صمت الكبار في زمن.. الفتنة

في خضم هذا المشهد اللبناني الإقليمي الملتهب، كان لافتاً للانتباه موقف الرئيس نبيه بري. فعندما سُئل عن التطورات اكتفى بالقول: «لا تعليق». عبارة «لا تعليق» أتت من رجل يحمل في جعبته من الخبرة ما لا يمتلكه أي من الساسة اللبنانيين، وباعترافهم. فمن خاض أصعب وأعتى وأخطر المعارك السياسية أدرك مبكراً أن ما يجري ليس مجرد معركة عسكرية عابرة، ولا مجرد جولة جديدة من جولات الصراع المعهودة، بل تأسيس لمشروع تفتيتي جديد يعيد رسم خارطة المنطقة على مقاس «إسرائيل الكبرى» المُشتهاة.

أولاً: قراءة في دلالات الصمت

«لا تعليق» تعني أن الأمور وصلت إلى درجة من الخطورة لا تحتمل التصريحات العابرة ولا التصريحات النارية. إنه صمت الرجل الذي يرى الفتنة تحضر أمام أعينه المُعتّقة، والذي يدرك يقيناً أن ثمة من يزرع الفتنة بين أبناء المكوّن الواحد، بل داخل البيت الشيعي نفسه، بين حركة أمل وحزب الله، بين أبناء “الثنائي” الذي شكل لعقود العمود الفقري للمقاومة في لبنان.

بري يدرك تماماً أن ما يجري اليوم يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية. هو يرى ما يراه أبناء بيئته: تهجيراً قسرياً، وتضييقاً اقتصادياً، واستهدافاً ممنهجاً لكل ما يبني العيش المشترك. لكنه في الوقت نفسه يرى أن العدو يتربص، وأن أي كلمة نارية يمكن أن تكون الشرارة التي تُشعل الفتنة الكبرى المرجوّة التي يخطط لها منذ عقود.

«لا تعليق» إذاً ليست هروباً من تحمل المسؤولية، بل قراءة عميقة للمشهد وفهم دقيق لطبيعة المرحلة. الوقت الآن ليس للمحاسبة بل للالتحام، وليس لتصفية الحسابات بل للالتفاف خلف المقاومة بجميع أطيافها. فالعدو لا يفرق بين لبناني وآخر، ولا بين حزب وحركة، ولا بين مؤيد للسلاح ومعارض له. هو يستهدف البيئة بكل أطيافها ويهدف إلى تفتيتها من الداخل. وعندما يكون الهدف واحداً يجب أن تكون الصفوف واحدة.

ثانياً: إسرائيل تفتح جبهة الفتنة الداخلية

إسرائيل هذه المرة لا تريد تجويع البطون فقط. هي تفتح جبهة موازية للحرب، أشد فتكاً وأكثر التواءً: جبهة الفتنة الداخلية. تريد أن ترى الشيعي يقف في وجه أخيه، وبذلك تحويل البيئة الحاضنة إلى بيئة طاردة. إنها معركة «اقتلع الشجرة من جذورها» لا مجرد قصّ أغصانها.

جوهر المخطط هو التالي: إسرائيل لا تريد فقط نزع سلاح حزب الله، بل تريد هندسة حلّه الكامل وإلغاءه سياسياً. إنها تريد أكثر من نزع سلاح المقاومة، تريد اقتلاع الحزب من بين أبناء طائفته.

هذا هو الخطر الأعظم. حين يتحول الضغط العسكري إلى ضغط مجتمعي، وحين تتحول الحرب مع العدو إلى حرب بين أبناء الداخل. إسرائيل تدرك أن حزب الله لا يُهزم بالصواريخ وحدها، بل بفقدان بيئته. ولذلك تعمل على آليات متعددة:

أ. التضييق المادي مقدمة للتفكيك المعنوي

عندما قصفت وتستمر طائرات العدو في تدمير فروع «القرض الحسن» لم تكن تستهدف حجارة أو خزن أموال فحسب. كانت تستهدف شبكة كانت، على مدى سنوات الانهيار، الشريان الذي يضخ الصمود والصبر في بيئة بأكملها. «القرض الحسن» لم يكن مصرفاً عابراً، بل كان تعبيراً عن تضامن جماعي؛ قروض حسنة تزوج بها شاب، وافتتحت بها عائلة مشروعاً، واستشفى بها مريض.

