كان الهدف المعلن قبل ستة أشهر واضحاً: تدمير القدرات الصاروخية والنووية، وقطع ذراع الحرس الثوري، وإسقاط النظام، أو على الأقل كسر عموده الفقري. قال دونالد ترامب إن المهمة لن تستغرق أكثر من أسابيع قليلة. قبل أيام وتحديداً في 28 آب/أغسطس 2026، انقضت ستة أشهر والحرب لم تنتهِ، والنظام لم يسقط، ومضيق هرمز لم يُفتح كما أرادت واشنطن، والبرنامج النووي والصاروخي لم يُدمر.. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: من الفائز أو من المنتصر؟
الإجابة ليست بسيطة، لأن الحرب خرجت من منطق الضربة الحاسمة إلى منطق الاستنزاف الطويل. ثمة تفوق جوي وعسكري أميركي-إسرائيلي واضح، مقابل صمود سياسي إيراني وورقة جغرافية لا تزال فاعلة: مضيق هرمز.
ضربة الرأس وصدمة الرد
في الساعات الأولى من تاريخ 28 شباط/فبراير 2026، اغتالت الضربات المنسقة المرشد الأعلى الإمام علي خامنئي وعدداً كبيراً من كبار القادة العسكريين والسياسيين في طهران. استُخدمت صواريخ توماهوك الأميركية وقاذفات إسرائيلية طويلة المدى، واستُغلت عملية خداع استخباراتي جعلت القيادة الإيرانية تعتقد أن الضربة ليست وشيكة. كان ذلك إنجازاً تكتيكياً باهراً؛ إذ قُطع رأس النظام في اليوم الأول.
لكن الرد جاء سريعاً. أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية وآلاف المسيّرات باتجاه إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة. أُغلق مضيق هرمز فعلياً، وارتفعت أسعار النفط، وامتد اللهب إلى لبنان عبر حزب الله وإلى البحر الأحمر عبر أنصار الله. ما بدأ كحملة جوية مركزة تحول خلال أيام إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
بعد ستة أشهر، النظام لم ينهَر. اختير مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، مرشداً أعلى في أوائل مارس/آذار، وبرغم إصابته بجروح خطيرة، فإنه يمارس أعماله وفق الرواية الرسمية، فيما يدير الحرس الثوري والقيادة التنفيذية الأعمال اليومية. غياب المرشد عن الأنظار بسبب الملاحقة الاستخباراتية المكثفة بات جزءاً من تداعيات الحرب؛ ولغزاً لا يزال كثيرون يبحثون عن حلّه.
ماذا حققت واشنطن وتل أبيب عسكرياً؟
التفوق العسكري الأميركي-الإسرائيلي لا يمكن إنكاره. دُمرت نسبة عالية من الدفاعات الجوية الإيرانية، وأُصيبت أو أُغرقت عشرات القطع البحرية، وتضررت مصانع الصواريخ والمسيّرات والقاعدة الصناعية الدفاعية بنسبة كبيرة. الضربات طالت منشآت التخصيب في نطنز وفوردو وأصفهان، وأُجّل «زمن الاختراق» النووي وفق تقديرات غربية. وفي المقابل، استُنزفت المخزونات الأميركية من صواريخ باتريوت وتوماهوك، ما دفع واشنطن إلى عقود إنتاج ضخمة لتعويض النقص.
وأظهر تحقيق نشرته صحيفة “واشنطن بوست” استناداً إلى صور أقمار اصطناعية حتى منتصف نيسان/أبريل؛ أن ما لا يقل عن 228 مبنى أو قطعة معدات أميركية تضررت أو دُمّرت في مواقع عسكرية أميركية بالشرق الأوسط، تشمل حظائر ومهاجع ومستودعات وقود وطائرات ومعدات رادار واتصالات ودفاع جوي. كما وجد التحقيق أن الضرر طال عدداً من القواعد أكبر بكثير مما ظهر في الإفصاحات الأميركية المبكرة. أما الخسائر البشرية الأميركية فكانت منخفضة نسبياً مقارنة بحجم العملية: 18 قتيلاً وأكثر من 750 جريحاً حتى أواخر آب/أغسطس.
