كورونا.. فرصة مهدورة لا تعوض؟

نحن في حالة حرب مع عدو بدأنا للتو التعرف اليه. كل ما بيدنا من سلاح هو استراتيجية الدفاع أفضل مئة مرة من الهجوم. لا نعرف بعد أين يتمركز ومتى وكيف سيهاجم؟ لم نكتشف اصلاً اسباب العداوة المفاجئة بيننا ومن الذي تسبب بها. الكفة ما زالت تميل لصالحه برغم كل الفائض في مخزون الاسلحة النووية والبيولوجية والتقليدية التي جمعناها منذ عقود والتي تم تحييدها أو تبديدها في لحظات.

ها هم اطباء العالم والمستشفيات ومراكز العلاج والمختبرات العلمية يقفون في الجبهات لتنسيق خطط المواجهة مع “العدو”، بينما كان الرهان على الجنود والطائرات والمدافع والصواريخ والتكنولوجيا العسكرية للقيام بالمهمة.

الوباء متمسك بانه قادر على انزال الضربة القاضية ونحن نحاول استغلال الوقت والفرص وحرب الاستنزاف بانتظار اكتشاف السلاح القادر على ايقافه عند حده.

 استطلاعات رأي متشابهة ومتطابقة تدعو الى الاستعداد لأزمات ومتغيرات كثيرة تهدد العديد من القيم والاسس الاجتماعية والاخلاقية والدينية كلما طالت المحنة. واحد بالمائة فقط من سكان العالم يواصلون حياتهم اليومية دون تغيير. الخزان الصحي والاقتصادي محمي لثلاثة اشهر أخرى في العديد من الدول. نحن نأكل من الجيب الآن. لا بد من ثمن ما سندفعه شئنا أم أبينا.

فيما يتحدث البعض عن ضرورة جمع النخب في مراكز الابحاث والدراسات النفسية والعلوم الاجتماعية لاستيعاب ارتدادات الجائحة على بنية الفرد وسلوكه وعلاقاته الاسرية والبشرية، يتمسك البعض الاخر باولويات المصالح والحسابات السياسية والامنية والاقتصادية الضيقة.

 كورونا هو العدو الذي يبدو أن مراكز النفوذ والقرار لن تستسلم امامه وستعمل على تحويله الى فرصة للتجديد والتغيير ولكن باتجاه بناء شبكة علاقات اقليمية ودولية تقدم مصالحها وحساباتها كما حدث دائماً.

هدف الحكومات في هذه المرحلة هو الخروج من المحنة بأقل الخسائر والاضرار. الهدف الاهم هو الذي سيبدأ بعد ذلك، أي عملية الترميم والتجميل المرتقبة التي سيطرحها علينا البعض ويطالبنا بقبولها وتبنيها في علاقاتنا الاجتماعية والفكرية والثقافية وربما الدينية الجديدة؟

المواجهة التي كنا نعرفها حتى الامس القريب، كانت بين شعارات العولمة وهدف حماية الفروقات على حساب الفوارق. كيف سيتم ترتيب المعادلة الجديدة هذه المرة؟ الفوارق على حساب الفروقات ربما. هي معركة خاسرة بالنسبة للكثيرين في جميع الاحوال. بعد الخروج من الحجر المنزلي، ستكون المواجهة بين توجهين متباعدين: مسار يحاول حماية ما تبقى من المصطلحات والمفاهيم القديمة التقليدية في نظم العولمة العابرة للحدود اقتصادياً وامنياً وتكنولوجياً على حساب الحريات وتكريس الديمقراطيات. ومسار عولمة اخر بمفاهيم قومية وعرقية وفلسفية ودينية اكثر تشدداً وانغلاقاً.

حتمية ظهور بنية عولمة اجتماعية اقتصادية انسانية جديدة هي التي تطغى وتتقدم في كل القراءات والتحليلات والنقاشات. اسلوب التنقيط في الحياة اليومية للافراد والدول قد يكون فرصة للبقاء على قيد الحياة لكنه لن يكفي لتجاوز المرحلة والخروج من المازق.

نظام عالمي جديد إما إلى المزيد من الشفافية والليبرالية او التوجه نحو انغلاق وتعتيم وتجاهل في علاقة عامودية تزيد حجم الشرخ والانشقاق بين شرائح المجتمع واسسه.

سلوك وتصرفات وقرارات العديد من العواصم والقيادات ومراكز القرار في العالم تقول أن المعركة بين مدرستي المثالية والواقعية ستحسم بهزيمة الاولى مرة أخرى كما حدث مع ولادة كل نظام عالمي جديد يخرج من الحروب والكوارث والازمات وهذا هو المرجح حالياً.

