رمزية “الإيموجي”.. وإلزامية المرور

نتحول تدريجياً الى "كلمات مرور" (password)، كلمة مرور لجهاز الكمبيوتر وأخرى للهاتف المحمول، واحدة للإيميل وواحدة للآي كلاود، كلمة مرور للفيسبوك وأخرى لتويتر.

هل نتحول بمرور الوقت إلى مجرد أرقام؟ وهل تعود اللغة، كل لغة، مجرد رموز وإشارات؟ بمعنى آخر، هل نعود إلى ما قبل الأسماء والأبجديات، وهي ليست مجرد وسائل تواصل وتخاطب، بل جزءا عضويا من مكونات الهوية في مستوييها الفردي والجماعي، ولنا في “الإيموجي” الشائع استخدامه اليوم مثال ساطع عن كيفية حلول الرمز مكان الكلمة. وهو ما دفع معجم جامعة “أوكسفورد” إلى اختيار رمز “الإيموجي” الضاحك????كلمةَ العام ٢٠١٥ (علماً أن الكلمة يابانية الأصل). فَوِفْقَ رئيس قواميس أكسفورد، كاسبر غراثوول، “ليس مستغرباً أن تتسع الكتابة التصويرية بالرموز التعبيرية لسدّ ثغرة فــي اللغة، لم تعد الحروف الأبجدية قادرةً على التعبير عن كل ما يدور في خلد الناس في القرن الحادي والعشرين. فالرمـوز تتسم بالمرونة والفورية، وتخلّف انطباعاً جميلاً”، ونتيجة لذلك، “أصبحت (الرموز) شكلاً ثرياً للتواصل بما يتخطّى الحدود اللغوية”، وصار للـ”إيموجي” يوم عالمي هو السابع عشر من تموز/يوليو.

نطرح السؤال في وقت تعيش الرموز والأحرف والأرقام عصراً ذهبياً، لا لأن الجميع يقرأ ويكتب ويبرع في الحساب، بل لأننا جميعاً نتحول تدريجياً الى “كلمات مرور” (password)، كلمة مرور لجهاز الكمبيوتر وأخرى للهاتف المحمول، واحدة للإيميل وواحدة للآي كلاود، كلمة مرور للفيسبوك وأخرى لتويتر، وكذلك هو الحال مع مواقع التواصل الأخرى مثل سناب شات وأنستغرام وسواها. البعض لديه أيضاً كلمات مرور لبوابة العمارة ولباب البيت ولخزنة المقتنيات الثمينة والمستندات الهامة. باختصار، لم يعد أحد قادراً على التعامل مع مستلزمات العصر من دون “كلمات المرور” حتى نكاد نصبح جميعاً عبارة عن أحرف وأرقام ورموز.

لست من جماعة المتشائمين، ولا حتى من المتشائلين الذين يعيشون حياتهم بين بين، أي في منزلة بين منزلتين، فلا يمكن حسبانهم في هذا المعسكر ولا في ذاك. أميل الى التفاؤل ورؤية النصف الملآن من الكوب، وأؤمن بضرورة الأمل والتمسك به خصوصاً في بلادنا التي يكاد لا يبقى منها سوى الأمل، وقديماً قالت العرب “لولا الأمل لَخاب العمل”، وقال الشاعر “ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل”، لذا أحاول دائماً التعامل مع الحياة من منظار الأمل، وأرى بصيص الضوء مهما كان خافتاً وبعيداً، لكن على الرغم من هذه الإيجابية المسعِفة على مواجهة تحديات الحياة ومستجداتها، والتكيف مع طوارىء الأيام ومنها هذه التكنولوجيا الذكية التي أكتب بها هذه الكلمات، إلا أنني بت أشعر وكأن الكوكب قد تحول الى سجن كبير، لا فقط بسبب الحروب والصراعات الدموية المتسببة بملايين الضحايا وبموجات النزوح واللجوء والتشرد، ولا بفعل الفقر والفاقة والبطالة والعنصرية وتصاعد التيارات المتطرفة واليمينيّة، وكلها مرفوضة ومدانة، وإنما أيضاً بسبب هذه التكنولوجيا بالذات.

لنأخذ مثلاً “الواي فاي” أو شبكة الانترنت، بمجرد تواجدنا في مكان لا تتوفر فيه خدمة الانترنت بتنا نشعر أننا خارج الكوكب ومنقطعون عن العالم، أو حين ذهابنا في رحلة بعيدة بعض الشيء عن أماكن توفر الطاقة الكهربائية، ما أن تفرغ بطارية الهاتف المحمول حتى نروح نبحث عن شاحن لشعورنا أن هذا الجهاز الصغير الذي نحمله بين أيدينا بات صلة الوصل الأساسية مع العالم.

وأكثر من ذلك، بات الهاتف المحمول بمثابة بطاقة شخصية أو “آي دي”، في داخله كل ما يمكن أن نحتاجه في حياتنا الرقمية، عناوين الأصدقاء البريدية وأرقام هواتفهم، الصور والفيديوهات الخاصة، الرسائل المتنوعة بواسطة الإيميل أو الواتس آب أو سواهما، المعلومات الصحية المتعلقة بنّا، وغيرها من تطبيقات تسعفنا في ممارسة كثير من أعمالنا وهواياتنا، وصولاً إلى بطاقات الائتمان والمعاملات البنكية. متى فَقَدَ واحدنا هاتفه المحمول لا يشعر فقط أنه فَقَدَ وسيلة اتصال بالآخرين، بل فَقَدَ مجموعة أمور دفعة واحدة، حتى صار بَعضنا يشعر بالضياع التام حالَ فقدانه هاتفَهُ المحمول.