بدورها، تكبدت إسرائيل خسائر بالأرواح والبنية التحتية، ولم تتمكن من إخفاء حجم الدمار الذي ألحقته بها الصواريخ الإيرانية؛ في حين تستطيع الولايات المتحدة أن تدّعي نجاحاً جزئياً في تدمير القوة التقليدية الإيرانية. غير أن الأهداف الاستراتيجية الكبرى لم تتحقق. النظام السياسي لم يسقط. البرنامج النووي لم يُمحَ؛ إذ بقي مخزون يُقدّر بنحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب، ومصير أجزاء منه غير واضح مع غياب مفتشي الوكالة الدولية. الصواريخ والمسيّرات لم تختفِ بالكامل؛ فقد استمرت إيران في إطلاقها بصورة متقطعة باتجاه السفن والقواعد. والأهم، أن مضيق هرمز لم يعد ممراً حراً كما كان في 27 فبراير/شباط.
النووي.. الغائب الحاضر
أما النووي، فتصر طهران على روايتها الثابتة: البرنامج سلمي، والسلاح النووي ليس جزءاً من عقيدة الدولة، والعدوان لم يُلغِ حق التخصيب لأغراض الطاقة. المنشآت ضُربت، وهذا واقع. لكن المخزون لم يُسلَّم على الشاحنات الأميركية، ومفتشو الوكالة لم يُمنحوا ما تريده واشنطن من تنازلات تمس السيادة، والحديث عن الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار بقي ورقة ضغط برلمانية. النصر النووي الأميركي كان يعني صفراً من التخصيب وتسليماً كاملاً. هذا الصفر لم يتحقق.
هرمز.. السلاح الذي غيّر طبيعة الحرب
قبل الحرب، كان المضيق ممراً دولياً يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية. بعد الضربات الأولى، أغلقته إيران أو قيدته بشدة. انخفضت حركة الناقلات من أكثر من مئة سفينة يومياً إلى أرقام ضئيلة في بعض الفترات، وتراجعت التدفقات النفطية عبره إلى نحو خمسة ملايين برميل يومياً في أواخر آب/أغسطس، مقارنة بنحو عشرين مليوناً قبل الحرب. سُجلت عشرات الحوادث البحرية وقُتل بحارة، وارتفعت تكاليف التأمين والشحن.
حاولت الولايات المتحدة فرض حصار بحري مضاد على الموانئ الإيرانية، ثم وقّعت مذكرة تفاهم في 17 حزيران/يونيو 2026 مع الرئيس مسعود بزشكيان لإعادة فتح المضيق ووقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً والدخول في مفاوضات نووية. انهارت المذكرة في يوليو/تموز بعد ذريعة اتهام لإيران بمهاجمة سفن في المضيق. كان واضحاً أن ترامب أراد من المذكرة أن تكون مدخلاً لإعادة فتح مضيق هرمز، كما أشار إلى ذلك نائبه جي دي فانس. عادت الضربات، وعاد الحصار، وتحولت الحرب من سماء إيران إلى المياه الخليجية.
اليوم تدّعي واشنطن أنها «قلبت المعادلة» في المضيق ونظفت الألغام من الممرات الدولية. إيران تتحدث عن ممر مشترك مع عُمان وشروط لإعادة الفتح تشمل رفع الحصار والتعويضات. الواقع على الأرض أقرب إلى الستاتيكو العالق بين اللاحرب واللاسلم؛ الملاحة منخفضة، والضغط قائم على الطرفين. هرمز لم يعد ورقة إيرانية مطلقة، لكنه لم يعد ممراً أميركياً حراً أيضاً.
الخنق مقابل الصمود
إيران دفعت ثمناً اقتصادياً باهظاً. صادرات النفط الخام انخفضت من أكثر من 2.2 مليون برميل يومياً في شباط/فبراير إلى نحو 500 ألف برميل في أيار/مايو. التضخم العام تجاوز 80 في المئة، وتضخم الغذاء بلغ 128 في المئة في يوليو/تموز. صندوق النقد يتوقع انكماشاً اقتصادياً في إيران بنحو 5.4 في المئة. طهران تتحدث عن أضرار مباشرة وغير مباشرة تصل إلى 270 مليار دولار. لكن، برغم كل ذلك، ما تزال الحكومة الإيرانية تعمل على معالجة المشكلات الاقتصادية للمواطنين، وسط تماسك اجتماعي وحكومي لافت للانتباه في ظل ظروف الحرب.
