فنّ الاحتجاج عند الفرنسيين.. حين يصبح الشارع جزءاً من هوية الأمة

ثمة مشهد يتكرر في فرنسا حتى يكاد يصبح جزءاً من صورتها في العالم: شارع تمتلئ جنباته بالمتظاهرين، وقطارات تتوقف عن العمل، وطلاب يغلقون أبواب مدارسهم، ومزارعون يقودون جراراتهم نحو العاصمة، وعمال يرفعون اللافتات ويقرعون الطبول. قد يبدو الأمر كأن الفرنسيين لا يفوّتون فرصة للاحتجاج على قرار حكومي أو أزمة اجتماعية أو حتى تصريح سياسي. لكن هذه الصورة، على ما تنطوي عليه من مبالغة، تطرح سؤالاً يستحق التأمل: كيف تحوّل الاحتجاج في فرنسا من وسيلة للمطالبة بالحقوق إلى ثقافة عامة لها لغتها ورموزها وطقوسها وموسيقاها وسخريتها، بل وجمالياتها الخاصة؟

العودة إلى هذا السؤال اليوم ليست مصادفة. منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2026 تشهد فرنسا موجة احتجاجات يقودها طلاب المدارس الثانوية، كثيرون منهم لم يبلغوا الثامنة عشرة. يطالب هؤلاء بمعالجة نقص المدرّسين، وصيانة المباني المتداعية، والحدّ من اكتظاظ الصفوف وتحسين ظروف الدراسة. وما بدأ في مدارس ومناطق بعينها اتسع إلى مسيرات ضمّت طلاباً ومعلمين وأهالي ونقابيين. وفي 17 تشرين الأول/أكتوبر، أحصت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين بنحو 550 ألف متظاهر في عموم فرنسا، بينهم 110 آلاف في باريس، بينما قدّرت الجهات النقابية المشاركة عددهم بنحو 800 ألف، وهذه أرقام متباينة لا ينبغي دمجها في رقم واحد، لكنها تكشف اتساع الحركة بالفعل.

ومع اتساع حركة الاحتجاج واعلان حظر التجول في بعض المدن، أثارت إصابات بعض القاصرين والتوقيفات الجماعية واتهامات استخدام القوة المفرطة جدلاً حقوقياً حادّاً. وفي المقابل، تحدثت السلطات عن إصابات في صفوف قوات الأمن وموظفي المدارس وعن اعتداءات وتخريب رافقت معظم التحركات. ويجري تنظيم جانب كبير من التعبئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يجمع الجيل الجديد بين مقاطع الفيديو الساخرة والشعارات السريعة والدعوات إلى التجمع. هكذا يعود سؤال قديم في صورة جديدة: كيف يُسمع المواطن صوته عندما يشعر بأن القنوات السياسية المعتادة لا تكفي؟

من الخبز إلى المتاريس: جذور تعود إلى الثورة الفرنسية

رسم تاريخي لمسيرة النساء إلى فرساي في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1789

لفهم هذه العلاقة بين الفرنسيين والشارع، لا بد من العودة إلى عام 1789. ففي الخامس من تشرين الأول/أكتوبر، خرجت نساء باريس احتجاجاً على غلاء الخبز وندرته، ثم اتجهن نحو قصر فرساي حيث كان الملك لويس السادس عشر يقيم مع أسرته. بدأ التحرك من حاجة معيشية ملحّة، لكنه اكتسب سريعاً مضموناً سياسياً وانتهى بانتقال الملك وعائلته إلى باريس تحت ضغط المحتجين. تختصر تلك الواقعة سمة ستتكرر لاحقاً: القدرة على نقل شكوى اقتصادية محددة إلى سؤال أوسع عن السلطة ومسؤوليتها تجاه المجتمع. ولم يعد الخبز مجرد غذاء، بل أصبح رمزاً لحق الناس في مساءلة الحاكم حين يعجز عن توفير شروط الحياة الأساسية.

تواصل التاريخ في تموز/يوليو 1830، حين أقام المحتجون المتاريس في شوارع باريس خلال الأيام الثلاثة التي أطاحت حكم شارل العاشر، ثم في ثورة شباط/فبراير 1848 التي أنهت الملكية وأعلنت الجمهورية الثانية. وفي عام 1871 ظهرت كومونة باريس، تجربة ثورية حاولت تأسيس نمط مختلف من الحكم المحلي والاجتماعي وانتهت بقمع دموي. لكن هذا الإرث لا يعني أن الشارع الفرنسي كان يتحدث دائماً بصوت واحد؛ فقد استخدم الاحتجاج جمهوريون واشتراكيون ومحافظون وقوميون، أحياناً دفاعاً عن أهداف متعارضة. والتقليد المشترك هنا ليس الاتفاق على السياسة، بل اعتبار النزول إلى الشارع واحدة من اللغات المشروعة للتعبير عنها.

