أظهر الحشد أن الاسم لا يزال يمتلك قوة استدعاء عاطفية وسياسية يصعب تجاهلها. لكنه كشف، في الوقت نفسه، عن المشكلة التي ستواجه أي عودة: سعد الحريري لا يعود إلى ساحة بقيت مجمدة في انتظاره، بل إلى ساحة أعادت، خلال غيابه، توزيع وظائف كانت الحريرية تحتكرها أو تجمعها في مركز واحد. هنا يكمن جوهر المسألة. فالحريرية السياسية لم تكن يوماً وظيفة واحدة يمكن أن تنتقل ببساطة من شخص إلى آخر. منذ رفيق الحريري، ثم في عهد سعد الحريري، جمعت الحالة الحريرية بين التمثيل السياسي، القدرة الانتخابية، العلاقات العربية والدولية، الشبكات الاجتماعية والاقتصادية والخدماتية، إدارة التوازنات اللبنانية، فضلاً عن القدرة على مخاطبة كتلة واسعة من السنّة من موقع يتجاوز الزعامة المحلية وتحقيق خروقات جزئية في بيئات لبنانية أخرى.
عندما غاب سعد الحريري، لم تختفِ هذه الوظائف. تفرقت. أصبح هناك من يمتلك حضوراً شعبياً محلياً، ومن يحتفظ بشبكة اجتماعية أو تنظيمية، ومن يتمتع بشرعية مؤسساتية أو دينية، ومن بنى علاقات سياسية خارجية. ولذلك، فإن السؤال لم يعد ببساطة: من يتجرأ على وراثة سعد الحريري وإذا تجرأ أو امتلك الرغبة، هل يملك القدرة وبالتالي من يرث الوظائف التي كانت تجتمع في الحريرية؟
إرث تفرّق في الغياب
لم تبقَ الساحة السنّية معلقة طوال سنوات الغياب في انتظار عودة الحريري. ظهرت شخصيات سياسية ونواب مستقلون وقوى حزبية ودينية، وحاول كل طرف بناء حيثيته الخاصة. لم ينجح أحد في احتكار الساحة، لكن تعدد اللاعبين أنهى، عملياً، مرحلة كان فيها «المستقبل» مركز الثقل الأكثر وضوحاً فيها.
لهذا، لا يعود سعد الحريري إلى الساحة التي تركها عام 2022، عندما يُقرّر مثل تلك الخطوة، بل إلى بيئة اعتادت، بدرجات متفاوتة، العمل من دونه.
وفي الوقت نفسه، لم يبقَ «تيار المستقبل» نفسه كما كان. فالتيار الذي امتلك في سنوات صعوده ماكينة سياسية وانتخابية واسعة، وشبكة خدمات وكوادر وعلاقات في معظم المناطق ذات الثقل السنّي، خسر خلال سنوات الابتعاد جزءاً من هذه البنية. كما ساهم الانهيار الاقتصادي والأزمة المالية في إضعاف نموذج الخدمات والشبكات الاجتماعية الذي مثّل تاريخياً أحد مصادر قوة الحريرية وصلتها بجمهورها.
وهنا تظهر حدود ما يمكن أن يقوله حشد 14 شباط/فبراير 2026.
فالقدرة على استعادة الجمهور في مناسبة مشحونة بالعاطفة والذاكرة لا تساوي بالضرورة القدرة على تحويله إلى أصوات انتخابية، ولا إلى تنظيم دائم، ولا إلى ماكينة سياسية قادرة على العمل طوال العام.
وهذه تحديداً ستكون مهمة أحمد الحريري، الأمين العام لـ«تيار المستقبل»، الذي حافظ خلال سنوات غياب سعد على جانب أساسي من البنية التنظيمية للتيار. ظهوره في خلفية مشهد العودة يضعه أمام اختبار مختلف: هل يستطيع تحويل الرصيد العاطفي الذي لا يزال سعد يمتلكه إلى تنظيم وانتشار وقدرة انتخابية؟
ويطرح هذا الدور، على المدى الأبعد، سؤالاً سياسياً مشروعاً حول موقع أحمد نفسه داخل «تيار المستقبل». فكلما طالت مهمته في إدارة التنظيم وحفظ الماكينة وإعادة بنائها، اتسعت أهمية الموقع الذي يشغله. لكن ذلك لا يعني أن ثمة انتقالاً تلقائياً في الزعامة؛ فالفارق ما يزال كبيراً بين إدارة التنظيم وبين امتلاك الشرعية السياسية والشعبية التي يحملها اسم سعد رفيق الحريري.
