لبنان بين الفتنة الداخلية وإغراء “الوصاية السورية”!

يجدُ لبنان نفسه اليوم عالقاً في برزخٍ استراتيجي خطير، بين قراءات ترى في المشهد الحالي بداية لنهاية الهيمنة الأحادية، وبين واقعٍ ميداني يشي بمقايضات جغرافية كبرى قد تطيح بما تبقى من كيان لبناني. إن فهم ما يُحضر لبيروت يتطلب الربط المحكم بين التسريبات الاستراتيجية المقصودة الصادرة من واشنطن، والضغوط الممارسة على المؤسسة العسكرية، ووضعها في سياق الصدام الثلاثي الكبير (طهران - واشنطن - تل أبيب).

أولاً؛ بين “الفضيحة الاستراتيجية” وفخ الاستنزاف

يرسم الخبير الصيني “جيانج زوكين” مساراً حتمياً لسقوط الردع الأمريكي، وهو ما يتقاطع مع ما يروج له الكاتب “مكاوي الملك” تحت مسمى “الفضيحة الاستراتيجية”. فإدارة ترامب التي دخلت في مواجهة مع طهران، وجدت نفسها أمام كابوس استنزافي هزّ صورة “حاملات الطائرات” وأدى إلى نتائج عكسية، حيث أنعش على وجه الخصوص خزينة فلاديمير بوتين بأسعار برميل نفط تعاود ارتفاعها. هذا الاستعصاء الميداني في مضيق هرمز دفع دوائر صنع القرار في واشنطن للبحث عن “مخارج بديلة” على أنقاض السيادات الوطنية.

ثانياً؛ المقايضة الموعودة

تتكشف ملامح هذه المقايضة في ما يشاع داخل كواليس البيت الأبيض عن عدم رضا الرئيس ترامب عن أداء الرئيس اللبناني جوزاف عون، وتفضيله لشخصية يراها “أقدر على الضبط الإقليمي” مثل الرئيس السوري أحمد الشرع لإدارة شؤون البلدين معاً. وهنا تبرز فرضية “المقايضة الموعودة”: إطلاق يد دمشق في لبنان كوصاية بديلة، مقابل تنازلات جغرافية في الجولان وغيره من الأراضي السورية لصالح إسرائيل، وقيام دمشق بمهمة “إلهاء” أو تطويق او حتى مواجهة في البقاع اللبناني من جهة الشرق لتسهيل خروج إسرائيلي آمن من وحل المواجهة، من دون استبعاد خيار “الدفرسوار” من جبل الشيخ نحو البقاع مروراً براشيا تمهيداً لفصل الجنوب عن البقاع.

ثالثاً؛ الضغط على اليرزة

يترافق هذا المسار مع ضغط سياسي أميركي على المؤسسة العسكرية اللبنانية. يبرز في هذا السياق الهجوم الذي يشنه أمثال توم حرب، الذي يطالب صراحةً بتغيير قائد الجيش العماد رودولف هيكل لرفضه الانصياع لإملاءات هادفة إلى دفع الجيش اللبناني لخوض مواجهة دموية مباشرة مع حزب الله بهدف نزع سلاحه. إن ما يُروّج له هؤلاء من “ضربة عسكرية مزعومة” قد تستهدف وزارة الدفاع في اليرزة، ليس سوى أداة ضغط قد يلجأ إليها الإسرائيلي كلما زادت وتيرة وقوة وفعالية إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان. هذه المزاعم تهدف لرفع الغطاء عن الجيش بذريعة تنسيقه الأمني مع حزب الله ووضعه بين خيارين: إما الانتحار في فتنة داخلية، أو التفكك الكامل لتسهيل مرور مشاريع الوصاية الإقليمية. نعود هنا ونُذكّر أن الحفاظ على وحدة الجيش هو حفاظ على كيان لبنان وأي مسّ بالمؤسسة العسكرية يجب أن يتصدى له العقلاء والحريصون على بقاء لبنان، بعيداً من الشعارات الرنانة، وبالسر كما بالعلن.

رابعاً؛ حق التحرير

وبرغم أن تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة واستعادة السيادة الكاملة هو حق مشروع تكفله الشرائع الوطنية والقوانين الدولية (أو ما تبقى منها!) إلا أن هذا الحق يصطدم اليوم بصخرة الصراع الدولي المحتدم. فعملية التحرير لم تعد شأناً محلياً صرفاً، بل أصبحت مرتبطة عضوياً بنتائج الحرب الكبرى على إيران، حيث ستحدد موازين القوى الناتجة عن هذا الصدام مدى قدرة لبنان على فرض ما تبقى من سيادته أو تحوله إلى ورقة مقايضة في يد الأقطاب المتصارعة.

خامساً؛ فولكلور الوقت الضائع

وفي هذا الوقت، يبرز الدور الفرنسي كأداء “فولكلوري” باهت؛ حيث تنحصر الفعالية الفرنسية “الماكرونية” اليوم في إرسال المساعدات الإنسانية. تسعى باريس عبر هذه “الدبلوماسية الإغاثية”، مشكورة ومأجورة، لجمع بعض الفتات في الوقت الضائع، في محاولة يائسة لإيجاد دور ثانوي في منطقة لم يعد لفرنسا فيها أي تأثير ملموس بعد أن فقدت قدرتها على التأثير في معادلات القوة الصعبة، لتكتفي بدور “الممرض”، وهو دور مشرف من الناحية الإنسانية البحتة، في ساحة يسيطر عليها “الجرّاحون” الدوليون، حيث لا مكان للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فيها، إذ أن فرنسا “جاك شيراك” وسياستها “العربية” المتوازنة أضحت اليوم أثراً بعد عين، أمام انحسار الدور الفرنسي الحالي وتحوّله إلى مجرد صدى ديبلوماسي، يبكي أطلال أمجادٍ أضحت مواداً تُدرَّس في معاهد العلوم السياسية الفرنسية.

سادساً؛ العودة إلى مربع “الانتظار”

في ظل هذا التخبط الرسمي، تنتهي كل التحركات عند النقطة التي فرضها “الميدان-الميزان”! فانتظار نتائج الصدام الكبير في مثلث (طهران – تل أبيب – واشنطن) سيُحدّد ما إذا كان لبنان سيبقى كياناً مستقلاً، أم سيتحول إلى “جائزة ترضية” في سوق النخاسة الدولي مقابل تمرير خرائط “القضم” الجغرافي.

إن الوعي بهذه المخططات والفتن التي ستنتج عنها هو الخط الدفاعي الأخير قبل أن تلتهم نيران المصالح ما تبقى من وطننا “الصغير-الكبير” لبنان! وللبحث حتماً تتمة.. علّنا نتذكر ونفقه ما جاء في نصّ الآية الكريمة: {قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  كنت في إسطنبول.. وهذا ما قلته عن احتمالات الحرب المفتوحة
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  شرق الفرات يتأرجح بين احتمالات المواجهة.. والتهدئة