خرائط الغاز والنفط: هل يمتلك العرب مشروعاً تاريخياً؟

لنترك "عقلية المؤامرة" جانباً، ونستعرض بعض المعطيات والإتجاهات حول مستقبل وإعتماد أوروبا "العنيد" على طاقة "المتوسط" وأفريقيا، فضلاً عن روسيا؛ وسعي الولايات المتحدة المستمر للسيطرة على مصادر وطرق إمداد النفط والغاز، برغم إمكانية تحوّلها في المدى المنظور إلى مصدِّرٍ صافٍ للطاقة الأحفورية.

حتى سنوات قليلة، كانت أوهام لا تزال تروَّج حول تراجع الأهمية الإستراتيجية للعالم العربي بالنسبة لقوى الهيمنة الغربية، بناءً على ثورة إنتاج النفط والغاز الصخريين في الولايات المتحدة، واستراتيجية “إعادة التموضع نحو آسيا” التي كانت قد أعلنتها واشنطن؛ فضلاً عن إكتشاف إحتياطات كبيرة من النفط والغاز في بحر قزوين، ومشاريع الإتحاد الأوروبي لــ”تنويع مصادر” طاقته، بعيداً عن نفط بلادنا وعن الغاز الروسي. إلى ذلك، راج الحديث عن تراجع أهمية الطاقة الأحفورية، بفعل تطوّر كفاءة تقنيات الطاقة البديلة، والتوسّع في إستخدامها، والإستراتيجيات الطموحة التي وضعتها كبريات الدول لاستبدال الطاقة المتجددة بالطاقة الأحفورية، وإستثمار شركات النفط الكبرى في مشاريع الطاقة المتجددة.

ربما لا علاقة للوزن الجيوسياسي لمصر، ولإحتياطات الغاز الضخمة المكتشفة فيها؛ أو لنفط ليبيا وللدينار الذهبي الذي أراده العقيد معمَّر القذافي بديلاً عن الدولار لتسعير النفط وسائر السلع الإستراتيجية؛ أو لأهمية الإحتياطات النفطية والغازية الضخمة المكتشفة في “حوض المشرق”، وأهمية سوريا كموقعٍ حاكم في جغرافيا الطاقة هذه، وكممر لمختلف مشاريع أنابيب الغاز المتنافسة، والتي تحاول شق طريقها بالنار في بلادنا… ربما لا علاقة لكل ذلك بـ”الربيع الإسلامي – الأطلسي” الذي هدّد كيانات دول ومجتمعات جمهورياتٍ عربيةٍ عدّة، أو بتدمير حلف شمال الأطلسي لليبيا، وبحربه على سوريا، ناهيك عما يضمر للسودان.

عصر الغاز

لا إنتقال إلى عصر الطاقة المتجددة قبل عقودٍ من الزمن؛ إلى حينها، سيتوسّع إستخدام الغاز، بدلاً من الفحم والنفط. قد يشكّل “عصر الغاز” مرحلةً إنتقالية بين عصر الطاقة الأحفورية التقليدية، وعصرٍ آخر، قد يكون عصر الطاقة المتجددة، أو شيئاً آخر. قد يعود التوسّع في إنتاج الطاقة النووية؛ وربما نشهد إختراقاً علمياً في أبحاث طاقة الإندماج النووي، وقد أعطى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دفعاً لهذا المنحى في حزيران الفائت، في “القمة العالمية للصناعة والتصنيع” في يكاترينبورغ، حيث دعا إلى تعاون دولي في هذا المجال الذي اعتبره مفتاحاً لمستقبلٍ أفضل للبشرية.

في كتابه “الغاز الطبيعي: وقود القرن الحادي والعشرين”[1]، يحلّل فاتشيسلاف سميل عمليات التحوّل الكبرى في أنماط إنتاج وإستهلاك الطاقة، والتي استغرقت عقوداً أو أجيالاً. كان ظهور مصدر جديد للطاقة يؤدي إلى زيادةٍ في الإستهلاك، لا إلى تحوّلٍ سريعٍ في حصص مختلف مصادر الطاقة من بنية سوق الطاقة. ويتوقّع سميل أن حصة الطاقة المتجددة من مجمل العرض ستظل ترتفع عالمياً، وأن يكون التحوّل الكبير على مدى العقود المقبلة من إستخدام الفحم والنفط إلى إستخدام الغاز الطبيعي.