إضرابات 1936: حين أعاد العمال تعريف الزمن

عمال مضربون أمام مصنع للمعادن في ضواحي باريس، 1936

في ربيع 1936، وبعد فوز الجبهة الشعبية (Front populaire) في الانتخابات، اجتاحت فرنسا موجة من الإضرابات واحتلال المصانع. طالب العمال بتحسين الأجور وشروط العمل، لكن بعض المصانع المحتلة شهد أيضاً الغناء والاحتفال والتضامن بين المضربين. كان الاحتجاج هنا حدثاً اجتماعياً يغيّر العلاقة بين العمال وبين مكان العمل نفسه، لا مجرد توقف مؤقت للإنتاج.

وأدت اتفاقات ماتينيون (Accords de Matignon) والتشريعات اللاحقة إلى مكاسب تاريخية، من بينها أسبوع العمل المحدد بأربعين ساعة وإجازة سنوية مدفوعة الأجر لمدة أسبوعين، إضافة إلى توسيع حقوق المفاوضة الجماعية والنشاط النقابي.

لم تكن الإجازة مجرد بند إداري، بل تحولاً ثقافياً جعل الراحة والسفر والوقت الحر أقرب إلى متناول الطبقات العاملة. وهنا ظهر وجه بالغ الأهمية للاحتجاج: قدرته، عندما ينجح، على تغيير تفاصيل الحياة اليومية وعلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والعمل والزمن.

أيار/مايو 1968: حين صارت الشعارات والألوان جزءاً من الثورة

تجمع للطلاب في جامعة السوربون في ربيع 1968                                                                                   

بلغت العلاقة بين الاحتجاج والفن إحدى ذراها في أيار/مايو 1968. انطلقت الحركة باعتراضات طلابية على أوضاع الجامعات والسلطة التقليدية، ثم انضم إليها ملايين العمال في موجة إضرابات واسعة. وفي شوارع الحي اللاتيني، بين المتاريس وحجارة الرصيف، لم تكن الشعارات مجرد مطالب سياسية؛ فقد تحولت إلى نصوص فلسفية وأدبية قصيرة تتحدى القوالب السائدة عن العمل والسلطة والحياة. من أشهرها «كونوا واقعيين، اطلبوا المستحيل» (Soyez réalistes, demandez l’impossible)، و«ممنوع المنع» (Il est interdit d’interdire)، و«تحت حجارة الرصيف، الشاطئ» (Sous les pavés, la plage).

ولم يكن وصف تلك المرحلة بالفن استعارة فحسب. فقد أنشأ طلاب الفنون الجميلة «المرسم الشعبي» (Atelier populaire)، حيث طبعوا ملصقات سياسية بالشاشة الحريرية ووزعوها على الجامعات والمصانع والطرقات. نوقشت التصاميم جماعياً، ونُشرت غالباً بلا توقيعات فردية.

هكذا خرج الفن من قاعات العرض إلى الفضاء السياسي المباشر. والمفارقة أن الملصقات التي صُنعت استجابة لحدث آني أصبحت لاحقاً جزءاً من ذاكرة فرنسا البصرية، تُعرض وتُدرّس بوصفها شاهداً على اللقاء بين الإبداع والحركة الاجتماعية. كانت تلك لحظة أراد فيها المحتجون تغيير الحكومة والمجتمع، بل وتغيير معنى الحياة نفسها.

1995 و2006: عندما تستطيع المسيرات تعديل قرارات الحكومة

تظاهرة في باريس ضد «عقد العمل الأول» في آذار/مارس 2006                                                      

في عام 1995، أثارت خطة رئيس الوزراء ألان جوبيه (Alain Juppé) لإصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي والتقاعد موجة إضرابات ضخمة، ولا سيما في قطاعات النقل والخدمات العامة. توقفت أجزاء من شبكة القطارات ومترو باريس لأسابيع، وخرجت حشود واسعة، وانتهت الأزمة بتراجع الحكومة عن إصلاح أنظمة تقاعد خاصة، مع إبقاء أجزاء أخرى من برنامجها. لم يكن انتصاراً كاملاً لكل المطالب، لكنه أظهر أن الاحتجاج المنظم يستطيع التأثير في القرار العام.

إقرأ على موقع 180  لودريان في بيروت.. مهمة أبعد من إسم رئيس الجمهورية!

