ليلى شهيد.. حين تغيب حارسة فلسطين وكلماتها

سمعتُ لأول مرة باسم ليلى شهيد عام 1998 عند وصولي إلى فرنسا، في حوار معها على محطة «فرانس إنفو» بمناسبة احتفال الذكرى العاشرة لإعلان استقلال فلسطين.

لم تكن ليلى شهيد مُداخلةً عابرة في نشرة إخبارية أو برنامج حواري. كانت، في كل ظهور، حدثًا يكتسي هالة خاصة، ويتشكّل فيه الوعي بحزم وقناعة أكبر. سمعتُها على الراديو، ورأيتُها على الشاشات الفرنسية مرارًا، ومع ذلك لم يكن ذلك كافيًا لأرتوي من حديث يعبّر أصدق تعبير عن الهمّ الأول – فلسطين – ويدافع عن الحق في محيط كثيرًا ما بدا معاديًا. كان إعجابي بها كبيرًا، وكنت أنتظر مرورها لأشفي شيئًا من الوجع الذي يجتاحنا كلّما ارتفعت أصوات فلسطين أو اشتدّ القمع عليها.

هي ضيفة نجمة أينما حلّت، تنزل كأنها في دارها، دون تلعثم أو تردد أو أي علامة اندهاش. يستعيد الحوار وقاره وجديته بصوتها الواثق المرتفع، وبمنطق بعيد عن الاستهلاك. فهي تُسقط الادعاءات الباطلة بثقة وتؤدة. كلماتها تدخل «خُرم الإبرة»: دقيقة، نافذة، صحيحة، مباشرة، لا تهدر الوقت، ولا تترك للخصم فرصة لالتقاط أنفاسه. بلغة فرنسية جميلة مصقولة، غير مستعارة، مطبوعة بلكنتها العربية التي هي في الواقع علامةُ انتماء لا تتسوّل الاعتراف. لذلك لم تكن ليلى شهيد مجرد متحدثة باسم قضية، بل كانت أسلوبًا ونهجًا. فتمرّسها وإتقانها لأدوات الشرح والنقد والبسط والدحض سمةٌ ساهمت إلى حد بعيد في تكوين هالة يخشاها من يقاربها ويتمسّك بها. وهي بإحراج خصمها بشدة بأسها، ومنعِه من التمسّك بقناع الضحية، جعلت منها ندًّا لا يُستهان به.

***

قد يختلف الناس حول السياسة، لكنهم نادرًا ما يختلفون حول أثر الكلمة حين تُقال بجرأة ورباطة جأش وذكاء. كانت ليلى شهيد من أولئك الذين، حين اختلف معهم بعضهم في التقدير السياسي، قلّما اختلفوا على حضورها.

هي ليلى شهيد، المولودة في بيروت عام 1949، حملت فلسطين في الدبلوماسية كما حملها محمود درويش في القصائد. شغلت مناصب تمثيلية لمنظمة التحرير في أوروبا قبل أن تصبح «المندوبة العامة لفلسطين في فرنسا» لسنوات طويلة، ثم ممثلة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي (وبلجيكا ولوكسمبورغ) حتى تقاعدها عام 2015.

ربطتها صلاتٌ وثيقة بقيادات فلسطينية تاريخية، كما جاورت المشهد الثقافي بقرب نادر لدبلوماسية محترفة. يكفي أن نعرف علاقتها بالكاتب جان جينيه ومحمود درويش، وحضورها في محطات مفصلية من تاريخ المنطقة.

كانت من أوائل النساء الفلسطينيات اللواتي حملن صفة السفيرة، ففتحت كوّة في جدار أوروبي شُيّد في بيئات ما بعد كولونيالية تعيد إنتاج تحيّزها بأناقة وحنكة باردة. كانت ليلى شهيد تقتحم تلك الحصون لدرايتها الدقيقة بالتركيبة الاجتماعية والسياسية الأوروبية، وبقدرتها على ولوج عوالمها الفكرية بجدارة واقتدار، ولا سيما حين يكون الاسم «ليلى شهيد»، وحين تغدو الهوية امتحانًا يوميًا.

لذلك يأتي رحيلها قاسيًا على النفوس، يترك هوّة لا تُردم، لأنها كانت حالة استثنائية لا يُرجى لها تكرار.

***

كم رغبتُ في لقائها، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي دعاني فيه السفير حسن البلعاوي إلى بلجيكا للقاء في منزله، وقد دعاها وزوجها الأستاذ محمد برادة. كانت الدعوة سارة إلى حد أقلقني. لقد رهبتُ اللقاء خجلًا ووجلًا… فلم ألبِّ الدعوة.

ثم التقينا بها، بمعية أصدقاء لي، في مهرجان بمدينة تورناي يجمع بين الفلسفة والشعر والموسيقى. كانت هناك في الصف الأول، وحولها باقة من الشخصيات البلجيكية المعروفة. تتكلم مع الجميع، ومع كل شخص على حدة، بتيقّظ وحضور ونشاط. في نظرتها عمق وحزن لا يوصفان، وفي صوتها علوّ للكلمة لا ينخفض.

اقتربت منها لتحيتها فقالت ببساطة مربكة: «أنتِ من لبنان؟ من الجنوب؟… جيران»، وابتسمت. ثم سألتني: «تكتبين؟ قال لي حسان». وبعدها التهمها الحشد، وابتعدتُ عنها وقلبي يقفز في قفصه. ومنذ ذلك الوقت كانت تسلّم عليّ كلما رأتني، وتتعرّف إليّ بذاكرتها التي لا تخطئ.

هكذا كان.. إلى أن علمتُ بالأمس بغيابها… برحيلها.

***

أبكيكِ يا ليلى، كما يبكيكِ كثيرون اليوم.
وأبكي معكِ علمًا لا بدّ أن يرتفع يومًا، مهما طال المنفى ومهما تثاقل الصمت.

لقد أنهت حياتها بيدها في لحظة ما تزال فيها مسألة تشريع الموت الرحيم موضع جدل كبير. هي التي أفنت عمرها دفاعًا عن قضيتها، بكل ما أوتيت من روح وجَلَد، وجدت نفسها وحيدةً أمام قرار حرمان ذاتها من الحياة التي وهبتها لعلة وجودها.

أتساءل في نفسي… أكان ثمة تخلٍّ ما؟ أم أصابها عجز ويأس، هيأتهما الظروف الأخيرة؟

أعلم أنني لست في مقام يجيز لي إطلاق مثل هذه الاستفهامات الثقيلة… غير أن قلبي لا يكفّ عن التفكير، بحزن شديد، أنها لم تعد ترى مخرجًا، وأن معنى وجودها انكسر بالانكسارات التي نعيشها في السنوات الأخيرة.

ولا أستطيع أيضًا ألا أفكر في الإرث الغني الذي تركته وراءها؛ إرث امرأة ومناضلة؛ سيرةٌ تفيض شجاعة ودروسًا.

إقرأ على موقع 180  Mission Not Accomplished.. (المهمة لم تُنجز)

السلام على روحكِ يا سيدتي.

سلامٌ سعيتِ إلى بنائه كي لا تبقى كلمة بلا محاولة.

استريحي أخيرًا… فقد أرهقتِ قلبكِ، ونشتاقكِ منذ الآن.

Print Friendly, PDF & Email
عبير شاهين

طبيبة وكاتبة لبنانية مقيمة في فرنسا

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  في صلب الترسيم الحدودي.. أسئلة وحقائق موجعة؟