جنسيتي اللبنانية للبيع.. هل من يشتري؟ 

رأيت في منامي البارحة أنني عرضتُ جنسيتي اللبنانية للبيع؛ فلم يشترِ أحد بضاعتي.
قالوا لي اِذهب الى سوق آخر، فلبنانُكم تفوحُ منه روائح التشرذم والفساد والتطرّف والتعصّب الأعمى لهذا الزعيم او ذاك البيك او المير او الشيخ او زعيم العشيرة او المنطقة او الكانتون الطائفي او المذهبي الفلاني.. وبرغم كل ما حدث لكم، مازلْتُم أنفسكم.. تُؤلهون زعماءكم، وخطوطُكم الحمراء هي نفسها على الرغم من اللون الاسود الشاحب الذي يحيط بكم وبمستقبل وطنكم المُهدّد بالزوال!
أسألُك، نعم انتَ أسألُك!
 كيف تريدنا أن نشتري بضاعة كاسدة؟ خانعة؟ مُخدّرة؟ مسلوبة الحياة!
كيف لي أن أشتري بضاعةً “طلعت رائحة زعمائها وشاعت في كل مكان ووصلت اخباركهم لأقاصي العالم وعبر المحيطات” منذ زمن طويل ووصلت الى بقاع الأرض وقد تكون وصلت الى اهل المريخ؟ فهل انت مجنون يا ولدي؟ ام ماذا اصابك كي نشتري هكذا بضاعة!
بل كيف تريدنا ان نشتريها وهي ساكتة ومُستكينة هكذا.. بلا فعل، بلا قول، بلا حياة.. تقول ما لا تفعل!
وطنكم اصبح نُكتةً في فم القاصي والدّاني! كيف اشتري منكم من يساوي في قيمته حالةً من الإستسلام والإستزلام والرخص؟ ومن ساسته ما زال همّهم الوحيد جمع الدراهم والدولارات والعقارات والشركات وكيف يُحصّلون المناصب والمكاسب والمواقع ولو على جماجم الشعب وآهات الكهول وبكاء الأطفال والمقهورين والمحرومين والمعذّبين! وبرغم كل ما فعلوه به منذ اكثر من اربعين سنة من سرقة ونهب وتنكيل وتجويع وشرذمة وتخاصم على اتفه الأمور!
ثمّ إلتفت إلي وقال: ما رأيُك أن تُزين هديتك أكثر فتبيعها للنخاسين بقوميتِك العربية!
وقفتُ مليّاً أمام نفسي أتأملُ ما قيل لي وقلت في نفسي: لِم لا!
هكذا من المُمكن ان يجبرها عن كاهلي ربّ العالمين!
فأعيش بثمنها خادماً لدى بعض أمراء النخاسة وارسل ما احصل عليه من دراهم لكي يحصل ابنائي على بعض حليب الأطفال، او لوالديّ لكي يشتروا بها بعض علب الأسبيرين والأدوية الأخرى المقطوعة في الأسواق، او عسى ان ارسلها لصديقي طبيب البنج والتخدير في احدى مستشفيات العاصمة لكي يشتري بها بعض غالونات البنزين من السوق السوداء، بعد ان مُنع قسراً من الوصول الى مكان عمله بسبب ازمة المحروقات الحادّة، ولعدم قدرته على الوقوف ساعات في طوابير الذلّ والهوان التي تشهدها بلادنا منذ اشهر، من دون ان يرفّ للواقفين جبين ودون ان يتوجّهوا إلى بيوت هؤلاء الساسة الفسدة واعوانهم وازلامهم لكي يقتلعونهم من حصونهم ويرمونهم للكلاب الشاردة التي ارادوا لهذا الشعب ان يتشرّد مثلها وقد نجحوا في ذلك على كلِ حال!
ولكنني صُدمت ايضاً بأن احداً لم يشترِها منيّ.. عندها  أيقنت ُان قوميتي العربية اصبحت ايضاً بأبخس الأثمان بعدما باع معظم العرب قضيّتهم وتآمروا عليها وتكالبوا وضربوها بالصميم بخناجر التطبيع والمهادنة بإسم قيم ظاهرها التعايش والتسامح والمحبّة، وباطنها كل المعاني، التي لا تُشير سوى للمؤامرة وفقدان الحسّ القومي والإنساني وفقدان الأخلاق والضمير!
وجميعنا نعلم اصلاً انهم يفتقدون لكل هذه القيم التي تستّروا بها واستعملوها فقط كغطاء لتبرير الجريمة امام شعوبهم ولإقناع اصحاب القضية بأنهم مُسالمون مُتسامحون!
