25 أيار تاريخ “الخيبة الكبرى” المحفورة في الكيان
Israeli soldiers lock a border gate after crossing the border from southern Lebanon into northern Israel, near Zarit, early Sunday, Oct. 1, 2006. Israel wiithdrew the last of its troops from Lebanon early Sunday, the army said, fulfilling a key condition of the U.N. cease-fire that ended a month long war with Hezbollah guerrillas. (AP Photo/Emilio Morenatti)

الخامس والعشرون من أيار/مايو 2000 ليس كباقي الأيام في الدولة العبرية. هو مثل الحاضر ـ الغائب، وكأنه "ينذكر ما ينعاد" لأنه يُذكّرهم بـ"الخيبة الكبرى".

في 25 أيار/مايو 2000، تلقت القيادة العسكرية الإسرائيلية أمراً من القيادة السياسية بالانسحاب من لبنان بعد أن غزته في آذار/مارس 1978 ثم حزيران/يونيو 1982، وبقيت في ما عرف بـ”الشريط الحدودي” طوال 22 عاماً، ولم تحقق شيئاً، لا في الغزو ولا في الاحتلال ولا في كل الاعتداءات والاجتياحات التي سبقت أو تلت.

عشرون عاماً والكيان يحاول أن ينسى الخامس والعشرين من أيار/مايو دون جدوى. هذا التاريخ حاضر بقوة تتعاظم مع مرور الوقت لأنه يخلد خيبة لن تنسى. طوال سني احتلال جنوب لبنان، عاشت قوات الاحتلال في حالة حرب مع المقاومة لكنها لم تعلن أن هذه الحرب رسمية. ولذلك فإن الخامس والعشرين من أيار/مايو يمُرُ سنوياً من دون احتفالات ولكن ليس بقليل من الضجيج.

وبرغم أن الكثير من الجنود الإسرائيليين الذين خدموا في لبنان طوال تلك السنوات وعائلاتهم لا ينسون بل يتذكرون ذلك الخوف الشديد الذي كان ينتابهم أثناء الخدمة في الجنوب اللبناني المحتل، فإنه ليست لهذه السنوات ونهايتها أية مراسم. فقط تحاول الصحف العبرية عبر لقاءات مع قادة وجنود سابقين وأيضا مع ساسة سابقين استذكار تلك السنوات وعرض العبر منها. آخر هؤلاء كان رئيس الحكومة الأسبق، إيهود باراك الذي كان الانسحاب من لبنان شعاره الانتخابي عندما فاز على بنيامين نتنياهو في العام 1999.

وفي كل حال، تكتب “يديعوت أحرنوت” أنه في الخامس والعشرين من أيار/مايو لن يقيم الجيش أية مراسم و”لن تنكس الأعلام كما لن يلقي أحد أية خطابات. في 24 أيار/مايو 2020، وبالضبط بعد 20 عاماً من تلك الليلة التي انسحب فيها الجيش من لبنان، سيتم الاحتفال أساساً في شبكات التواصل الاجتماعي، من الناس أنفسهم الذين خدموا طوال السنوات بين 1985 و2000 في مواقع على طول الحزام الأمني، وأداروا قتالاً عنيداً ضد مقاتلي حزب الله، وهو قتال لم يتم تصنيفه حتى الآن كحرب”.

وتنقل الصحيفة عن رئيس الأركان الحالي، الجنرال أفيف كوخافي الذي خدم في العام 1998 كقائد للواء الشرقي في وحدة الارتباط مع لبنان قوله “إن جيل القادة الذين بينهم أعضاء هيئة الأركان وأنا منهم تطور في الوديان وفي الكمائن في الحزام الأمني”. ومن المعروف أن كوخافي عمل تحت إمرة الجنرال إيرز غيرشتاين الذي قتلته المقاومة في كمين في العام 1999. وأضاف كوخافي أن “تلك كانت الفترة التي تبلورنا فيها شخصياً ومهنياً، وهي فترة، خلافاً للتصورات السائدة، سجلت فيها انجازات عملانية غير قليلة إلى جانب خيبات وخسارة قادة ومرؤوسين. وأنا أحمل معي طوال الوقت صور رفاقي ممن سقطوا على أرض لبنان وأعانق عائلاتهم”. وختم كلامه بالقول إن “سنوات القتال في لبنان كانت درساً علينا أن نستخلص منه العبر حتى النهاية. وإحدى العبر المركزية من تلك الفترة هي القدرة على تشخيص وتفسير وضع معين. تشخيص أنماط عمل العدو، وتوفير الردود العملانية المناسبة لها”.