العدو يدرك ما يدركه كل من درس هذه البيئة: من يقطع عنها خدماتها يفقدها صمودها، ومن يفقدها صمودها يفتح باب التساؤل: لماذا كل هذا الثمن؟ وأين الدولة التي تدفع وتدافع عنا؟ وأين الأخوة في الدين والطائفة حين نحتاجهم؟

هنا يبدأ تفعيل المخطط. هنا تبدأ الفتنة.

ب. لعبة الأمم: إسرائيل والدولة في مواجهة غير مباشرة

في اليوم نفسه الذي قصفت فيه «القرض الحسن» للمرة الأولى، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيتقدم للسيطرة على «مناطق إضافية» في جنوب لبنان بحجة «منع إطلاق النار المباشر على إسرائيل». رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو يُصرّح بأن الهدف هو «الأمن لجليلنا»، والدولة اللبنانية ترد محذرة من «التصعيد الإقليمي»، ثم تبدي استعداداً للتفاوض المباشر وعلى مستوى وزاري وفي أية عاصمة قريبة مقترحة مثل لارنكا.

لكن المفارقة أن العدو يضع الحكومة اللبنانية في موقف لا تُحسد عليه: يطالبها بنزع سلاح حزب الله، وفي الوقت نفسه يواصل القصف والتهجير، مما يضعف مصداقية الدولة أمام أبناء الجنوب. حين ينسحب الجيش اللبناني من جنوب الليطاني بدلاً من مواجهة العدو، لا لأنه لا يمتلك الشجاعة بل لأن العتاد المناسب حُرم منه، فالجيش رتباء وضباط من خيرة الشباب ونحن نعرفهم فهم منا وأهل هذه الأرض، يتألمون لألمها. لكن أبناء الجنوب الذين يرون دبابات جيشهم تنسحب ودبابات العدو تتقدم، فأي رسالة تصلهم؟ إنها رسالة أن لا أحد يحمينا سوى سلاحنا. ماذا لو تكرّر الأمر نفسه عند الحدود الشمالية والشرقية، في مواجهة أي توغل عسكري سوري، هل سيجد أهالي تلك المناطق من كل الأطياف اللبنانية إلا أن يُدافعوا عن أنفسهم؟

العالم يطالب الدولة بضبط الحدود، والدولة تطلب مهلاً وإمكانات، والعدو يضيق الخناق ليجعل من «عجز الدولة» ورقة ضغط بيده. وفي هذه الفجوة بين وعد الدولة وقدرتها وبين حاجة المواطن وخذلانه، تزرع إسرائيل بذور الفتنة.

ج. استهداف التماسك الداخلي

إسرائيل تعمل على عدة جبهات داخل “البيت الشيعي”:

  • خلق شرخ بين القاعدة الشيعية وقادتها. حين يشعر المواطن اللبناني الشيعي أن ثمن دعمه للمقاومة أصبح مرتفعاً جداً (تهجير، تدمير، قتل)، تبدأ التساؤلات بالظهور: هل هذا الثمن ضروري وهل قدّمت لنا إيران ما يستحق منا المعاملة بالمثل؟ أليس هناك وقت أفضل لهذه المواجهة؟ «الحرب مع إسرائيل كانت حتمية، لكن هل كان هذا هو الوقت المناسب؟» جملة تتردد في أوساط البيئة الحاضنة، والعدو يراهن على تحول هذا التساؤل إلى احتقان حقيقي.

  • بروز أصوات شيعية معارضة تنتقد حزب الله وحركة أمل. هذا النموذج يريده العدو: قيادات شيعية «معتدلة» ترفض سلاح المقاومة وتقدم نفسها بديلاً سياسياً للقيادات الحالية.

  • استغلال ورقة التهجير. تهجير هذا الكم الهائل من أبناء البيئة من الضاحية والجنوب والبقاع، وإيواء آلاف العائلات في مراكز مكتظة، يخلق احتقاناً داخل المجتمع الشيعي نفسه بين من يريد المقاومة مهما كلف الثمن ومن يريد الاستقرار ولو كان ثمنه نزع السلاح.

  • تحميل المجتمع الشيعي ككل مسؤولية قرارات المقاومة. حين يشعر الشيعي العادي أنه مهدد ليس فقط من إسرائيل بل من أبناء وطنه أيضاً، تبدأ هويته الوطنية بالتصدع وتترسخ فكرة الانكفاء.