 وكيف يشتري الشراة وهم يعلمون ان العِربُ صارت مضحكة للقريب وللبعيد؟
فصرت أنادي بأعلى صوتي:
“انسانٌ انا والإنسانية انتمائي”،
فهل من مُحتاج يشتري هذا الإنتماء خاصةً وانه في وطني تحديداً جيوش واجهزة امن ومخابرات لأكثر اعضاء الأمم المتحدة ودولها ولكل القوى العظمى والإقليمية!
وإذا بشخص مُدجج بالسلاح يقترب مني ويعتقلني!
التهمة: غشاش!
الإدعاء: إنتحال صفة إنسان.
وحين رماني في السجن،
تبيّن لي أنني في عالم الواقع.
ولست ابداً في عالم الأحلام!
متى سنعاود ترتيب الكتب في مكتبة بغداد؟ ومتى ستعود بيروت ام الدنيا ومركز الإشعاع والنور في هذا الشرق؟ وهل هذا سيكون في زماننا ام في زمن الأحفاد؟ ام انه لن يكون ابداً ما دام حزب الفسدة هم الغالبون؟
كانت زنزانتي “محرقة او مكبّاً للنفايات” في احدى الضواحي الشمالية او الجنوبية او الشرقية او البحرية لا فرق! في قلب عاصمة الظلام ام الدنيا بيروت، او في “نفق مظلم” تعهّده مُتعهد قرّر البارحة ان يترك لبنان بعد اربعين سنة من النصب والطرح والضرب والقسمة والنهب وسرقة المال العام بلا حسيبٍ او رقيب.. او في “جورة ضخمة سحيقة” تركها مُتعهد آخر على اوتوتوستراد صيدا- صور الذي كلّف اكثر بكثير من اي جسر محمول فوق الماء، شيّدته دولة الصين العظمى او اي دولة اخرى.. وهو الذي بدأ العمل به منذ اكثر من ثلاثين سنة ولم ينتهِ لكي يبقى دوماً وابداً مصدر “عيش لا كريم” لهذا او ذاك من المُتعهدين المحظيين ومن خلفهم.. او اخيراً على معمل من معامل شركة كهرباء لبنان المُعطّلة بسبب فيولهم المغشوش الذي توقّف ملف التحقيق به عند المدعي العام المالي وجُمّد عنده كي لا تنكشف عورات الناهبين والغشّاشين طيلة اكثر من ١٥ سنة وهم مجموعة من العائلات المدعومة سياسياً وطائفياً ومناطقياً الى درجة لا يتخيّلها العقل والمنطق، علماً انهم صرفوا وهدروا وسمسروا على ملف الكهرباء اكثر من اربعين مليار دولار منذ نهاية الحرب ولا كهرباء ولا من يحزنون حتى الساعة وان حجّة بعضهم عندما تفاتحهم لماذا فشلتم في إدارة هذا الملف؟ جاهزة ومعلومة من كل متابعي نشرات الأخبار في لبنان: لقد منعونا من العمل وافشلوا خططنا ووضعوا لنا العصي في الدواليب! برغم انهم استلموا الوزارة لأكثر من اثنتي عشرة سنة!
وبعد ان استيقظت اكثر تذكّرت جيداً كلام الكاتب السوري محمد الماغوط وكلماته الشهيرة حين قال:
“عندما كنت أسمع بائع الجرائد ينادي:
الوطن بثلاث ليرات.
الثورة بليرتين.
العروبة بليرة وربع.
الشعب بليرة.
كنت أظنه يقصد سعر الجرائد”!.
وعرفت المعاني الحقيقية لكل تلك العبارات المليئة بالحِكَم وبكل معاني التمرّد والثورة على الواقع الذي نعيشه في كل عالمنا العربي..
إذ لا قيمة لا لوطن ولا لثورة ولا لعروبة ولا لشعب! لقد ايقنت جيداً انه محكومٌ علينا ان نُبتلى بشتّى انواع المصائب والنكبات، لأن حكامنا من المحيط الى الخليج حفظوا جيداً هذه المقولة الشهيرة وهم يطبّقونها حرفياً في كل قطر عربي ومن المحيط الى الخليج دون اي إستثناءات.
وكأن ذلك كان قدرنا المحتوم منذ سقوط بغداد على ايدي المغول،
ومنذ ان اُحرقت مكتبة بغداد على ايدي هولاكو.
بحيث اننا نعيش الذلّ والإنحطاط والقهقهرة والتخلّف والإنقسامات بجميع أشكالها، منذ ذلك الوقت وحتى وقتنا الحاضر.. فمتى سنعاود ترتيب الكتب في مكتبة بغداد؟ ومتى ستعود بيروت ام الدنيا ومركز الإشعاع والنور في هذا الشرق؟ وهل هذا سيكون في زماننا ام في زمن الأحفاد؟
ام انه لن يكون ابداً ما دام حزب الفسدة هم الغالبون؟
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أهداف أميركا في العراق متواضعة.. تفادي الهزيمة!
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إنسَ أنكَ لبناني.. لقد كسرنا لبنانُهم!