وفي الصين، التي أصبحت المنتج الأكبر للطاقة المتجددة، تتقاطع مصادر رسمية مع ما ذهب إليه سميل، متوقّعة أن “حصة الفحم والنفط ستقل تدريجيا مع زيادة نسبة الغاز الطبيعي النظيف والمتوفر والرخيص”، وأن “يتجاوز الطلب على الغاز الطبيعي في السنوات الـ20 القادمة الطلب على الفحم، ليصبح ثاني أكبر مورد للطاقة في العالم”[2]. وفي وثيقةٍ تضم عدداً من الأوراق البحثية حول أمن الطاقة، يخلص “معهد الدفاع الوطني” البرتغالي (2017) إلى أنه، نظراً للحجم الكبير من الإستثمارات اللازمة لرفع كفاءة تكنولوجيا الطاقة المتجددة ولإنشاء البنى التحتية اللازمة لتوسيع إستخدامها، فإن هذه الطاقة ستكون “مكمّلاً” للطاقة الأحفورية “في المدى المتوسّط”، وليس بديلاً عنها، وأن شركات النفط والغاز الكبرى تستثمر في هذه الطاقة بصفتها مكمّلاً لنشاطها الأساسي[3].

مع إنزياح مركز الثقل الإقتصادي العالمي شرقاً، ينزاح مركز ثقل الطلب على الطاقة إلى آسيا وشرقها خصوصاً

وفقاً للوثيقة نفسها، يعتمد الإتحاد الأوروبي في “85% من واردات النفط على روسيا والشرق الأوسط وأفريقيا”، وفي “45% من غازه على روسيا والجزائر”؛ وذلك “رغم الجهد العظيم” الذي بذله من أجل “تنويع مصادر الطاقة وطرق الإمداد”[4]. لم يتوقّف هذا “الجهد العظيم” الذي ساهمت فيه الولايات المتحدة، بل ربما قادته، إنما مُني بانتكاسات كبيرة، أبرزها خيبة رهانات عدّة حول مشروعٍ أساس بالنسبة للإستراتيجية الأوروبية، هو خط الغاز “نابوكو” الذي أُفشِل، والذي كان يُفترض أن ينقل غاز آسيا الوسطى، خاصةً تركمانستان، عبر بحر قزوين فأذربيجان فجورجيا فتركيا، إلى حيث كان يُفترض أن يصل “خط الغاز العربي” من مصر، عبر ساحل الشام، ويُغَذّى بنفط العراق؛ علماً أن إيران عرضت تزويد “نابوكو” بغازها، إنما رفضت واشنطن.

إلى الشرق در

خلافاً للأضاليل “الأطلسية” حول نية فك الإرتباط الإمبريالي ببلادنا، فإن “نابوكو” كان يعتمد بالدرجة الأولى على غاز العراق[5]، محاولاً تجاوز بغداد، بالتعامل مباشرةً مع الكيان الكردي شمال البلاد[6]، المدعوم أميركياً و”إسرائيلياً”. كما كانت المفاوضات مع مصر معلَنة. لكن قبل أن تضرب بغداد مساعي الكيان الكردي، ومن خلفه “الأطلسي”، للسيطرة على حقول كركوك[7]، وقبل أن تفشل المحاولات “الإسلامية-الأطلسية” للسيطرة على مصر، ثم سوريا.. وحتى قبل انقضاء العقد الأول من الألفية، كانت الصين أساساً، بالإشتراك مع روسيا وإيران، قد حرمت مشروع نابوكو أهم مصادره المفترضة، باتفاق الدول الثلاث مع تركمانستان على إستيراد جُل إنتاج الأخيرة من الغاز، عبر “خط غاز آسيا الوسطى-الصين”، وسِعَته 40 مليار متر3/سنة[8]، يغذّيه أيضاً غاز كازاخستان وأوزبكستان.

أما رواية إستغناء الولايات المتحدة عن الهيمنة على مصادر وطرق إمداد النفط والغاز، فهي أكثر تهافتاً. إرادة الهيمنة باقية ما بقي نظام نهب ثروات العالم بطبع عملةٍ ورقيةٍ غير مغطّاة إلا بالسيطرة العسكرية والأمنية على السلع الإستراتيجية، وفي طليعتها الطاقة، وفرض تسعيرها بالدولار.

