“فورين أفيرز”: من «قلب الأرض» إلى «حزام الحافة».. معركة أوراسيا والنظام العالمي

يخلص الكاتبان مايكل بيكلي، (أستاذ العلوم السياسية والباحث الاستراتيجي الأميركي في جامعة تافتس، المتخصص في العلاقات الأميركية–الصينية) وهال براند (المؤرخ والأكاديمي والاستراتيجي الأميركي الذي تتركز أبحاثه على التنافس الجيوسياسي وتاريخ الحرب الباردة)، في مقالتهما الطويلة المنشورة في "فورين أفيرز" (عدد تموز/يوليو وآب/أغسطس 2026) إلى أن السؤال الذي سيُحدّد شكل العقود المقبلة ليس ما إذا كان الغرب يمتلك الموارد الكافية لمواجهة قلب أوراسيا، بل ما إذا كان يستطيع تنظيم هذه الموارد وتحويلها إلى استراتيجية متماسكة؟

للوهلة الأولى، تبدو الخريطة الاستراتيجية للعالم مألوفة على نحو يثير الانتباه. ففي قلب أوراسيا تتجمع مجموعة من القوى البرية التي تتحدى نظاماً ليبرالياً بحرياً تقوده قوة عظمى تقع جغرافياً خارج القارة. الصين وروسيا، ومعهما إيران وكوريا الشمالية، تؤدي اليوم دوراً شبيهاً بذلك الذي أدته فرنسا النابليونية وألمانيا الإمبراطورية والاتحاد السوفياتي في مراحل سابقة: قوى قارية تسعى إلى توسيع نفوذها في أوراسيا ومن ثم استخدامه للوصول إلى القوة العالمية. وفي المقابل، تبقى الولايات المتحدة القوة الوحيدة القادرة على ربط قوس واسع من الدول الساحلية والبحرية الممتد من أميركا الشمالية إلى أوروبا وشرق آسيا، بما يشكل طوقاً استراتيجياً حول الكتلة الأوراسية.

إنها، بعبارة أخرى، عودة إلى المواجهة الكلاسيكية بين «قلب الأرض» (Heartland) و«حزام الحافة» (Rimland) التي شغلت هالفورد ماكيندر ونيكولاس سبايكمان. لكن قلب أوراسيا الحالي يختلف جذرياً عن أسلافه؛ فهو ليس إمبراطورية موحدة تزحف عبر القارة، بل تجمع فضفاض من القوى الراغبة في تغيير النظام الدولي، توحدها معارضة الهيمنة الأميركية والنظام الليبرالي أكثر مما تجمعها أيديولوجيا مشتركة. وهي لا تمتلك القدرة على اكتساح مناطق شاسعة كما فعل نابوليون أو هتلر، لكنها تمتلك أدوات لم يعرفها هؤلاء: الهجمات السيبرانية، التضليل الرقمي، الأسلحة الدقيقة، الصواريخ النووية، والقدرة على استغلال شبكات الاقتصاد العالمي نفسها لإضعاف خصومها.

وتقف الصين في مركز هذا القلب الجديد. فهي تتقدم براً عبر “مبادرة الحزام والطريق”، وبحراً من خلال بناء عسكري غير مسبوق، ورقمياً بواسطة شبكات الاتصالات وأنظمة الدفع والمراقبة والذكاء الاصطناعي. بذلك لم يعد الصراع على أوراسيا يدور حول الأرض وحدها؛ فالكابلات والموانئ والمنصات الرقمية وسلاسل التوريد أصبحت امتداداً للجغرافيا التقليدية.

قلب قوي وضعيف في آن

ثمة تناقض أساسي داخل هذا المعسكر. فالصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية قادرة على إحداث أزمات خطرة وفرض أثمان مرتفعة على خصومها، لكنها لا تمتلك مجتمعة حتى الآن العمق الاقتصادي والتكنولوجي الذي يسمح لها بالتفوق في مواجهة طويلة الأمد مع ائتلاف تقوده الولايات المتحدة.

