بورتريه Archives - 180Post

801.png

في السادس والعشرين من حزيران/يونيو 2026 المنصرم، حلّت الذكرى الثالثة عشرة لرحيل المفكر التونسي العفيف الأخضر (1934-2013)، الذي توفي في منفاه الباريسي بعد صراع طويل مع مرض السرطان. غير أن استعادة سيرته لا تكتسب أهميتها من المناسبة وحدها، بل لأنها تعيد التذكير بمثقف عربي ظل، حتى أيامه الأخيرة، يعتقد أن الحرية تبدأ من نقد الذات قبل نقد الآخرين، وأن الفكر الحقيقي لا يعرف اليقين النهائي.

800-5.png

وأنا أخطو خارجاً من ردهات غرفة العمليات الجراحية، ممتلئاً برغبة عارمة في العودة إلى صخب الحياة الطبيعية، كان همّي الأول أن أمدّ حبال الطمأنينة إلى قلوب الأهل والأحبة والأصدقاء الأوفياء، وأن أزفّ إليهم خبر نجاح العملية، ولا سيما أن الخوف كان قد تملّكهم، بعد أن طالت غيبوبتي المستسلمة لتأثير التخدير أكثر مما كان متوقعاً. تحاملت على بقايا الخدر، فتحت هاتفي النقال، ومرّرت أصابعي المرتجفة فوق تطبيقاته. لم أكن أبحث عن الموت، بل كنت أقتفي أثر الحياة. لكن الصدمة كانت بانتظاري في أول السطر؛ إذ فاجأتني رسالة عبر «الواتساب» تحمل نعيًا صاعقًا يعلن رحيل الأستاذ عبد الله التغزري «المنصوري» (1942 ــ 2026).

780.png

حين اهتزّ هرم السلطة في طهران في ربيع 2026، لم يكن صعود أحمد وحيدي إلى قمة الحرس الثوري حدثاً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة منطقية لمسار طويل لرجل لم يكن يوماً في الواجهة، لكنه كان دائماً في صلب القرار. لم يصل وحيدي لأنه الأكثر حضوراً، بل لأنه الأكثر معرفة بخفايا النظام، والأكثر تمرساً في إدارة الحروب التي لا تُرى.

780-6.jpg

في ربيع 2026، وبينما كانت احتمالات المواجهة بين واشنطن وطهران تتصاعد، كان هناك رجل في راولبندي يشتغل على إيقاع مختلف. بعيدًا عن ضجيج الإعلام، وبحسابات دقيقة، نجح في فتح قنوات تواصل بين خصمين تاريخيين هما الولايات المتحدة وإيران. ذلك الرجل هو المشير سيد عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، الذي تحوّل خلال سنوات قليلة من ضابط مثير للجدل إلى أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في التوازنات الإقليمية والدولية.

800-20.jpg

خرج مجتبى خامنئي من بين أنقاض مجمع القيادة في طهران مثقلاً بجراحه إثر الهجوم الإسرائيلي–الأميركي المشترك. إنه المكان الذي ترعرع فيه منذ أن كان في العشرين من عمره. هناك طوّر معظم علاقاته، وصنع أخرى، كلها ستكون مهمة جداً في مسيره نحو الثامن من آذار/مارس 2026، يوم إعلانه قائداً أعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ووليّاً فقيهاً خلفاً لوالده السيد علي خامنئي.

800-12.jpg

انتقل السيد مجتبى خامنئي من «غرف القرار الصامتة» إلى قمة هرم السلطة في إيران، في لحظة فارقة في تاريخ «الجمهورية الإسلامية الإيرانية». لم يكن هذا الانتقال مجرد إجراء دستوري، بل كان عبارة عن «ولادة في قلب العاصفة»، حيث تزامن اختياره مرشداً أعلى للثورة الإيرانية خلفاً لوالده آية الله علي خامنئي، مع أعنف وأوسع حرب تشهدها المنطقة منذ نصف قرن تقريباً.

801.jpg

كلما حططتُ رحالي في بيروت، أشعرُ أن ثمة دينًا في عنقي لا يسقط إلا بلقاء «العرّاب». ففي هذه المدينة التي لا تنام إلا على وجع، ولا تستيقظ إلا على أمل، ثمة رجل واحد اختصر بياضُ شعره المنسدل حول رقبته تاريخًا من الثقافة والنضال، ومن القصائد التي تشبه طلقات الرصاص في نقائها ووجعها. إنه بول شاوول، الشاعر الذي لم يكتفِ بكتابة الشعر، بل جعله نمطَ حياة، ونفَسًا يوميًا، وصمودًا سياسيًا في وجه الخراب.

ahmad.png

وقف أحمد الشرع، الرئيس السوري الانتقالي، على شرفة قصر المهاجرين في دمشق، يطل على المدينة التي لطالما شهدت حروباً. دمشق، منارة الأمويين وصرح الحكام، تتلألأ تحت ضباب الليل وأضواء الشوارع المبعثرة، محافظة على غموضها وجمالها برغم التآكل والحزن المتراكم على حجارتها. تتنفس المدينة الهواء البارد القادم من نهر بردى، ويشعر الحاكم الجديد بثقل الأيام التي حملها على ظهره. وعلى الرغم من انتصاراته، ينتابه شعور مركّب من الانتصار والفراغ والمجهول، لكأنّ دمشق تهمس له: "لقد وصلت، لكن من أنت حقًا"؟

800-18.jpg

ربما لا يحمل بطاقة حزبية ولا يتحدث على المنابر، ولكنه الصوت الصامت لأعظم دولة، الولايات المتحدة الأميركية. فهو ليس بحاجة إلى منصب ليحكم أو يؤثر، فمن مستثمر إلى مستشار، قصته بمثابة رحلة ربطت أصوله في زحلة بواشنطن.