لن يترنّح هذا النظام الا مع تبلور نظام عالمي جديد، حيث باتت الصين تغطّي عملتها بالذهب فعلياً، وتبرم عقوداً ضخمة في مجال الطاقة بعملتها المحلية وعملات شركائها التجاريين، لا سيما روسيا، التي تبني أيضاً إحتياطات الذهب. كذلك، تسعى واشنطن لتهديد أمن الطاقة للصين ولكل “منافسيها” الحاليين والمحتملين؛ وتسعى أيضاً لكسر إعتماد أوروبا على الغاز الروسي، بهدف إبقائها في الحظيرة “الأطلسية”. تبقى إذاً السيطرة على مصادر وطرق إمداد الطاقة هدفاً أساسياً لواشنطن وحلفها الأطلسي، وبالتالي لا تزال الدول “المقبولة” غربياً، في هذا السياق، هي “الدول الرخوة”، فاقدة السيادة على جغرافيتها ومواردها وقرارها، خصوصاً في المشرق العربي[9] ومحيطه، حيث الإحتياطات الأضخم من الطاقة الأحفورية، وحيث تتقاطع مشاريع طرق الإمداد. لكن رياح التغيير تجري بعكس ما تشتهي البوارج الأطلسية.

مع إنزياح مركز الثقل الإقتصادي العالمي شرقاً، ينزاح مركز ثقل الطلب على الطاقة إلى آسيا وشرقها خصوصاً، مغيّراً في بيئة وقواعد لعبة أمن الطاقة. “كل النمو تقريباً في إستهلاك الطاقة، حتى عام 2040، سيكون في (الإقتصادات الناشئة)، وستكون الصين أكبر دافع لهذا النمو”، قال المبعوث الخاص لشؤون الطاقة في الخارجية الأميركية، كارلوس باسكوال، شارحاً نتيجة ذلك: الصين والهند وروسيا وإندونيسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا (وغيرها من الإقتصادات التي تُسمّى “ناشئة”) “ستهيمن على الإستهلاك والإستثمار المستقبلي… وستحدِّد أسعار النفط والغاز عالمياً، وأنواع الوقود ومصادر الطاقة، وعلاقات المستهلكين والمورّدين”[10].

النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية يتغيّر جذرياً، ما يتيح فرصةً تاريخيةً للنهوض.. لكن هل نمتلك المشروع؟ هل ثمة إجماعٌ مقبول على مَن “نحن” أصلاً؟ هل نرضى بكوننا إقليماً طَرَفياً في النظام العالمي الناشئ، كما كنا في ذاك المتداعي؟ هل نعتمد على “ريع” الموقع الجيوسياسي في النظام الآخذ بالتشكّل، وعلى ريع الغاز والنفط، أم نستغل ثروة الطاقة لكي نعود إلى التصنيع؟ هل نخرج  من الإقتصاد الريعي إلى الإنتاجي، أم تُعمِّق الثروة الغازية والنفطية البنية الإجتماعية ــــ الإقتصادية، وبالتالي السياسية ـــ الريعية؟

[1]  Vaclav Smil, “Natural Gas: Fuel for the 21st Century”, WILEY, 2015

[2] شينخوا، “مقالة خاصة: ثورة الطاقة الجديدة باتت قاب قوسين أو أدنى”، 2017-09-13.

[3] Carla Patrício Fernandes, Teresa Ferreira Rodrigues (editors), “Geopolitics of Energy and Energy Security”, Instituto da Defesa Nacional, Lisbon, 2017.

[4]  Ibid.

[5] كان يُتوقّع الحصول على 10 مليار متر مكعب من العراق، مقارنةً بـ8 مليارات من حقل شاه دنيز في أذربيجان (بلومبرغ، 30/9/2010).

[6]  Bloomberg, “Nabucco venture sees Iraq as top supplier”, 30/9/2010.

https://perma.cc/7RD6-P5AJ; seen on 24/7/2019.

[7] فراس أبو مصلح، “الكيان الكردي ومشاريع نهب نفط العراق ومياهه”، جريدة “الإتحاد” (بيروت)، العدد الأول، 23 تشرين الأول 2017. أيضاً على موقع “الحقول”:

الكيان الكردي ومشاريع نهب نفط العراق ومياهه .. مشروع “إسرائيلي”

نُظِر في 24/7/2019

[8] Pepe Escobar, “China’s Pipelineistan ‘War’”, October 12, 2010. https://www.thenation.com/article/chinas-pipelineistan-war/?print=1; seen on 15/7/2019

[9] “المشرق العربي”، بتعريفه الأوسع، يضم إلى الهلال الخصيب (سورية التاريخية وكامل بلاد ما بين النهرين) مصر غرباً، وشبه الجزيرة العربية شرقاً، حتى الخليج العربي.

[10] Carlos Pascual, “The New Geopolitics of Energy”, Center on Global Energy Policy, Columbia, September 2015.

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course