إقرأ على موقع 180  إنهزام الغرب.. ونجاحه في أفغانستان

باختصار، العدو يريد إقناع البيئة الحاضنة بأن حزب الله هو سبب محنتها، وأن رصاص إسرائيل يستهدف الحزب لا الطائفة. إنها حرب نفسية تهدف إلى فصم عرى الثقة بين الحاضنة الشعبية وقرار المقاومة.

ثالثاً: الامتناع عن الكلام

في زمن الثرثرة السياسية يبرز الامتناع عن الكلام كأعلى درجات الحكمة. إنها قوة من يملك أن يقول الكثير فيختار ألا يقول.

لكن ما نراه من قوى أخرى هو العكس تماماً. المشهد السياسي اللبناني يعاني من «شره الكلام» و«إدمان الاتهامات» و«الخطاب التعبوي المتصاعد» الذي يكرس الاستقطاب. وفي المقابل العدو يمارس شرهه هو الآخر: شره التدمير وشره التهجير وشره التفتيت.

بين هذين الشرهين تقع البيئة الحاضنة: مهددة من العدو، ومقصاة من بعض الداخل، ومختبرة في ولائها وطنياً ومذهبياً. وهي تحتاج إلى من يذكّرها بأن العدو واحد وأن الفتنة هي أخطر أسلحته.

الهدف الإسرائيلي هو «تدمير البحر الذي تسبح فيه المقاومة»، أي البيئة الحاضنة. تحقيق ذلك يتطلب شراكة مع قوى لبنانية. هنا يكمن الخطر: إذا استجابت قوى داخلية، بوعي أو بغير وعي، لهذا المخطط فإنها تكون قد وقعت في الفخ.

ولقد سبق لإسرائيل أن اتبعت سياسة «الدفاع النشط» في جنوب لبنان مستهدفة المدنيين لإحداث تدفقات نزوح كبيرة نحو بيروت بهدف الضغط على الحكومة اللبنانية. التاريخ يعيد نفسه. اليوم التهجير الجماعي من الجنوب والبقاع والضاحية ليس خطأ تكتيكياً عابراً، بل استراتيجية ممنهجة لخلط الديموغرافيا وإضعاف التماسك الاجتماعي.

ثالثاً: رسالة الرئيس بري

في خضم كل هذا يأتي موقف الرئيس بري ليذكّر الجميع بمسؤولياتهم. «لا تعليق» التي قالها هي في الحقيقة تعليق أعمق من أي تصريح. إنها رسالة واضحة:

  • المرحلة خطيرة ولا تحتمل التجاذبات.

  • العدو يريد جرنا إلى فتنة ويجب عدم إعطائه هذه الفرصة.

  • الوقت الآن للالتفاف حول المقاومة بجميع أطيافها.

الرئيس بري، الذي عاصر الحروب والفتن، يدرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب المقاومة هو أن تنشغل بنفسها وأن تتحول طاقتها من مواجهة العدو إلى مواجهة الداخل.

أخيراً؛ في رمضان نستذكر أن العبرة لا تنبت في أرض التخمة بل في تربة الاعتدال. وأن الصوم ليس حرماناً فقط بل تمرين على إعادة ترتيب الأولويات. اليوم نحن أمام امتحان مماثل: أن نجوع فنشبع وعياً، وأن نظمأ فنرتوي رحمة، وأن نُختبر في وحدتنا فنثبت أنها ليست غريزة طائفية عمياء بل خيار واعٍ بمقاومة المشروع التفتيتي.

في الختام؛ «لا تعليق» التي قالها الرئيس بري هي تذكير بأن الأولويات اليوم مختلفة، وأن المعركة مع العدو لا تحتمل الانشغال بالخلافات الداخلية.

الوعي أخطر أسلحة العدو. من يدرك أن الهدف هو تفكيكه من الداخل لن يكون أداة في تفكيك نفسه. من يفهم أن «لا تعليق» في وقتها تعادل آلاف الكلمات سيدرك أن المرحلة تتطلب التحاماً لا انقساماً.

فهل نعي قبل فوات الأوان؟

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  فلسطين "اليوم التالي".. ماذا عن "يوم سابق" لم يُغادرها؟