ما يجري منذ أسابيع يوحي بأن تلة علي الطاهر لم تعد مجرد تلة منفردة في الحسابات الإسرائيلية. تركيز الضربات على الدبشة والضهيرة والمرتفعات المحيطة، وامتداد النيران شمالًا، يطرح احتمال أن تكون إسرائيل تتعامل مع المنطقة بوصفها منظومة تضاريس مترابطة، لا هدفًا نقطويًا يمكن احتلاله ورفع العلم فوقه ثم إعلان انتهاء المهمة.
ولهذا قد يكون السؤال عن توقيت المعركة أكثر أهمية من السؤال عن إمكان وقوعها. فبنيامين نتنياهو يدخل مرحلة سياسية تتقدم فيها الحسابات الانتخابية تدريجيًا (ثمانية أسابيع تفصلنا عن الإنتخابات الإسرائيلية)، فيما يمكن لأي عملية برية واسعة في لبنان أن تنتج نتائج يصعب التحكم بها: قتلى وجرحى في صفوف الجيش، عودة الصواريخ بكثافة إلى شمال إسرائيل، وربما انتقال المواجهة من عملية موضعية إلى حرب إقليمية يصعب تحديد سقفها الزمني والجغرافي.
ولا يعني ذلك أن الانتخابات تمنع الحرب، أو أن نتنياهو لا يمكن أن يلجأ إلى التصعيد لأسباب انتخابية؛ فقد يحدث العكس إذا اعتقد أن عملية ناجحة وسريعة تعزز صورته الأمنية. لكن هذه الحسابات نفسها تجعل الكلفة المتوقعة والقدرة على تقديم نتيجة واضحة للجمهور الإسرائيلي عاملين أساسيين في اتخاذ القرار.
وهنا تكمن مشكلة علي الطاهر.
فلو كانت المسألة تتعلق باحتلال مرتفع جغرافي معزول، لكانت المعادلة أبسط. لو كان الأمر سهلاً على الصعيد الأمني (تسميم الفتحات) لكانت الفكرة سهلة. لكن طبيعة المنطقة تجعل السيطرة على التلة بدايةً لمشكلة عسكرية جديدة أكثر مما تجعلها نهايةً لمشكلة قائمة. فالقوة التي تتمركز فوق مرتفع حاكم تحتاج إلى حماية طرق إمدادها، وتأمين جوانبها، وإبعاد مصادر النيران عنها، ومنع خصمها من استخدام المرتفعات والممرات المجاورة لتحويل الموقع الذي احتلته إلى نقطة استنزاف.
وهذا يعني أن القيمة الحقيقية لعلي الطاهر لا يمكن فصلها عن الدبشة والضهيرة والجبل الرفيع والمحمودية، ولا عن المجال الأوسع الممتد شمالًا وشرقًا باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان وجزين.
وبذلك يتغير السؤال من: هل تستطيع إسرائيل احتلال علي الطاهر؟ إلى: أين ينبغي أن تتوقف العملية الإسرائيلية إذا أرادت تثبيت السيطرة عليها؟
وهذا فارق جوهري.
فالسيطرة على نقطة مرتفعة قد تكون ممكنة بكلفة عسكرية محسوبة، لكن الاحتفاظ بها يمكن أن يفرض توسيع المحيط الأمني من حولها. وكل توسع يستدعي توسعًا آخر إذا بقيت القوات الإسرائيلية مكشوفة أمام مرتفعات أو محاور مجاورة. وهكذا يمكن لعملية تبدأ بهدف تكتيكي محدود أن تخلق منطقها التصعيدي الخاص، بحيث تصبح حماية الهدف الأول مبررًا للاستيلاء على هدف ثانٍ، ثم يصبح تأمين الثاني سببًا للتقدم نحو الثالث.
وعند هذه النقطة تحديدًا تكتسب مرتفعات الريحان وإقليم التفاح أهميتها.
فإذا كان الهدف الإسرائيلي يقتصر على تحسين الوضع التكتيكي حول علي الطاهر، فقد تبقى العملية، إن وقعت، محدودة نسبيًا. أما إذا كانت القيادة العسكرية الإسرائيلية ترى أن تثبيت السيطرة على هذه السلسلة يتطلب إبعاد حزب الله عن المجال الجغرافي المحيط بها، فإن نطاق العملية المحتملة يصبح أوسع بكثير من معركة على تلة ساقطة عسكرياً من فوق ولم تعد قادرة على حماية محيطها الطبيعي.
ولذلك قد يكون ما نشهده حاليًا مرحلة تشكيل للميدان أكثر منه مقدمة حتمية لهجوم بري وشيك: قصف المرتفعات المحيطة، تدمير مبانٍ ومنشآت، مراقبة طرق الحركة، الضغط المتواصل على المنطقة، ومحاولة جعل البيئة العسكرية حول التلة أكثر ملاءمة لأي قرار لاحق.
ولا يمكن الجزم بأن هذه التحضيرات ستنتهي بعملية برية. فقد تكون وظيفتها أيضًا تحسين الوضع التفاوضي الإسرائيلي، وإبقاء حزب الله تحت ضغط دائم، وحرمانه من إعادة بناء قدراته في المنطقة، من دون تحمل الكلفة التي تفرضها عملية احتلال واسعة.
وهنا يدخل العامل الانتخابي.