كلاينر: “أحد الأحداث المخجلة التي عرفها الجيش، حفرت في ذاكرتنا الجماعية صور جنود الجيش الإسرائيلي يفرون بجلودهم للنجاة من الحزام الأمني تاركين خلفهم مواقع بعتادها وأسلحتها، وفي الأساس حلفاء مخدوعين من جيش لبنان الجنوبي”

واعترف كوخافي بأنه على مر السنين “ازداد العدو في لبنان تطوراً، وبشكل تدريجي تبنى أنماط قتال غوارية. وتطلب الأمر من الجيش سنوات عدة لتشخيص ذلك والاعتراف به. وهذا درس مركزي على المستوى العملاني، ضرورة انتقاد الذات والتمحيص العميق الذي يقود إلى تكييف الجيش وأساليب عمله”.

ومن المؤكد أن إقرار كوخافي بضرورة الانتقاد الذاتي لا يعني بالضرورة تبني العبر وعدم تكرارها. فطبيعة الكيان العدوانية كفيلة بتكرار الأخطاء وعدم الاعتداد بالعبر كلما شعر بامتلاك القوة على تنفيذ مخططاته. وهذا ما يحذر كثيرون منه خصوصاً في ظل الاندفاعة اليمينية المستندة إلى تأييد أمريكي صريح.

ويعترف قائد عسكري سابق في لقاء مع “يديعوت” بأن “كل القادة الذين خدموا في الحزام الأمني لديهم ندوب عملانية في الكثير من المجالات، وهذا يرافقهم حتى اليوم. وبالنسبة لي، فإنني حتى اليوم أرى أن الاستعداد للمهمة ونمط القتال الذي كان لا يزال يرافقني، تآكل منذ ذلك الحين في الجيش. فبعد عامين إلى ثلاثة أعوام من الانسحاب، أتذكر فجأة أننا كنا نخشى الدخول إلى معسكرات اللاجئين في الضفة الغربية، على الرغم من أنني في الماضي كنت أدخل إلى معسكر اللاجئين في طولكرم بطاقية على رأسي وليس مع خوذة”.

وكان رئيس الأركان الصهيوني السابق، الجنرال غادي آيزنكوت، قد أقر مؤخراً في مقابلة مع صحيفة “إسرائيل اليوم” بأن حزب الله أفلح في تحقيق هدفه الرئيس بإخراج الجيش من لبنان عبر حرب عصابات “استنزفت قواتنا”، معترفاً بأن البقاء الطويل للجيش في لبنان “كان خطأ استراتيجياً” كلف الدولة العبرية ثمناً باهظاً.

لكن الاعتراف بالثمن الباهظ ظل موضع اختلاف بين من يعتقدون أن الخروج من لبنان كان أقل تكلفة من البقاء فيه ومن يعتقدون العكس. وظل هذا الاختلاف قائما حتى بعد مرور عشرين عاماً. إذ بقي أنصار الانسحاب يروون القصص عن الأرواح التي لم تزهق جراء هذا الانسحاب في حين يتحدث معارضو الانسحاب عن الخسارة المعنوية الهائلة لـ”الهروب الكبير”. وهكذا نجد قبل أيام عضو الكنيست السابق، ميخائيل كلاينر من الليكود، يناقش الهروب في صحيفة “معاريف” فيكتب:”أحد الأحداث المخجلة التي عرفها الجيش، حفرت في ذاكرتنا الجماعية صور جنود الجيش الإسرائيلي يفرون بجلودهم للنجاة من الحزام الأمني تاركين خلفهم مواقع بعتادها وأسلحتها، وفي الأساس حلفاء مخدوعين من جيش لبنان الجنوبي”. وفي رأيه، تلك المشاهد هي ما دعت الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لوصف الكيان بأنه “أوهن من بيت العنكبوت” برغم امتلاكه السلاح النووي والطائرات الأشد فتكاً في المنطقة.