«المشاريع».. قوة المؤسسة
وسط هذا المشهد، تبرز جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية المعروفة بـ”الأحباش” أو “المشاريع” بصورة تختلف عن معظم القوى الإسلامية السنّية الأخرى.
فـ«المشاريع»، وهي جميعة نالت الترخيص عام 1930، لكنها بصورتها الراهنة، اكتسبت زخمها بانتخاب الشيخ الراحل نزار الحلبي رئيساً لها في العام 1982، لم تبنِ حضورها على زعامة سياسية شخصية أو على ظرف انتخابي عابر، بل راكمت طوال عقود شبكة دينية وتعليمية واجتماعية وتنظيمية متماسكة. ومصدر قوتها الأساسي أن علاقتها بجمهورها لا تبدأ عند صناديق الاقتراع ولا تنتهي معها.
فالحضور داخل الأحياء والمدارس والمؤسسات الدينية والاجتماعية يتيح للجمعية المحافظة على علاقة دائمة بقواعدها، ثم تحويل هذا الرصيد، عندما تدعو الحاجة، إلى قدرة انتخابية وتفاوضية وسياسية، ناهيك بحضور وازن في عدد من بلدان الإغتراب ولا سيما الأوروبية منها (ألمانيا على سبيل المثال لا الحصر).
بهذا المعنى، لا يكون التنظيم لدى «المشاريع» مجرد أداة مساعدة للسياسة، بل أحد مصادر إنتاج الحضور السياسي نفسه. وعندما تتراجع الزعامات أو تتغير التحالفات، تبقى المؤسسة قادرة على الاحتفاظ بجزء كبير من بنيتها، ثم إعادة توظيفه سياسياً.
وقد استفادت «المشاريع» أيضاً من التحولات التي طرأت على البيئة السنّية والإقليمية، وخصوصاً تراجع فكرة الراعي الواحد والمرجعية السياسية الواحدة. ففي ساحة أصبحت أكثر تعدداً، تزداد قيمة القوى التي تمتلك أدواتها الذاتية ولا يتوقف وجودها على علاقتها بزعيم واحد أو بمرحلة سياسية محددة.
لكن هذا لا يجعل «المشاريع» بديلاً عن «المستقبل»، ولا وريثاً مباشراً للحريرية.
الفارق البنيوي كبير. كان «المستقبل» مشروعاً سياسياً وطنياً واسعاً يرتبط بشبكة عربية ودولية وبحضور اقتصادي واجتماعي وانتخابي كبير، فيما تستند «المشاريع» أساساً إلى بنية دينية واجتماعية وتنظيمية مؤسساتية.
والتقاطع بين التجربتين يقع في مكان آخر: كلاهما عرف كيف يصل إلى المجتمع السنّي من خارج مؤسسات الدولة وحدها، لكن بأدوات مختلفة تماماً.
القوى الإسلامية وحدود التمدد
لم تتمكن القوى الإسلامية السنّية الأخرى من تحويل تراجع «المستقبل» إلى فرصة لإنتاج بديل سياسي جامع.
احتفظت الجماعة الإسلامية ببنيتها التنظيمية وبحضور في عدد من المناطق، لكنها واجهت حدوداً واضحة في توسيع قاعدتها السياسية والشعبية. ولم يكن ذلك منفصلاً عن خياراتها وتحالفاتها، وخصوصاً في مقاربتها للعلاقة مع حزب الله، والأهم أنها جزء لا يتجزأ من حركة “الإخوان المسلمين” العالمية، بحيث تتأثر صعوداً ونزولاً بالتحولات التي تصيب الإسلام السياسي السني في المنطقة.
وضعت هذه الخيارات الجماعة الإسلامية في موقع لم ينسجم دائماً مع التحولات داخل شرائح من المزاج السنّي، ولا سيما مع تصاعد الأسئلة المتعلقة بالدولة والسيادة والسلاح. ولذلك، لم يكن امتلاك التنظيم كافياً لتحويل الجماعة إلى مرجعية سنّية أوسع.
أما التيارات السلفية وهيئة علماء المسلمين، فواجهت مساراً مختلفاً.
ارتبط جانب من حضورها السياسي والشعبي، في مراحل سابقة، بالصراع مع نظام بشار الأسد وبالحرب السورية، وهي مرحلة وفرت عناوين تعبئة وتحشيد تجاوزت أحياناً الحجم التنظيمي الفعلي لبعض هذه القوى.