وتكرر المشهد في عام 2006، عندما حاولت حكومة دومينيك دو فيلبان (Dominique de Villepin) إقرار «عقد العمل الأول» (Contrat première embauche)، الذي كان سيتيح تسهيل فصل العاملين الشباب خلال فترة أولية تمتد لعامين. خرج طلاب الجامعات والمدارس والعمال والنقابات، واحتلت جامعات وامتلأت شوارع باريس والمدن الأخرى بالمحتجين. وفي العاشر من نيسان أعلنت الحكومة التخلي عن العقد واستبداله بتدابير أخرى. غير أن هاتين التجربتين لا تعنيان أن كل احتجاج فرنسي منتصر؛ إنهما مثالان على أن الشارع قد يصبح طرفاً فعلياً في المساومة السياسية، إلى جانب البرلمان والحكومة والنقابات.

من «أنا شارلي» إلى «ليلاً واقفين»: الاحتجاج بوصفه تعبيراً ثقافياً

مشهد من حركة «je suis charlie» في باريس، 2015

ليست كل المظاهرات الفرنسية مطالبة بأجور أو إلغاء قانون. ففي كانون الثاني/يناير 2015، وبعد الهجمات الإرهابية التي استهدفت صحيفة «شارلي إيبدو» (Charlie Hebdo) وأماكن أخرى، خرج ملايين الأشخاص في مسيرات للتنديد بالإرهاب والدفاع عن حرية التعبير. واختزلت عبارة «أنا شارلي» (Je suis Charlie) تلك اللحظة وانتشرت على اللافتات والشاشات. ومع ذلك، بقيت حدود حرية التعبير وطريقة تطبيقها موضوعاً للخلاف، وهو ما يذكّرنا بأن المشاركة في تظاهرة كبرى لا تعني بالضرورة اتفاق المشاركين على جميع القضايا المرتبطة بها.

وفي عام 2016، ابتكر ناشطون شكلاً مختلفاً تماماً للاحتجاج تحت عنوان «ليلاً واقفين» (Nuit debout). تحولت ساحة الجمهورية إلى منتدى مفتوح للنقاشات والمحاضرات والاجتماعات الشعبية والعروض الثقافية، احتجاجاً على إصلاحات قانون العمل وعلى جوانب أوسع من النظام الاقتصادي والسياسي. لم يكن احتلال المكان مجرد تعطيل لحركته، بل محاولة لإعادة تعريف وظيفته وتحويله إلى فضاء للتداول الديموقراطي. وفي هذا المعنى، يصبح الاحتجاج أحياناً تمريناً على المجتمع الذي يرغب المشاركون في بنائه.

“السترات الصفراء” والاحتجاج المؤدّى: الرمز والرقص والطناجر

متظاهرون من حركة «السترات الصفراء» في باريس، تشرين الثاني/نوفمبر 2018

في تشرين الثاني/نوفمبر 2018، ظهرت حركة «السترات الصفراء» (Gilets jaunes) اعتراضاً على ضرائب الوقود، قبل أن تتسع مطالبها إلى القدرة الشرائية وغلاء المعيشة والتفاوت الاجتماعي والشعور بالتهميش. وكان اختيار السترة الصفراء العاكسة، التي يحتفظ بها السائقون في سياراتهم، اختراعاً بصرياً بالغ الفاعلية: شيء يومي ورخيص تحوّل إلى رمز سياسي عالمي. ولم تكن ساحات باريس وحدها مسارح الاحتجاج، فقد احتل ناشطون الدوارات المرورية عند أطراف المدن والبلدات، وبنوا فيها شبكات اجتماعية جديدة. وفي المقابل، شهدت بعض التحركات أعمال عنف وتخريب ومواجهات مع الشرطة، وأثار التعامل الأمني معها انتقادات واسعة.

وللفرنسيين طرائق احتجاج تستمد لغتها من المهنة أو من الأشياء المنزلية. ففي كانون الأول/ديسمبر 2019 قدّم راقصون وراقصات من أوبرا باريس مقطعاً من «بحيرة البجع» (Le Lac des cygnes) على درجات قصر غارنييه، اعتراضاً على إصلاح نظام التقاعد. أصبحت المهارة الفنية نفسها أداة للاحتجاج. وفي 2023، أثناء الاعتراضات على رفع سن التقاعد القانوني من 62 إلى 64 عاماً، انتشرت «احتجاجات الطناجر» (Casserolades)، حيث كان المحتجون يقرعون القدور والمقالي في محيط زيارات المسؤولين. هنا يتحول صوت المطبخ إلى إيقاع سياسي ساخر؛ ويصبح الاحتجاج أداءً جماعياً لا ينفصل عن الخيال والحس الفكاهي.