هذه الدول عززت خلال السنوات الأخيرة روابطها الاقتصادية والمالية والعسكرية. الرقائق والأدوات الصناعية الصينية تدعم الاقتصاد الروسي، والنفط الروسي يتدفق إلى الصين، فيما عملت موسكو وطهران على تطوير ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب الذي يربط روسيا بآسيا عبر بحر قزوين وإيران. وامتد التعاون إلى المجال العسكري: مسيّرات إيرانية وصواريخ وقوات كورية شمالية وسلع صينية مزدوجة الاستخدام أسهمت في دعم الحرب الروسية في أوكرانيا، بينما تنقل روسيا إلى شركائها تقنيات عسكرية متقدمة.

لكن هذا ليس حلفاً شبيهاً بحلف شمال الأطلسي. الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية شركاء تجمعهم المصالح والخصومات المشتركة أكثر مما يجمعهم التزام بالدفاع المتبادل. وقد أظهرت الحرب مع إيران حدود هذه الشراكة: الصين وروسيا كانتا مستعدتين لتقديم الدعم الاستخباراتي والتكنولوجي لطهران، لكنهما لم تكونا مستعدتين للمخاطرة بمواجهة أوسع دفاعاً عنها. هذا الضعف يحمل ميزة. فغياب العقيدة الأيديولوجية الموحدة يتيح لهذه القوى بناء شراكات مرنة مع دول شديدة الاختلاف، من بيلاروسيا وميانمار وكوبا إلى دول متأرجحة مثل الهند والسعودية، وصولاً إلى بلدان في الجنوب العالمي غير راضية عن النظام الذي يهيمن عليه الغرب.

كما أن محدودية القدرة التقليدية على التوسع لا تعني انعدام القدرة على الإكراه. فالهجمات السيبرانية الصينية والروسية تستطيع استهداف البنية التحتية الأميركية، والقدرات المضادة للأقمار الصناعية تهدد شبكات الاتصالات التي يعتمد عليها البنتاغون، فيما تمنح الترسانات الصاروخية الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية القدرة على ضرب القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن. ويضاف إلى ذلك السلاح الاقتصادي: تستطيع الصين استخدام هيمنتها على معالجة المعادن النادرة والبطاريات وبعض المواد الصناعية والدوائية، بعدما أمضت سنوات في زرع نفسها داخل شرايين العولمة، من الاتصالات والكابلات البحرية إلى التجارة والشحن.

الصين: الهجوم الثلاثي

إذا كانت هناك دولة تجسد التقاء الجيوبوليتيك القديم بأدوات القرن الحادي والعشرين فهي الصين. فقد حذر ماكيندر عام 1904 من أن صيناً مستقرة وقوية يمكن أن تصبح خطراً عالمياً لأنها تجمع واجهة بحرية واسعة بعمق أوراسي هائل، فيما توقع سبايكمان لاحقاً أن تتحول الصين الحديثة والمسلحة إلى قوة قارية ضخمة تهيمن على غرب المحيط الهادئ.

لكن بكين تتحرك اليوم في ثلاثة اتجاهات في آن واحد:

-على البر؛ تربط “مبادرة الحزام والطريق” أجزاء واسعة من أوراسيا بالبنية التحتية والديون والاستثمارات الصينية. وقد تجاوز حجم الإنفاق الصيني نحو تريليون دولار، فيما يمكن لسلسلة الموانئ التي استثمرت فيها الصين من آسيا إلى اليونان أن تتحول مستقبلاً إلى أساس لشبكة انتشار عالمية.

-في البحر؛ انتقلت الصين من بناء قوة هدفها منع البحرية الأميركية من الاقتراب من سواحلها إلى تطوير قدرة فعلية على إسقاط القوة بعيداً عنها. باتت البحرية الصينية الأكبر عالمياً من حيث عدد القطع، ويستفيد بناؤها العسكري من صناعة سفن تنتج أكثر مما ينتجه بقية العالم مجتمعاً.

-السحابة الرقمية؛ إنّ معدات المراقبة الصينية موجودة في مختلف القارات، ومنصات الدفع الصينية تنتشر خارج البلاد، وشركات مثل هواوي تواصل المنافسة في شبكات الجيلين الخامس والسادس، فيما تجد نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية، مثل DeepSeek وQwen، أسواقاً واسعة، وخصوصاً في الدول النامية. وبذلك تحاول بكين الجمع بين السيطرة على الموارد المادية التي تقوم عليها التكنولوجيا والسيطرة على الشبكات التي تمر عبرها المعلومات.