وكان هناك رهان، لدى بعض الأوساط، على أن يؤدي سقوط النظام السوري السابق إلى بيئة إقليمية أكثر ملاءمة لهذه التيارات، وأن ينعكس ذلك على أوزانها داخل الساحة السنّية اللبنانية.
لكن زوال الخصم لم يؤدِّ تلقائياً إلى ولادة البديل.
فسوريا الجديدة لم تتحول إلى امتداد سياسي للسنّة في لبنان، كما لم تدخل، حتى الآن، في عملية إعادة بناء مرجعياتهم أو هندسة توازناتهم. وبذلك خسرت هذه القوى الخصم الذي شكّل جزءاً من خطابها التعبوي، من دون أن تنتج بديلاً وطنياً قادراً على توسيع تمثيلها.
لم تختفِ، لكنها لم تستطع ملء الفراغ.
دار الفتوى.. شرعية من نوع آخر
وسط تعدد اللاعبين، تبقى دار الفتوى في موقع مختلف جذرياً.
فهي المرجعية الدينية الرسمية للطائفة السنّية، وتستطيع أداء دور وطني وجامع، ولا سيما عند الأزمات، لكنها لا تمتلك الأدوات التي تسمح بتحويل هذه الشرعية الدينية إلى قيادة سياسية وانتخابية للطائفة.
لا تستطيع دار الفتوى فرض تراتبية بين القوى السنّية، ولا تحديد من يمثل الطائفة انتخابياً، ولا تشغيل ماكينة سياسية بالمعنى الحزبي.
ولهذا فإنها لم «ترث» الحريرية، لأنها لم تكن تؤدي وظيفتها أصلاً.
فالحريرية امتلكت شبكة سياسية وتنظيمية واقتصادية وعربية ودولية سمحت لها بتجاوز وظيفة التمثيل الديني. أما دار الفتوى، فتبقى صاحبة شرعية مؤسساتية ودينية، وهي وظيفة مهمة، لكنها مختلفة.
وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى جوهر المسألة: ليس هناك إرث واحد لكي يرثه طرف واحد.
السعودية من الأحادية إلى التعددية
التحول الأهم لا يقتصر على الداخل اللبناني.
فمنذ عهد رفيق الحريري، ارتبطت الحريرية السياسية بعلاقة استثنائية مع المملكة العربية السعودية. وكان الغطاء السعودي (بالتوافق مع سوريا حافظ الأسد وفرنسا جاك شيراك والولايات المتحدة) أحد عناصر القوة التي ساهمت في تكريس الحريرية بوصفها المرجعية السياسية السنّية الأوسع.
لكن البيئة تبدلت، فليس خافياً أن الدور السعودي اليوم أقل ميلاً إلى إعادة إنتاج نموذج يقوم على زعامة سنّية واحدة تحتكر العلاقة مع الرياض، وأكثر اهتماماً بالدولة اللبنانية ومؤسساتها، وبإقامة شبكة علاقات مع أكثر من طرف وشخصية.
وبذلك تغيّر معنى «الغطاء السعودي» نفسه.
لم يعد البحث عن «البديل السعودي للحريري» بالضرورة السؤال الصحيح، لأن الافتراض الذي يقوم عليه السؤال ـ أن الرياض تحتاج إلى اختيار وريث واحد ـ قد لا ينسجم مع الطريقة التي تتعامل بها المملكة مع الساحة اللبنانية.
الأدق أن الساحة تنتج تعددها، وأن السعودية تكيفت مع هذه التعددية الناشئة.
وهذا التحول يضع سعد الحريري أمام بيئة مختلفة عن تلك التي صنعت صعود الحريرية في السابق. فإذا أراد استعادة موقعه، فلن يكون كافياً استعادة العلاقة التاريخية مع الرياض؛ سيكون عليه إعادة إنتاج دوره داخل مجتمع سنّي أصبح أكثر تشتتاً، وفي دولة وإقليم تغيرت قواعدهما.
التحول السوري
بالتوازي مع التحول السعودي، غيّر سقوط نظام بشار الأسد أحد الشروط الإقليمية التي حكمت السياسة اللبنانية لعقود.
كانت دمشق، في مراحل سابقة، لاعباً مباشراً في اختيار الحلفاء وإدارة العلاقات بين القوى اللبنانية والتأثير في المسارات السياسية والأمنية. أما القيادة السورية الجديدة فتبدو، حتى الآن، أقل ميلاً إلى استعادة ذلك النوع من الوصاية السياسية المباشرة على لبنان.