في 24 آب/أغسطس، أعلنت واشنطن عملية «العزل الاقتصادي» لتضييق الخناق أكثر: عقوبات ثانوية، واستهداف شبكات النفط والتمويل، والضغط على الدول التي تتعامل مع طهران. الصين ما زالت تشتري النفط الإيراني، وروسيا تقدم غطاءً سياسياً. النظام يقول إنه اعتاد العقوبات ويعرف كيف يعيش معها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى متى يستطيع المجتمع الصمود أمام تضخم أسعار الغذاء وانهيار القدرة الشرائية؟
أميركا أيضاً دفعت ثمناً. قُدرت كلفة الحرب العسكرية بنحو 37.5 مليار دولار حتى تموز/يوليو، وفق بعض التصريحات الرسمية. أسعار البنزين ارتفعت في الولايات المتحدة، وشعبية ترامب تراجعت، واستطلاعات الرأي أظهرت معارضة ثلثي الأميركيين للحرب. مخزونات الصواريخ الدفاعية استُنزفت، وسُحبت حاملة طائرات من المحيط الهادئ، ما أثار قلقاً بشأن التوازن مع الصين. الحرب التي وُعدت بأنها قصيرة أصبحت عبئاً سياسياً واقتصادياً قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
الحرب لم تكن «نظيفة» كما وُصفت في أيامها الأولى. فقد أسفرت ضربات أميركية وإسرائيلية على مدارس ومنشآت مدنية إيرانية عن مقتل أكثر من 200 طفل من طلاب المدارس، وفق الرواية الإيرانية، ومن أبرز الأمثلة ما حدث في مدرسة بمدينة ميناب، وهذا الأمر تكرر مع حملة القضف الجوي الأميركية الجديدة، ليل الثلاثاء-الأربعاء الماضي وأدت إلى إصابة العشرات من المواطنين الإيرانيين الأبرياء.
من المنتصر بعد ستة أشهر؟
إذا كان قياس النصر بعدد القنابل وارتفاع سحب الدخان فوق أصفهان ونطنز وبندر عباس، فإن صورة التفوق الجوي للعدوان لا تحتاج إلى مكابرة. إيران تعرّضت لضربة هائلة، واستُشهد قادتها، وتضرر اقتصادها. إنكار ذلك خطاب ضعف، لا خطاب قوة، والمرشد نفسه طلب إبراز القدرة والعمل على معالجة مواطن النقص، لا إنكارها في السر ثم المبالغة في تصوير القوة في العلن.
أما إذا قيس النصر بما خرجت من أجله أميركا وإسرائيل، فالمنظور الإيراني يقول إنهما خسرتا الحرب السياسية برغم نجاحاتهما التكتيكية. لم يسقط النظام. لم يُفتح هرمز بشروط البيت الأبيض. لم يُنتزع السلاح الصاروخي. لم يوقع أحد وثيقة إذعان. انتقل ترامب من وعد الأسابيع الخمسة إلى عبارة «لست مستعجلاً»، ومن الحسم العسكري إلى «العزل الاقتصادي». من يبدل أداة الحرب بعد ستة أشهر يعلن، من حيث لا يدري، أن الأداة الأولى لم تكفِ.
إيران لا تدّعي أنها سحقت أميركا. بل تدّعي شيئاً أخطر في حسابات الإمبراطوريات: أنها بقيت. البقاء بعد اغتيال المرشد، وبعد ألف غارة، وبعد إغلاق البنوك والموانئ، هو في عقيدة الجمهورية الإسلامية نوع من النصر الاستراتيجي. الدول الكبرى تربح المعارك حين تغيّر أنظمة غيرها. الدول الصاعدة مثل إيران تربح حين تمنع تغيّر نظامها. هذا هو الميزان الذي تضع طهران عليه حصيلة الأشهر الستة.
الخلاصة
بعد ستة أشهر، لم تستطع الولايات المتحدة تحقيق أهدافها؛ فالقتل والتدمير لم يحققا أهداف الحرب، لا لجهة إسقاط النظام ولا لجهة تغيير سلوكه السياسي. طرف متفوق عسكرياً لم يستطع فرض إرادته السياسية، وطرف متضرر بشدة لم ينكسر ولم يستسلم. الحرب انتقلت من «عملية محدودة» إلى مواجهة مفتوحة الأمد تُدار بالحصار والعقوبات والضربات المتقطعة والمفاوضات المتقطعة.
ترامب يقول إنه ليس في عجلة من أمره. طهران تقول إن الضغط لا ينجح وإن الوقت يعمل لصالحها.
من الفائز اليوم؟
يجب الانتظار لنرى. ذلك أن انتهاء الحرب ببقاء إيران ونظامها السياسي، وتجاوزها تداعياتها، سيجعلها قوة إقليمية كبيرة تتجه إلى تعزيز اقتصادها واستغلال مواردها في التنمية الداخلية؛ والتاريخ لا يمنح لقب المنتصر لمن يدمر أكثر، بل لمن يفرض تسوية تُحسب له بعد أن تهدأ المدافع. تلك التسوية لم تأتِ بعد.