القوة الهائلة لـ«حزام الحافة»

الحديث عن انحدار الغرب يخفي اختلالاً هائلاً في ميزان القوة الاقتصادية. فأميركا الشمالية ومنطقة اليورو والديموقراطيات الرئيسية في المحيطين الهندي والهادئ ــ اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وتايوان ــ تنتج مجتمعة نحو نصف الناتج العالمي بأسعار الصرف السوقية، بينما لا يتجاوز نصيب الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، حتى إذا أضيفت إليها مجموعة من الدول المتحالفة أو القريبة منها، نحو خمس الاقتصاد العالمي.

إقرأ على موقع 180  تل أبيب تحتفي بهوكستاين: الوقت ليس لصالح لبنان!

والفارق أكبر في التكنولوجيا والمال. فالدول المنضوية في المعسكر المرتبط بالولايات المتحدة تصدر عملات الاحتياط الرئيسية وتدير أهم شبكات الدفع وتمتلك معظم الأصول الاستثمارية عالية الجودة. ووفق الأرقام المتداولة، يوجد داخل هذا المعسكر نحو 85% من الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي، ونسبة مماثلة من استثمارات المحافظ المالية، ونحو 87% من احتياطيات العملات الأجنبية.

حتى الطاقة، التي كانت تاريخياً إحدى نقاط ضعف الغرب، تغيرت معادلتها. فقد أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، وتحولت أميركا الشمالية إلى أكبر منطقة مصدرة للغاز الطبيعي المسال بحلول 2025. وفي المقابل، انخفضت حصة روسيا من واردات أوروبا من الغاز من 45% قبل حرب أوكرانيا إلى نحو 12% عام 2025.

أما الفارق الأكثر حسماً فيظهر في الصناعات المتقدمة. إذ تستحوذ الولايات المتحدة وحلفاؤها على قرابة 85% من أرباح الشركات العالمية في الصناعات عالية التكنولوجيا. والصين، على الرغم من أنها تنتج نحو ثلث السلع المصنعة عالمياً وتتفوق في السيارات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية والمسيّرات والسفن والمعادن النادرة، لا تزال تعتمد على منظومة تكنولوجية أوسع يهيمن عليها خصومها.

لماذا لا يتحول التفوق إلى استراتيجية؟

هنا تكمن مشكلة المعسكر الأميركي. فقوته المادية الهائلة تقابلها هشاشة سياسية متزايدة.

ليس لدى دول حزام الحافة تعريف واحد للتهديد. الهند تنظر إلى الصين من جبال الهيمالايا، واليابان ودول جنوب شرق آسيا من البحار المحيطة بها، وأوروبا تنظر إلى روسيا، فيما تحتفظ دول مثل السعودية بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن بالتوازي مع روابط تكنولوجية واقتصادية متنامية مع بكين.

وتفاقم الديموقراطيات هذه الصعوبة بسبب تضارب المصالح الداخلية؛ فالمستهلكون يريدون الطاقة والسلع الرخيصة، والشركات تريد الأسواق الصينية، فيما تتضرر صناعات أوروبية من فائض الإنتاج الصيني ومن الحمائية الأميركية في الوقت نفسه.

وفوق ذلك كله، أصبحت الولايات المتحدة نفسها، حامياً لا يمكن توقع سلوكه دائماً. فالرئيس دونالد ترامب محق في مطالبة الحلفاء بزيادة إنفاقهم الدفاعي. الجمع بين هذا الضغط والرغبة في تقليص الالتزامات الأميركية يهدد أساس المنظومة. فإذا انسحبت الولايات المتحدة من أوراسيا، لن تستطيع بقية دول الحافة منفردة احتواء الصين أو روسيا.

وقد كشفت الحرب مع إيران جانباً من هذا التصدع، عندما امتنع عدد من حلفاء واشنطن عن دعم العمل الأميركي أو نأوا بأنفسهم عنه بدلاً من الاصطفاف خلف الولايات المتحدة.

