“الخونتا” اللبنانية.. ونزلاء السجن الكبير

كان للرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح قول مشهور عن السياسة في اليمن بتعقيداتها القبلية والاثنية والطائفية والاقليمية جاء فيه "أن حكم اليمن يشبه الرقص على رؤوس الثعابين".

لا يختلف اثنان على ان الواقع اللبناني بتعقيداته الطائفية والمذهبية والمناطقية وتداخلاته الاقليمية والدولية، جعل الحكم هنا كالراقص مع الافاعي وليس على رؤوسها كما هو حال اليمن. فالأفاعي هنا سامة، شرهة، شرسة، سلطوية، فتاكة، دموية. لا ترحم. لا تفرّق. لا تشبع. همها الوحيد الحفاظ على مكاسبها وشبكة مصالحها وفسادها. هي لا تبالي ولا تكترث سوى لبقائها على قيد الحياة.

عندنا، توجد منظومات حزبية طائفية مناطقية ذات تركيبة معقدة. لا يوجد رجل دولة ولا حتى دولة. لا يوجد وطن ولا مواطن. يوجد فقط زعماء ميليشيات يطلقون على انفسهم لقب قادة او زعماء. الآخرون، أي الرعايا هم “نزلاء” في هذا السجن اللبناني الكبير.

في لبنان، لدينا مال وفساد وكارتيلات ومصالح. الاهم من ذلك هو منطق الـ junta (الخونتا)، اي عندما تحكم مجموعة او مجموعات مسلحة البلد بعد السيطرة عسكرياً عليه، وهذا ما حصل بالفعل منذ عام 1975. وقتذاك، إستباحت المليشيات الحزبية المسلحة الدولة وحكمتها. عندما إنتهت الحرب في العام 1990 قررت الـ junta أن تندمج الدولة المتلاشية بالميليشيات. أطبقت “الخونتا” على مناصب الدولة، واصدرت عفواً عاماً حرّرها من جرائم الحرب (مئات آلاف القتلى والجرحى والمفقودين والمهجرين). معاً، دمروا البلد، قاتلوا، تقاتلوا، حكموا وسرقوا معاً. الاهم انهم باتوا ممسكين الآن بزمام البلد عسكرياً، إما من خلال “ودائعهم” في القوى الشرعية من جيش واجهزة ومؤسسات امنية، أو من خلال الميليشيات الحزبية المسلحة والمدربة والجاهزة دائما للقتال، والأخطر هي الميليشيات التي تستظل بعناوين مختلفة غير ظاهرة للعيان، وبعضها “زُرع” في الدولة طيلة عقود من الزمن.

يمكن للـ junta  اللبنانية ان تفتعل حرباً اهلية او اقله فوضى امنية للهروب من الضغط الداخلي والدولي. لديها القدرة والتنظيم والعديد والعدد.. وفي حساباتها الكثير من الاوراق

ثمة خطوط تماس أو حساسيات معروفة بين هذه الطائفة وتلك. بين هذه المنطقة وتلك. حتى ضمن الطائفة الواحدة، توجد مناطق نفوذ. لكل دولته وبلوكه الطائفي والمذهبي والحزبي والمناطقي. يلعبون لعبة الأواني المستطرقة. الاحزاب الطائفية انهكت الدولة. سرقتها. نحرتها. اشبعتها اهتراء. فككت المؤسسات. للاسف، في هذا المستنقع الغريب عن ثقافة الدول لا يوجد وطن ومواطن. لا يوجد قانون ولا قضاء ولا من يحزنون. يوجد فقط مسدس وقاتل. ميليشيا ومقاتل.

في المستنقع اللبناني النتن، لا تتردد الاحزاب الطائفية وميليشياتها المعلنة أو المضمرة في حمل السلاح وخوض المعارك الدامية على حساب الدولة عند اصغر تفصيل. لا يؤمنون بالحوار ولا بثقافة تقبل الاخر. لا مطرح في قاموسهم للسياسة بمعناها الأعم، أي خدمة الشعب وسيادة القانون وشرعية الدولة وصيانة حدودها. هناك “تياسة”. رؤوس حامية. تُفصّل الدولة ومؤسساتها على مقاساتها. تستعير ما يناسبها من أوصياء إقليميين أو دوليين. الهدف هو السلطة. تصبح الجهات الدولية والاقليمية هي الناظم لايقاع التوترات الداخلية والتداخلات وحتى المصالحات. هؤلاء أيضاً جزء لا يتجزأ من منظومة الفساد والمصالح والدم. هولاء امدوا الـ junta ايام الحرب بالمال والسلاح وهم أنفسهم من موّلوا فسادها (وهم على دراية بذلك) في زمن السلم الأهلي. هؤلاء لا يُعوّل عليهم لانقاذنا. أصحاب الياقات مجرد بائعي اوهام.