فنتنياهو لا يحتاج قبل الانتخابات إلى مجرد «انتصار» يمكن تصويره فوق تلة؛ بل يحتاج، إذا اختار التصعيد، إلى عملية يمكن التحكم بنتائجها وتسويقها باعتبارها تغييرًا أمنيًا واضحًا لمصلحة سكان الشمال. وإذا كانت السيطرة على علي الطاهر ستفتح بدل ذلك معركة تمتد نحو الدبشة والضهيرة ثم إلى تخوم إقليم التفاح والريحان، فإن العلاقة بين الكلفة والمردود السياسي تصبح أكثر تعقيدًا.
أما إذا تحولت العملية إلى مواجهة طويلة تستدعي ردودًا صاروخية وتعيد المدن الشمالية إلى دائرة الاستنزاف، فقد تتحول الورقة نفسها إلى عبء انتخابي.
من هنا، قد يكون التأجيل ـ إذا اختاره نتنياهو ـ نابعًا من تداخل الاعتبار السياسي مع الاعتبار العملياتي، وليس من الحساب الانتخابي وحده.
فالانتظار يمنح إسرائيل إمكانية مواصلة استخدام تفوقها الجوي والناري لتغيير البيئة المحيطة بعلي الطاهر تدريجيًا، من دون المجازفة فورًا بقوات برية في تضاريس معقدة. كما يمنحها وقتًا لمعرفة إلى أين ستصل المسارات السياسية والتفاوضية، وما إذا كان الضغط العسكري يستطيع تحقيق جزء من أهدافها من دون عملية أوسع.
لكن ثمة بُعدًا آخر أكثر خطورة في ما يجري، يتجاوز مصير التلة نفسها.
فقد لا يكون الهدف الإسرائيلي الأكثر إلحاحًا اليوم إضافة موقع جديد إلى المواقع التي يمسك بها الجيش، بقدر ما يكون تغيير الجغرافيا البشرية والأمنية للمناطق المواجهة له. فتدمير الأبنية والقرى، وتعطيل مقومات الحياة، واستمرار العمليات العسكرية، كلها عوامل يمكن أن تجعل عودة السكان أكثر صعوبة، وأن تنشئ واقعًا أمنيًا طويل الأمد حتى من دون إعلان منطقة عازلة رسمية جديدة.
وهنا ينبغي التمييز بين احتلال الأرض وبين إفراغ المجال المحيط بها من قدرته على العودة إلى الحياة الطبيعية.
فالأول يحتاج إلى جنود ونقاط ثابتة وطرق إمداد، أما الثاني فيمكن تحقيق جانب منه بالنيران والتهديد المستمر ومنع إعادة الإعمار وإبقاء السكان تحت خطر العودة. وإذا استمر هذا الواقع طويلًا، فقد تتحول المنطقة تدريجيًا إلى حزام أمني بحكم الأمر الواقع، حتى لو لم يُمنح هذا الحزام اسمًا رسميًا أو حدودًا معلنة.
وعندئذ تصبح علي الطاهر جزءًا من معركة أكبر بكثير.
فالهدف لن يكون مجرد السيطرة على قمة تشرف على النبطية ومحيطها، وإنما تحديد أين ينتهي المجال الذي تستطيع الدولة اللبنانية وسكان الجنوب العودة إليه بصورة طبيعية، وأين يبدأ المجال الذي تريد إسرائيل إبقاءه تحت رقابتها ونيرانها واشتراطاتها الأمنية.
وهذا قد يفسر لماذا يمكن أن تكون إسرائيل في الوقت نفسه شديدة الاهتمام بعلي الطاهر وغير متعجلة في خوض معركة حاسمة عليها.
فإذا كان الوقت يعمل لمصلحة تغيير البيئة المحيطة بالتلة، وإذا كان القصف والضغط يستطيعان تقليص الخيارات المتاحة أمام حزب الله والسكان من دون خسائر إسرائيلية كبيرة، يصبح الانتظار أداة عسكرية بحد ذاته، لا مجرد امتناع عن اتخاذ القرار.
لكن ذلك لا يلغي احتمال العملية البرية؛ بل ربما يؤجلها إلى لحظة ترى فيها القيادة الإسرائيلية أن الميدان أصبح أكثر ملاءمة وأن العائد السياسي والعسكري يفوق الكلفة. وقد تأتي هذه اللحظة قبل الانتخابات إذا ظهرت فرصة لعملية قصيرة ومحسوبة، أو بعدها إذا أراد نتنياهو هامشًا سياسيًا أوسع لخوض مواجهة أكبر. وبالتالي لا تكمن أهمية التلة في عدد الأمتار التي ترتفعها عن سطح البحر، ولا في صورة العلم الذي يمكن رفعه فوقها، وإنما في السؤال الذي تفتحه: هل تريد إسرائيل نقطة مراقبة إضافية، أم تريد نقل الحد الفعلي لمنطقتها الأمنية شمالًا؟
أما السؤال السياسي، فيبقى متى يرى نتنياهو أن الانتقال من الضغط بالنيران إلى المجازفة بالقوات البرية أصبح مربحًا.
قد تؤخر الانتخابات تلك اللحظة، وقد تعجل بها إذا اعتقد أن النصر ممكن وسريع. لكن العامل الحاسم لن يكون الانتخابات وحدها، بل الإجابة الإسرائيلية عن سؤال أكثر صعوبة: بعد علي الطاهر، أين تتوقف إسرائيل؟
عندها لن تكون المعركة على علي الطاهر، بل على المكان الذي تريد إسرائيل أن ترسم عنده الحد الجديد للحياة في جنوب لبنان.