من الاحتواء العسكري إلى «اقتصاد الحرب والسلام»

صحيح أن ردع الصين حول تايوان يتطلب صواريخ بعيدة المدى وغواصات وطائرات متقدمة ودفاعات جوية ومسيّرات وقواعد موزعة عبر سلسلة الجزر الأولى، وأن ردع روسيا يحتاج إلى تقوية الجناح الشرقي للناتو من البلطيق إلى بولندا ورومانيا؛ لكن الحروب الحديثة أظهرت أن مخزونات الصواريخ والذخائر والدفاعات الجوية يمكن أن تُستنزف خلال أسابيع أو أيام.

المطلوب، إذاً، تحويل حزام الحافة من مجموعة دول غنية ومتناثرة إلى اقتصاد متكامل للحرب والسلام يستطيع أن ينتج أكثر، ويبتكر أسرع، ويصمد أطول من قلب أوراسيا.

وفي هذا السياق، يُطرَح مبدأ «التكرار من دون الاكتفاء الذاتي»: ليس ضرورياً أن تنتج كل دولة كل شيء، بل أن تكون كل قدرة استراتيجية ضرورية موجودة في مكان ما داخل الائتلاف. ويمكن توزيع سلاسل التوريد الحساسة بين أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا، مع قواعد مشتركة للاستثمارات وضوابط التصدير والتكنولوجيا.

وينطبق المنطق نفسه على الصناعات الدفاعية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيا الحيوية والكابلات البحرية. فإذا تعرض مصنع أو مخزون أو شبكة لهجوم، ينبغي أن تكون بقية أجزاء المنظومة قادرة على التعويض.

ولا يحتاج ذلك، إلى حلف عالمي جديد أو معاهدة ضخمة؛ فالإجماع يمنح كل دولة حق النقض ويشل الحركة. المطلوب هو شبكات من الدول الراغبة تتعاون في ملفات محددة: الرقائق، المعادن، الكابلات، الأسلحة بعيدة المدى، العقوبات، وسلاسل التوريد.

وماذا عن الجنوب العالمي؟

يحذر الكاتبان بيكلي وبراندز من المبالغة في الرهان على استمالة «الجنوب العالمي». ففي الحرب الباردة اختارت دول كثيرة عدم الانحياز ومع ذلك انتصر المعسكر الغربي. واليوم أيضاً لن تتحول أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، في رأيهما، إلى كتلة مستقرة خلف واشنطن أو بكين.

لذلك يقترحان مقاربة براغماتية: لا حاجة إلى تحويل هذه الدول إلى حلفاء أيديولوجيين؛ المطلوب بناء شراكات عندما تتقاطع المصالح، ولا سيما في المعادن الحيوية والطاقة والعمالة وسلاسل التوريد، وتقديم بدائل اقتصادية تمنع الصين من احتكار الأسواق والموارد.

في النهاية، يعرف قلب أوراسيا إلى حد كبير ما يريده: عالم موزع إلى مناطق نفوذ، تستطيع القوى الكبرى التحكم فيه بواسطة الأرض والموارد والاختناقات الصناعية. أما حزام الحافة، فعلى الرغم من تفوقه الاقتصادي والتكنولوجي، فلا يزال يفتقر إلى التماسك السياسي والاستراتيجي.

ومن هنا يصل الكاتبان إلى خلاصتهما الأساسية: ميزان القوة المادي لا يزال يميل بوضوح إلى حزام الحافة، لكن القوة وحدها لا تصنع نظاماً دولياً. والسؤال الذي سيحدد شكل العقود المقبلة ليس ما إذا كان الغرب يمتلك الموارد الكافية لمواجهة قلب أوراسيا، بل ما إذا كان يستطيع تنظيم هذه الموارد وتحويلها إلى استراتيجية متماسكة.

فالمعركة المقبلة على النظام العالمي لن تُحسم بالدبابات والأساطيل وحدها، وإنما أيضاً بالموانئ والرقائق والمعادن النادرة والكابلات البحرية ومنصات الدفع والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد. لقد بقيت جغرافيا ماكيندر وسبايكمان، لكن أدوات السيطرة عليها تغيرت. وفي القدرة على الجمع بين الأرض والشبكات قد يتحدد الطرف الذي سيكتب قواعد النظام العالمي المقبل.

(*) النص مترجم بتصرف من الانجليزية إلى العربية؛ يمكن مراجعة النص الإنجليزي الكامل على موقع “فورين أفيرز“.

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الإنسان في زمن "كورونا".. تحدي الحقيقة