمرة الأولى في مفاوضات مباشرة بهذا الاتساع.
فريدمان، الذي رافق بيكر في تلك المرحلة مراسلًا دبلوماسيًا لـ«نيويورك تايمز»، يستعيد التجربة ليثبت فكرة بسيطة: الدبلوماسية ليست إعلان مبادرة، بل عملية تراكمية تحتاج إلى شخص يملك السلطة والوقت والتركيز ويعود إلى المنطقة مرة بعد أخرى حتى تتحرك القطع العالقة.
وهنا يعقد مقارنته مع إدارة ترامب الحالية. فبدل مركز قرار دبلوماسي واضح، يشير إلى تعدد المبعوثين والقنوات والأشخاص الذين يتحركون في ملفات الشرق الأوسط: مبعوثون رسميون، ومستشارون، وأفراد من الدائرة العائلية للرئيس، وشخصيات تعمل على ملفات مختلفة أحيانًا بحدود غير واضحة بين أدوارها.
المشكلة، في نظره، ليست كثرة الأسماء في حد ذاتها، بل غياب الشخص الذي يؤدي وظيفة جيمس بيكر: مسؤول واحد يمتلك التفويض السياسي الكامل، ويضع الملف في أعلى سلم أولوياته، ويلاحق التفاصيل إلى أن تتحول الخطة من بيان إلى واقع.
أين يضع ترامب طاقته؟
ينتهي فريدمان إلى مفارقة ساخرة. فهو يرى أن التركيز الذي يفتقده ترامب في الذكاء الاصطناعي والصحة العامة والدبلوماسية يظهر بكثافة عندما يتعلق الأمر بصراعه مع وسائل الإعلام.
ويستشهد بأزمة وصول CNN إلى البيت الأبيض والطائرة الرئاسية. فبعد أن أصدر قاضٍ قرارًا مؤقتًا أعاد بموجبه دخول صحافيي CNN ووسيلتين أخريين إلى البيت الأبيض، استبعدت الإدارة الشبكة لاحقًا من رحلتها المقررة على «إير فورس وان» إلى تينيسي ضمن نظام التغطية الصحافية المشتركة. وقد أكدت وكالة أسوشيتد برس ووسائل أخرى الواقعة، مع الإشارة إلى أن الحكم القضائي تناول بطاقات دخول البيت الأبيض ولم يحسم بصورة مباشرة مسألة الطائرة الرئاسية.
ومن هنا يعود فريدمان إلى استعارة «جهاز المناعة».
فهو لا يقول إن أميركا تفتقر إلى القوة أو المال أو التكنولوجيا أو العلماء؛ على العكس، حجته أن لديها كل ذلك. ما يقلقه هو أن المؤسسات التي يفترض أن تحول هذه الموارد إلى مناعة جماعية ــ في الأمن الرقمي، والصحة، والدبلوماسية ــ إما تُضعف، أو تُترك بلا قيادة مركزة، أو يُستهان بالخطر الذي يفترض أن تواجهه.
وبهذه الزاوية، يصبح عنوانه الاستفزازي عن «الفيروس» أكثر وضوحًا. فالمشكلة التي يريد وصفها ليست أن ترامب فيروس بالمعنى الحرفي، وإنما أن أسلوب الحكم الذي ينسبه إليه يترك أنظمة الحماية الأميركية أضعف أمام أخطار تتكاثر أسرع من قدرة الدولة على الاستجابة لها.
وتلك، بالنسبة إلى فريدمان، هي المخاطرة الحقيقية: أن تكون الولايات المتحدة قوية جدًا، لكنها أقل مناعة مما تتصور.
(*) ترجمة وإعداد موقع 180 بوست، المصدر: “نيويورك تايمز“