سيناريو التقاسمات الصينية الروسية هو الذي يتقدم على حساب التموضع والثقل الاميركي الاوروبي. العديد من دول العالم الثالث التي تملك القوة الاقتصادية المالية ستكون بين المستسلمين ايضا لانها لا تملك التكنولوجيا والخبرة والقدرة على الاستقلالية العلمية والتكنولوجية

ثمة تطورات تستدعي التأمل:

قانون الطوارىء الذي كشف النقاب عنه رئيس الوزراء المجري فيكتور اوربان قبل اسابيع بصلاحيات وقرارات استثنائية لا علاقة لها بالمعايير والقيم الاوروبية ودولته عضوة في الاتحاد منذ العام 2004؛

تقويم رئيسة البنك المركزي الاوروبي كريستين لاغارد لمخاطر ومتطلبات المرحلة المقبلة في العلاقات الاوروبية المالية؛

تقرير منظمة العمل الدولية في مطلع نيسان/أبريل المنصرم حول ارتدادات ازمة الحجر المنزلي التي سيعاني منها حوالي ثلثي سكان العالم مالياً واجتماعياً وحياتياً.

تصب هذه التطورات كلها في مجرى نهر أن الامور لن تتبدل كثيراً بعد الخروج من الحجر. سيكون الفوز مرة أخرى من نصيب اصحاب النفوذ والثقل المالي والتجاري الذين يرسمون السياسات الاقتصادية والامنية في العالم، حتى ولو كان الغطاء هو شعار التغيير والتجديد بنكهة اجتماعية انسانية اخلاقية.

سيناريو التقاسمات الصينية الروسية هو الذي يتقدم على حساب التموضع والثقل الاميركي الاوروبي. العديد من دول العالم الثالث التي تملك القوة الاقتصادية المالية ستكون بين المستسلمين ايضا لانها لا تملك التكنولوجيا والخبرة والقدرة على الاستقلالية العلمية والتكنولوجية. فرصها محدودة جداً في اختيار التحدي للتحررمن قيود الولاء والمبايعة.

بعد المحنة، سنكون امام امتحان حقيقي صعب ومعقد حول ما الذي سيجري. بعض الدول قد تخرج سالمة بخسائر واضرار جزئية. بعضها سيبقى في غرفة العناية الفائقة لفترة أطول بانتظار استجماع قواه واستيعاب ما جرى. لكن الاغلبية ستبقى متمسكة بجهاز التنفس الاصطناعي لانه الخيار الوحيد الذي ستملكه. التدابيرالاحترازية المتخذة بطابع وقائي صحي حياتي في ظروف استثنائية قد تتحول الى سياسات ثابتة في العلاقة داخل الدول وفيما بينها. ما يطلب الينا اليوم تحت عنوان المسافة الاجتماعية كتدبير وقائي بين الافراد قد يتحول الى قاعدة راسخة في التعامل ومنظومة العلاقات الجديدة.

كانت نهاية الحرب العالمية الثانية وانشاء منظمة الامم المتحدة نقطة تحول مهم في العلاقات الدولية ثم اعقبها سقوط نظام القطبين وانهيار الاتحاد السوفياتي لصالح الولايات المتحدة الاميركية في التفرد والهيمنة. برز نظام العولمة في العقدين الاخيرين ليحول القرار والثقل والنفوذ الى الاقتصاد والتكنولوجيا والاعلام. من يملك او يدير راس المال وحركته في العالم هو الذي سيقود ويوجه كل المعايير والانظمة والقواعد الاجتماعية والاخلاقية والقانونية.

بعد الجائحة، سيتمحور النقاش حول نظام عولمة جديد لا فرق عنده بين أن نتصافح بالقفازات والكمامات او نعتمد الطريقة الكلاسيكية بين الشعوب والحضارات. اليد اليمنى نحو القلب وانحناءة خفيفة بالوجه نحو الارض وابتسامة فيها الكثير من التواضع.

يروي لنا احد اهم قدماء الكتاب الاتراك الليبراليين الذي يعيش منذ اسابيع حياة العزلة في منزله الصغير خارج تركيا انه راجع مضطراً سلوكه وتصرفاته مع زوجته بنسبة 180 درجة. هي اشترت مؤخراً عبر الانترنت بلطة وساطور لحم. هو أكثر من قلق وخائف لانها نادراً ما تحتاج في مطبخها الى مثل هذه الادوات.عالمنا اليوم في حالة مشابهة ربما. كورونا فرصة لا تعوض للخروج من وضعية الرأس دائما تحت المقصلة!

د. سمير صالحة

كاتب وباحث تركي، أستاذ جامعي في القانون الدولي العام والعلاقات الدولية

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download