باختصار لم يعد أحد قادراً على التعامل مع مستلزمات العصر من دون “كلمات المرور”، حتى نكاد نصبح جميعاً عبارة عن أحرف وأرقام ورموز

حقاً صرنا مجموعة أحرف وأرقام ورموز، مَن لا يملك كلمات مرور عبر الأجهزة والتطبيقات الذكية كمن لا يملك بطاقة مرور الى الزمن الراهن والى المستقبل. صحيح أن التكنولوجيا تسجننا داخل جدرانها الافتراضية وتمنحنا أرقاماً تماماً كما يحمل السجناء عِوَض أسمائهم أرقاماً تميزهم عن بعضهم بعضاً، لكنه سجن لا بد ولا مَفَرَّ منه. هنا تكمن مفارقة التكنولوجيا الذكية أو التكنولوجيا الرقمية، تأسرك ضمن شروطها الخاصة مثل ضرورة توفر الطاقة الكهربائية والشاحن وخدمة النت، وقبل كل ذلك مقدرتك المادية على اقتناء جهاز ذكي يواكب المستجدات والأنظمة الحديثة في عالم الذكاء الصناعي، لكنها فيما تأسرك أو تسجنك تفتح لك نوافذ الغد، ولا غلو أو مبالغة في هذا الأمر خصوصاً متى علِمنا أنها باتت جزءاً لا يتجزأ من اقتصادات الدول.

من هذا المنطلق، نستطيع القول إن السجين الحقيقي ليس مَن لا يجيد التعامل مع التكنولوجيا الذكية، والأمية في هذا الميدان باتت مذمومة كما أمية الحرف، إنما السجين هو العاجز كلياً عن انتاج التكنولوجيا الذكية، وللأسف وكالعادة يبدو العرب متخلفين جداً في هذا المضمار، علماً أن المشكلة ليست في الانسان العربي، ثمة العشرات من أبناء بلداننا العربية أو ممن يتحدرون من أصل عربي يتبوؤن مراكز عالية في الشركات الكبرى المنتجة لتلك التكنولوجيا، الراحل ستيف جوبز أبرز مثال. المشكلة كالعادة أيضاً لدى صنّاع القرار، متى توفرت الإرادة لن يَعصى أمرٌ على الانسان العربي الذي أرسى أسلافه أُسس كثير مما ورثته البشرية من معارف وعلوم، المهم أن يدرك مَن بيدهم الأمر والنهي أهمية الانخراط سريعاً في هذا المضمار، وإلا سوف نتخلف عن ركب “الثورة الرقمية” تماماً كما تخلفنا في السابق عن ركب الثورة الصناعية.

إنسان الغد هو “الانسان الرقمي”، ولا نقصد “الروبوت” الذي ينافس البشر في ميادين كثيرة، ولا الرقمي بمعنى تحوُّل الكائن البشري الى آلة مجردة من الأحاسيس والمشاعر، ما نقصده بالانسان الرقمي هو ذاك الصانع للذكاء التكنولوجي المتفاعل معه المُجيد لكيفية استخدامه لأجل نهضة المجتمع وتقدمه وتطوره.

خلاصة القول إن الإنسان الرقمي اليوم نوعان: منتجٌ يصنع الذكاء ويبرمجه على شكل تطبيقات وحواسيب وأنظمة تسيير إلكترونية لكل شيء تقريباً، ومُستهلكٌ لا يجيد سوى استيراد تلك التكنولوجيا الذكية فتستخدمه عِوَضَ أن يستخدمها، ويغدو بالتالي أشبه بالروبوت لكن من دون “الذكائيْن” الإنساني والصناعي. إنه يغدو مستلباً ومسلوباً في آن، مُستلباً للثقافة الاستهلاكية لأنه غير قادر على الإنتاج، ومسلوبَ الإرادة لأنه غير قادر على الإنخراط في ثورة العصر، وهي ليس فقط الرقميات بل المعرفة بل ما تعنيه الكلمة وتتسع له. وهنا ننتقل من الخاص إلى العام، من الفردي إلى الجماعي، للقول إن ما يصيب الأفراد يصيب الجماعة، وما يصيب المواطن يصيب الوطن. لذا يبدو اليوم الصراع الضاري في الكوكب في جانب كبير منه صراعاً على المعرفة والتكنولوجيا وما تمثلانه في السياسة والاقتصاد، وما يدور بين أميركا والصين خير مثال. فالعولمة المتأمركة، أو الأمركة المتعولمة متمثلة بالشركات العابرة للقارات، وبما تنتجه من “ثقافة” استهلاكية، ‏حوّلت الكوكب بِرُمَّتِهِ إلى سوق (غير حرة)، لا تُعامِل الناس فيها كبشر، بل فقط كزبائن حيث قيمةُ الفرد تُقاس بقوته الشرائية لا بمستواه المعرفي الفكري والعلمي، ولا حتى بقيمته كإنسان.

مَن يملك المعرفة اليوم، لا فقط السلاح، هو المنتصر، شرط أن تقترن معرفته بالإرادة. إرادة الحرية، إذا بلا حرية لا معنى لفرد ولا لجماعة، لمواطن ولا لوطن. والمعرفة هي باب الحرية الأوسع للأفراد والجماعات، للمواطنين والأوطان.

‏يا ترى لو أردنا اختيار “إيموجي” للأجيال الجديدة من الذكاء الصناعي، ومن حروب الإرادات الكبرى، ماذا نختار؟ وماذا ستكون ملامح ذاك “الإيموجي”؟

صيني فعين الله ترعاك????ربما، مَن يدري????

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
free online course