مزارعون يغلقون الطريق السريع A62 قرب آجان، 24 كانون الثاني/يناير 2024

الجرارات في الشوارع وجيل 2026: هل تُولد ثقافة احتجاج جديدة؟

للمزارعين أيضاً لغتهم الاحتجاجية. ففي عام 2024، اندفعت الجرارات إلى الطرق السريعة وأغلقت محاور رئيسية، وتكدست أكوام القش والمخلفات الزراعية أمام منشآت رسمية، احتجاجاً على تكاليف الإنتاج والضرائب والقيود التنظيمية والمنافسة التجارية. الرسالة البصرية هنا تسبق الشعارات: الريف الذي يمدّ المدن بالغذاء يستطيع أن يعطل حركتها. ومع أن اتحادات المزارعين لا تتفق دائماً على المطالب أو المواقف من السياسات البيئية والتجارية، فإنها تشترك في توظيف أدوات العمل الزراعي بوصفها وسيلة ضغط واضحة للعيان.

وفي أيلول/سبتمبر 2025 شهدت فرنسا احتجاجات بعنوان «لنعطّل كل شيء» (Bloquons tout)، اعتراضاً على سياسات التقشف وخفض الإنفاق العام، وشاركت فيها حشود كبيرة ومحاولات لتعطيل الطرق والخدمات.

أما خريف العام 2026، فقد أظهر انتقال الخبرة الاحتجاجية إلى جيل المدارس. وعلى المنصات الرقمية ظهر تعبير «السترات الشابة» (Gilets Jeunes)، في محاولة للربط بين حركة 2018 والمطالب الطلابية الراهنة. غير أن ما ستؤول إليه التعبئة المشتركة ما يزال مفتوحاً، ومن الضروري عدم تحويل الدعوات إلى احتجاجات مستقبلية إلى أحداث منجزة قبل وقوعها.

لماذا يحتل الشارع هذه المكانة في فرنسا؟

لا تكفي الإجابة بالقول إن الفرنسيين يحبون الشجار أو ورثوا طبعاً ثورياً. ثمة أسباب مؤسسية وتاريخية أيضاً: دولة شديدة المركزية، ونقابات وحركات اجتماعية تملك خبرة تنظيمية، وذاكرة عامة تربط المظاهرة بإمكان تعديل القرارات. كما حافظت المدارس والأدب والإعلام والفنون على الثورة والحركات الاجتماعية في الوعي الجماعي. ويبدو الاحتجاج، من هذه الزاوية، نوعاً من التربية السياسية غير الرسمية يتعلم فيها جيل من جيل سابق كيف ينظم المطالب ويتفاوض ويبتكر الرموز.

لكن صورة «الاحتجاج الجميل» وحدها ستكون رومانسية ناقصة. فقد عرف التاريخ الفرنسي أيضاً قمعاً دموياً، ومن أبرز محطاته ما تعرض له الجزائريون المتظاهرون في باريس يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر 1961. وتفرض الإضرابات اليوم تكاليف ملموسة على مستخدمي المواصلات وأولياء الأمور والعاملين، وليست كل المطالب متوافقة، ولا كل الاحتجاجات سلمية، ولا يدل مجرد النزول إلى الشارع على صواب موقف سياسي. والتحدي الديموقراطي هو حماية حق التظاهر والمساءلة عن العنف أياً كان مصدره، مع إبقاء باب الحوار السياسي مفتوحاً.

ومع كل تلك التناقضات، يصعب إنكار غنى القاموس الاحتجاجي الذي طوّره الفرنسيون عبر أكثر من قرنين: من متاريس 1830 إلى مصانع 1936، ومن ملصقات 1968 إلى سترات 2018، ومن أحذية الباليه إلى الطناجر والجرارات وهواتف الطلاب. وربما هنا تكمن خصوصية «فنّ الاحتجاج» الفرنسي: ليس في أن كل مظاهرة جميلة أو أن كل مطلب عادل، بل في القدرة المتجددة على ابتكار أشكال جماعية ورمزية للتعبير عن الخلاف. فمن نساء باريس اللواتي خرجن طلباً للخبز عام 1789، إلى الطلاب الذين يخرجون اليوم للمطالبة بمدارس أفضل في العام 2026 (Gilets Jeunes)، يتغيّر المشهد ويبقى السؤال: من يقرر شكل حياتنا، وكم ينبغي أن يكون لنا من صوت في هذا القرار؟

Print Friendly, PDF & Email
مازن الغول

كاتب وباحث لبناني

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  فوردو ليس السطر الأخير في حرب إعادة تشكيل الشرق الأوسط