خبير عسكري يقول إن “قيادة المنطقة الشمالية تواجه اختباراً جديداً حول الحرب المقبلة مع حزب الله، والتي تشمل أخذ المزيد من أسرى الحرب والمعارك، حيث سيكون الجيش أقل دهشة، لأن الحزب سيأخذ المزيد من الأسرى الإسرائيليين ويقوم بعمليات مطاردة في الشوارع بالصواريخ العملاقة”

غير أن الشعور الأهم لدى الكثير من الصهاينة في الذكرى العشرين للإنسحاب لا تتمثل فقط في استعادة ذكريات لم تندثر وإنما أيضا في مخاوف من خطر مقبل. وحتى الآن يصنف الجيش الصهيوني حزب الله على أنه العدو الأخطر في المحيط الأقرب بما يملكه من ترسانة صاروخية وروح قتالية وخبرة ميدانية. وبين الحين والآخر، تنشر الصحف الإسرائيلية تقارير عن ما تسميها “الحرب الثالثة” مع حزب الله. ونشرت هذه الصحف مؤخرا خلاصة تقرير عسكري يقول فيه خبير عسكري أن “قيادة المنطقة الشمالية للجيش الإسرائيلي تواجه اختباراً جديداً حول الحرب المقبلة مع حزب الله، والتي تشمل أخذ المزيد من أسرى الحرب والمعارك، حيث سيكون الجيش أقل دهشة، لأن الحزب سيأخذ المزيد من الأسرى الإسرائيليين ويقوم بعمليات مطاردة في الشوارع بالصواريخ العملاقة، ويعمل على تعمية الدبابات في الحرب الإلكترونية”. ويشير التقرير إلى ما تتوقعه القيادة الصهيونية من مفاجآت في الحرب المقبلة إذا ما وقعت.

غير أن وقوع هذه الحرب ليست بالضرورة أمراً حتمياً خصوصاً جراء ما هو واضح من ردع متبادل أشار إليه الأمين العام لحزب الله مؤخراً عندما أعلن أن مجرد ارتداع الكيان عن الاعتداء على لبنان “يشكل انجازاً بحد ذاته”.

عموماً ليس ثمة شك في أن ذكريات لبنان خلّفت في نفوس الصهاينة ندوباً لا تشفى قد يهرب منها البعض لكن الأغلبية تعيشها بأشكال مختلفة. وقد اجتمع عدد كبير من جنود وضباط تلك المرحلة في غابة قرب الحدود لاستعادة الذكريات وللتذكير بضرورة استخلاص العبر. ويوضح ضباط شاركوا في معارك الجنوب اللبناني أن مرحلة الحزام الأمني تختلف عن كل ما عرفه الكيان من حروب. ويقول أحدهم: “إنها ليست كحرب يوم الغفران. فأنا هناك لم أفهم أنني في حرب، كنت ببساطة أعيش الواقع. في لبنان كنا نعيش في فقاعة، وأنت لا تعرف إن كان هذا يوم الأحد أو الاثنين أو الثلاثاء، كان الأمر روتينياً حوّل لبنان إلى واقع طويل، وعندما تعود إلى البيت، تشعر بأنك في صدمة من الواقع”.

ويقول آخر إن القطيعة كانت مطلقة بين الواقع المضني للحفاظ على موقع منعزل في لبنان وبين الحياة المستمرة داخل الكيان. ويضيف “في حينه، كنت أغضب جداً عندما أرى الناس في إسرائيل لا يعرفون ولا يفهمون ما يجري على الجانب الآخر من الحدود. عندما كنت أعود إلى البيت أشعر بواقع منعزل، فأنت لا تنشغل بما يجري في لبنان. أنت تحاول الانفصال، ولا تتحدث عن تجاربك هناك”.

ويقر ثالث أن “لبنان كان شريطاً طويلاً، ومتوتراً. وأنت تعيش وقلبك ينبض أكثر من 80 نبضة في قسم كبير من وقتك، وعندما يحدث اشتباك يرتفع النبض إلى أكثر من مئة قبل أن يعود إلى روتين الـ80 نبضة. في الاشتباكات، رؤيتك تتقلص جداً، وتغدو حاداً جداً. وفجأة أنت لا ترى الاتساع، وتقوم بأفعالك بشكل تلقائي. لذلك فإن ذاكرتي تركز على الأحداث الصغيرة. وليس لطيفاً أن نتذكر ذلك، ولكن هذا هو حالنا”.

حلمي موسى

كاتب متخصص في الشؤون الاسرائيلية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free