وهذه مفارقة مهمة بالنسبة إلى الساحة السنّية.
فلا سوريا تعيد ترتيب اللاعبين بالطريقة القديمة، ولا السعودية تبدو في وارد إنتاج مرجعية سنّية حصرية.
وبين هذين التحولين، يعود سعد الحريري إلى ملعب لم يعد أحد يمتلك مفاتيحه وحده.
امتحان الدولة والسلاح
لكن امتحان العودة لا يتعلق بالتنظيم والانتخابات والتحالفات فقط.
فقد أعادت حرب غزة، ثم الحرب الإسرائيلية على لبنان، سؤال الدولة إلى مركز النقاش اللبناني: من يملك قرار الحرب والسلم؟ وما حدود السلاح الموجود خارج المؤسسات الرسمية؟ وما معنى حصرية السلطة والسيادة في مرحلة ما بعد الحرب؟
وهذه أسئلة تمسّ أيضاً السياسة التي اعتمدها سعد الحريري طوال مراحل سابقة.
فقد بنى الحريري في مراحل طويلة مقاربته للعلاقة مع حزب الله على سياسة «ربط النزاع»: تأجيل الصدام حول السلاح والقضايا الاستراتيجية الكبرى مقابل المحافظة على حد أدنى من الاستقرار الداخلي وإدارة الدولة.
لكن البيئة التي أعقبت حرب العام 2024 جعلت سؤال حصرية قرار الدولة أكثر حدة.
ومن هنا، فإن أي عودة سياسية كاملة للحريري ستضعه أمام اختبار يتجاوز استعادة جمهوره: هل يستطيع إنتاج مقاربة جديدة لمسألة الدولة والسلاح، أم يعود بالأدوات نفسها التي استخدمها قبل انسحابه؟
هذا السؤال لن يواجه سعد وحده، بل كل من يطمح إلى تمثيل الشارع السنّي.
سعد يعود… لكن إلى ماذا؟
المعركة المقبلة، إذاً، ليست مجرد مواجهة بين سعد الحريري ومنافسيه، ولا مجرد سباق على أصوات السنّة.
إنها منافسة بين نماذج مختلفة للتمثيل.
هناك الزعامة التاريخية والعاطفية التي يمثلها الحريري؛ والتنظيم المؤسسي الذي تستطيع قوى مثل «المشاريع» الاعتماد عليه؛ والشرعية الدينية التي تمثلها دار الفتوى؛ والحضور المحلي للنواب والزعامات المناطقية؛ والقوى الإسلامية التي تحتفظ بقواعد تنظيمية خاصة بها.
قد يستطيع سعد الحريري استعادة جزء كبير من الرصيد العاطفي والسياسي المرتبط باسم والده وبمرحلة الحريرية، لكن استعادة الرصيد ليست هي نفسها استعادة المنظومة التي أنتجته.
فهو يحتاج إلى إعادة بناء التنظيم، واستعادة الكوادر، ونسج تحالفات جديدة، وإعادة تأسيس علاقة مع جمهور تغيّرت أولوياته، والتعامل مع بيئة سعودية وسورية ولبنانية ليست تلك التي غادرها.
وهنا تصبح عودة «المستقبل» اختباراً مزدوجاً.
هي اختبار لسعد الحريري: هل يستطيع إعادة جمع الوظائف التي كانت الحريرية تحملها قبل أن تتفرق؟
وهي اختبار لأحمد الحريري: هل يستطيع تحويل الحشد والحنين السياسي إلى ماكينة تنظيمية وانتخابية تعمل خارج موسم الذكرى؟
وإذا نجح سعد في إعادة إنتاج مركز سياسي واسع، يمكن أن يستعيد موقعاً محورياً في الساحة. أما إذا ظل الإرث موزعاً بين قوى ومؤسسات وشخصيات متعددة، فستكون عودته جزءاً من مشهد جديد، لا استعادة للمشهد القديم.
لذلك، ربما يكون سؤال: «من يرث سعد الحريري؟» قد أصبح متأخراً عن الواقع.
السؤال الأدق هو: هل لا تزال الحريرية قابلة لأن يجمعها شخص واحد؟
فالإرث لم يعد قطعة واحدة تنتظر وريثاً. لقد أصبح مجموعة وظائف موزعة بين أكثر من طرف.
وسعد الحريري لا يعود إلى كرسي فارغ.
إنه يعود ليحاول جمع ما تفرّق.
