النفط Archives - 180Post

Ukraine_peace_plan_CM.jpg

لا تقتصر تداعيات استمرار الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران على الشرق الأوسط أو الاقتصادات الأوروبية المتضررة من ارتفاع أسعار النفط واضطراب إمدادات الغاز، بل تمتد بشكل واضح إلى آسيا، التي تواجه ضغوطًا متزايدة في مجال الطاقة. ومع تطور الأزمة، قد لا تظل هذه التداعيات اقتصادية فحسب، بل تتسع لتشمل إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وربما إحداث تحولات أعمق في ميزان القوى داخل القارة.

rdd.jpg

عندما سُئل ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، عن سبب مهاجمة أمريكا لإيران، قال نصًا: «كنا نعلم أن إسرائيل ستهاجم إيران، وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم ضد القوات الأمريكية، وإذا لم نتحرك بشكل استباقي فسنتعرض لخسائر أكبر». وتعليقًا على هذا التصريح، قال أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي السابق: «إسرائيل حاولت منذ إدارة (باراك) أوباما أن تدفع أمريكا للقيام بعمل عسكري ضد إيران، وكانت تقول إنه إذا رفضت أمريكا ذلك، فإن إسرائيل ستقوم بذلك بمفردها». ولكن أوباما رفض، مفضلًا معالجة الأمر دبلوماسيًا، ولم تقم إسرائيل بالهجوم بمفردها كما هددت.

801-4.jpg

لم يكن اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية تتكثف فيها قوانين التحوّل التي حكمت تاريخ الأمم. فالزمان، في منطق التاريخ، ليس خطًا مستقيمًا، بل حركة دائمة تعكس تبدّل الأحوال وتنازع الرؤى وتحوّل موازين القوة. وما يجري اليوم في الخليج والشرق الأوسط ليس سوى تجلٍّ حيّ لهذا التحول العميق.

800-25.jpg

تكشف الحرب على إيران أنه برغم تفوق القوة العسكرية والتكنولوجية التي تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل، ثمة تحديات عميقة ونقاط ضعف تتصل بشرعية قرار الحرب، وبقدرة المجتمعات الديموقراطية على التحمل، وبطبيعة الخصم الإيراني الذي بنى على مدى أكثر من أربعة عقود منظومة صمود متعددة الطبقات.

810.jpg

العدوان الذي تشنه الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد إيران تتويجاً لأكثر من أربعين عاماً من الحصار والعقوبات الاقتصادية والاغتيالات والعدوان العسكري في العام المنصرم، ليس مجرد مواجهة طارئة بسبب البرنامج النووي الايراني، بل استمرار لمسار طويل من السياسات الأميركية الرامية لتغيير الأنظمة التي تُعتبر خارج مدار الهيمنة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

8000.jpg

بعد الضربات الأولى يتبدّل شكل الصراع. اللحظة الافتتاحية تشبه ضربة الطبل التي تعلن بداية المقطوعة، ثم يدخل الزمن لاعباً أساسياً في المعركة. السؤال المركزي يتحول إلى إيقاع: متى تضرب، كيف تضرب، وبأي أداة. في الحروب المعاصرة يصبح الزمن نفسه سلاحاً، ويغدو التحكم بإيقاع الأحداث جزءاً من السيطرة على مسار الصراع.

800-57.jpg

اندلاع حرب واسعة في الشرق الأوسط يفتح زمناً مختلفاً منذ الدقيقة الأولى. الساعات الافتتاحية تصنع مناخاً نفسياً واستراتيجياً جديداً؛ غرف العمليات تعمل بإيقاع متسارع، وأسواق المال تتحرك كجسد واحد يشعر بالخطر. الضربة الأولى ترسم خريطة الإيقاع العام للصراع، فكل طرف يسعى إلى تثبيت صورة القوة منذ اللحظة الأولى. الرد الإيراني السريع باتجاه إسرائيل، مع استهداف القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج، يخلق رسالة واضحة مفادها أن الجغرافيا بكاملها دخلت مجال الحسابات الكبرى.

801-3.jpg

من أوروبا إلى بحر الصين الجنوبي، ومن ميانمار إلى باكستان، ومن القوقاز إلى الخليج، تتكرر القاعدة نفسها: الخصوم يُستنزفون، والحلفاء يُستدعون، وممرات الطاقة تُدار كعصب الاقتصاد والحرب معًا. وإذا كانت الصين هي الهدف الاستراتيجي النهائي، فإن السلاح الأكثر فعالية ليس المدفع ولا الصاروخ، بل النفط: من يملكه، ومن يمرّ عبره، ومن يستطيع قطعه أو استبداله في لحظة واحدة. هنا تبرز فنزويلا، لا باعتبارها ملفًا لاتينيًا هامشيًا، بل كمفتاح يتيح لواشنطن ضرب نفط روسيا وإيران من دون أن تدفع ثمن انفجار الأسعار في الداخل الأميركي.

Extraordinary_Threat.jpg

خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، صرّح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأن الشراكة الجديدة «تهيئنا جيداً للنظام العالمي الجديد»، وأضاف: «أعتقد أن العالم لا يزال بصدد تحديد شكل هذا النظام». وفي كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (20 يناير/كانون الثاني 2026)، أعلن أن «النظام الدولي القائم على القواعد قد مات»، داعياً الدول متوسطة القوة إلى صياغة مسار جماعي جديد يقوم على ما سماه «الواقعية القيمية»، أي المزج بين الواقعية السياسية والتمسك بالقيم.