هل هناك شيء ما تبدل في الحسابات بين الداخل والخارج؟

هذه المنظومة أمام خيارين لا ثالث لهما اما أن تنحر نفسها من خلال قبولها بمطالب شعبها بتشكيل حكومة إنقاذ من ذوي الكفاءات والكف الأبيض تلجم فلتان الأسعار وتدهور العملة الوطنية والقيمة الشرائية والفساد والنهب والسرقات وربما لاحقاً تنتقل نحو المحاسبة وإستعادة الأموال المنهوبة أو المحولة إلى الخارج.. وصولاً إلى تعزيز سلطة الدولة وأحادية السلاح الشرعي. والخيار الثاني وهو الاخطر والجهنمي ولكنه اسلوب هذه المنظومة واحد ركائز وجودها الا وهو الخيار الامني ـ العسكري. هنا يمكن للـ junta ان تفتعل حرباً اهلية او اقله فوضى امنية للهروب من الضغط الداخلي والدولي. لديها القدرة والتنظيم والعديد والعدد.. وفي حساباتها الكثير من الاوراق:

أولاً؛ استجرار التدخل الدولي أو الإقليمي، ولهؤلاء باع طويل في ذلك. والاستجرار الدولي يعني توفير الدعم المتجدد المالي والسياسي وربما العسكري.

ثانياً؛ اجبار المجتمع الدولي على التحالف معهم او تحريرهم من العقوبات من خلال اخذ لبنان وشعبه رهينة حروبهم العبثية.

ثالثاً؛ الهروب من التحقيق الدولي أو المحلي في العديد من القضايا مثل مرفأ بيروت والفساد وسرقة المال العام والهندسات المالية الخ..

كلما ازدادت التعدديات في غياب النظام الديمقراطي الليبرالي العادل، كلما كثُرت الافاعي وأطلت برؤوسها السامة فتغيب الدولة او تختفي كليا كما هو حال اليمن.. ويبدو ان لبنان يسير بخطى ثابتة على طريق التجربة اليمنية

رابعاً؛ وان كانت منظومة الردع قائمة بحدها الادنى، يمكن افتعال حرب مع اسرائيل تقلب المعادلة القائمة، داخلياً وخارجياً.

إقرأ على موقع 180  ميقاتي على سكة الإعتذار.. فرصة الحكومة في المجهول!

خامساً؛ السيطرة الداخلية والقضاء على الاصوات المتصاعدة داخل كل بيئة حزبية طائفية مناطقية.

سادساً؛ لن تسلم هذه الطبقة السياسية الحكم على طبق من فضة لاي كان. سوف تقاتل حتى الرمق الاخير سياسياً وحتى عسكرياً من اجل الحفاظ على مكتسباتها، فما “يؤخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة”، بالإذن من الزعيم العربي جمال عبد الناصر.

ان يُنهش لبنان وشعبه على يد مجموعات  الـ junta بغطاء دولي اقليمي، فهذا الأمر ليس مقبولاً وخصوصاً اننا على ابواب مجاعة وحالات فوضى وتفلت مثل حال العديد من بلدان القرن الافريقي حيث تُرمى المواد الاساسية من الطائرات لتعذر توزيع المساعدات الانسانية على الارض. ولعل المستقبل اللبناني القريب يكون شاهداً على ما أتوقع.

في الدول العربية، عندما تتداخل التعددية الطائفية ام القبلية ام الاثنية أم الجهوية ام جميعها تحل لعبة الرقص على رؤوس الافاعي، فلا يمكن الجمع بين الدولة وهكذا تعددية في ظل انظمة قمعية. وكلما ازدادت التعدديات في غياب النظام الديمقراطي الليبرالي العادل، كلما كثُرت الافاعي وأطلت برؤوسها السامة فتغيب الدولة او تختفي كليا كما هو حال اليمن.. ويبدو ان لبنان يسير بخطى ثابتة على طريق التجربة اليمنية.

Print Friendly, PDF & Email
هاني عانوتي

باحث، أستاذ جامعي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  رفيق وسام.. أحسبها مزحة منك