اتخذ القرار: لا تعايش مع فكرة المنفذ البري أو البحري الوحيد. لكن للهرب من مضيق هرمز مفارقته؛ فمرفأ جيهان التركي هو بديل العراق الأسرع، والسكة السعودية لن تبلغ أوروبا إلا عبر تركيا. إذاً ماذا يمنع أن تتكرر تجربة هرمز في الأناضول؟
اتخذ القرار: لا تعايش مع فكرة المنفذ البري أو البحري الوحيد. لكن للهرب من مضيق هرمز مفارقته؛ فمرفأ جيهان التركي هو بديل العراق الأسرع، والسكة السعودية لن تبلغ أوروبا إلا عبر تركيا. إذاً ماذا يمنع أن تتكرر تجربة هرمز في الأناضول؟
حتى القوة الأميركية لها حدودها. هذا ما يقوله الدرس الفنزويلي والدرس الإيراني. في كاراكاس، بدا أن واشنطن عثرت على وصفة سريعة للإخضاع: عملية خاطفة تطال رأس السلطة، واجهة دستورية تمنع الفوضى، سلطة انتقالية قابلة للتطويع، ثم إعادة فتح المورد النفطي أمام الشركات الأميركية وشبكات النفوذ الجديدة. أما في إيران، فقد اصطدمت الوصفة ذاتها بواقع مختلف: جغرافيا صعبة، دولة أكبر وأعمق، مؤسسة أمنية أكثر استعدادًا، حلفاء لا يسمحون بالعزلة الكاملة، ومضيق بحجم هرمز قادر على تحويل أي حرب محلية إلى أزمة دولية.
ليس لبنان اليوم أمام أزمة عابرة يمكن إرجاؤها إلى تسوية موقّتة، ولا أمام اشتباك حدودي يمكن احتواؤه ببيان دبلوماسي أو هدنة رخوة. إنها لحظة تتكثف فيها الأزمنة السياسية دفعة واحدة: زمن الحرب، زمن الانقسام الداخلي، زمن الوصايات، زمن السؤال الوجودي عن معنى الدولة وحدود السيادة ومصير الكيان. فما بدا طوال السنوات الماضية أزمات منفصلة صيغةً واقتصاداً واجتماعاً وحدوداً وهويةً وسلاحاً، يعود اليوم متشابكًا. كأن البلاد دفعت ثمن ترحيل الأسئلة حتى جاءتها كلها في وقت واحد.
في كلّ مرّة يعجز فيها بنيامين نتنياهو عن انتزاع نصرٍ حاسمٍ من الميدان، يذهب إلى التدمير والقتل. فالرجل لا يعرف من السياسة إلا صورتها الأكثر انحطاطاً، ولا من الحرب إلا لغتها الأكثر همجية. إذا أخفق في فرض الوقائع على الأرض، حاول أن يعوّض عجزه بالمجازر. تلك هي بنية عقله السياسي: كلُ مأزق عسكري يُترجم إجراماً، وكل فشل في الحسم يتحوّل إلى عقيدة ترويع، علّه يدفن عجزه تحت ركام لبنان.
في الحروب الكبرى، لا تكون الخسارة الأشرس تلك التي تُقاس بعدد الطائرات المحترقة، أو الرادارات المعطوبة، أو القواعد المُعطّلة. تلك كلّها خسائر مادية. ومهما بلغت كلفتها، يمكن ترميمها أو تعويضها أو إدخالها في حسابات الاستنزاف. الخسارة الأكبر هي تلك التي تصيب الفكرة التي تقوم عليها القوة نفسها؛ حين تكتشف دولة عظمى أن تفوقها لم يعد مرادفًا للحصانة، وأن قدرتها على الرؤية لا تعني بالضرورة قدرتها على الفهم، وأن امتلاك التكنولوجيا لا يلغي قابلية المفاجأة.
الحرب، حين تضرب اقتصاداً هشّاً كلبنان، تنفذ إلى العمق. إلى ميزان المدفوعات، إلى تدفقات الدولار، إلى قدرة الدولة على الجباية والإنفاق، وإلى ذلك الخيط الرفيع الذي يمسك سعر الصرف قبل أن ينفلت مجدداً. استقرار الليرة الذي بدا، منذ عام 2023، كإنجاز نقدي بعد سنوات الانهيار، ليس استقراراً صلباً بالمعنى الاقتصادي. بل هو أقرب إلى هدنة مالية دقيقة، جرى بناؤها فوق اقتصاد مدولر، وميزانيات مصارف مكسورة، وثقة لم تُرمّم، واحتياطات لم تعد تملك ترف الدفاع الطويل.
لا يجوز النظر إلى ما يجري اليوم في منطقتنا بوصفه مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لأن هذه الصورة، على صخبها، لا تعدو كونها السطح الظاهر لزلزال أعمق بكثير: زلزال يختبر قدرة الاقتصاد العالمي على الاحتمال، ويمتحن تماسك نظام دولي لم يعد يمتلك لا العقل الجماعي اللازم لاحتواء الصدمات، ولا الإرادة السياسية المشتركة التي تتيح للقوى الكبرى أن تدير خلافاتها من دون أن تدفع العالم كله إلى حافة الاختناق.
لم تعد المهلة التي لوّح بها دونالد ترامب لإيران مجرّد تفصيلٍ زمني في دفتر التهديدات الأميركية، ولا تاريخًا عابرًا على تقويم التصعيد. بل تحوّلت إلى عنوانٍ مكثّف لمرحلةٍ كاملة، تتداخل فيها الحروب بالمضائق، والإنذارات بالأسواق، والاستعراضات العسكرية بمصائر الشعوب
في الجزء الأول من هذا المقال، تناولنا التحوّل الجاري في مقاربة الدولة السورية للملف الكردي بوصفه محاولة لفصل مسارين طال خلطهما: حقوق الأكراد كمكوّن وطني داخل الدولة، ومصير «قسد» ككيان عسكري أمني نشأ في سياق الحرب على «داعش». هذا التحول يبقى مشروطاً بكيفية إدارة التفكيك والاستيعاب، وبقدرة الدولة على تحويل الاعتراف من مبادرة أحادية إلى عقد اجتماعي جامع من أجل عدم تضييع هذه الفرصة التاريخية.
ما جرى في شمال شرق سوريا لم يكن مجرّد اندفاعة عسكرية خاطفة. بل كان تعبيراً عن تقاطعات سورية وإقليمية ودولية اجتمعت تحت مظلة حماية وحدة الدولة السورية، بشرط انضوائها تحت سقف منظومة مصالح أميركية – تركية – سعودية، يؤمل أن تأخذ في الاعتبار لاحقاً مصالح دول أخرى أولها إسرائيل وثانيها الأردن.