إن الإعلان عن هذه النتائج لا ينبغي أن يُقرأ كمجرد نهاية لاستحقاق إجرائي ومحطة لإعادة توزيع المقاعد داخل المؤسسة التشريعية، بل بوصفه لحظة كاشفة لطبيعة الطبخة السياسية المستمرة، حيث تفرز الصناديق أغلبيات معزولة عن الديناميات المجتمعية الحقيقية، وتعمّق حالة الفصام بين المؤسسات المنتخبة ونبض الشارع الذي اختار قطاع واسع منه المقاطعة والعزوف الشامل عن اللعبة برمتها… ومن هذا المنطلق بالذات، تتأكد الحاجة إلى العودة إلى جذور هذا «المسلسل الديموقراطي» وفهم آليات صناعته وامتداداته التاريخية.
تُعدّ التجربة الانتخابية في المغرب إحدى أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في العالم العربي، بالنظر إلى المفارقة الصارخة بين الاستقرار المؤسساتي الظاهري وبين تعثر الانتقال نحو ديموقراطية حقيقية تتكفل بنقل السلطة وتجسيد الإرادة الشعبية.
يمتد تاريخ الانتخابات في المملكة عبر عقود طويلة من الصراع الناعم والمعلن بين المؤسسة الملكية والأحزاب الوطنية، وهو صراع لم يكن يدور حول التفاصيل الإجرائية بقدر ما كان يخص السؤال الجوهري: من يمتلك مشروعية التمثيل وصناعة القرار؟
بين الخطاب والممارسة
تُشكّل اللحظة التاريخية لعام 1992 محطة فارقة في خطاب السلطة السياسي، حين أعلن الملك الراحل الحسن الثاني، في خطابه الشهير، تحريم التزوير على نفسه وعلى حكومته، مستلهماً الصيغة البلاغية والرمزية من حديث نبوي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي». وجاء هذا التصريح في سياق سياسي معقد طبعته التحولات الدولية المتسارعة بعد سقوط جدار برلين، والضغط الاشتراكي والديموقراطي الداخلي المتمثل في تحالف أحزاب «الكتلة الديموقراطية»، فضلاً عن التحضير لإصلاحات دستورية وانتخابات تشريعية تهدف إلى ترميم الواجهة السياسية للمملكة.
غير أن الواقع الميداني ظل خاضعاً لآليات الإدارة التربوية والسياسية التي أتقنها إدريس البصري، وزير الداخلية الذي تربع على عرش «أم الوزارات» من نوفمبر/تشرين الثاني 1977 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 1999.
لم يكن الجهاز الإداري يتعامل مع الانتخابات كأداة للتداول الاجتماعي على السلطة، بل كوسيلة لإعادة إنتاج التوازنات التكتيكية التي ترغب فيها السلطة المركزية. وبرغم الوعود بالقطع مع الممارسات القديمة، أثبتت الاستحقاقات المتتالية أن التزوير لم يكن مجرد سلوك فردي لرجال السلطة في الأقاليم، بل كان عقيدة إدارية وصناعة سياسية قائمة بذاتها، هدفها ضبط المخرجات الانتخابية وتفادي أية مفاجأة قد تحرج المركز.
لعنة «الكوكوت مينوت»
إذا كان تاريخ المغرب السياسي قد شهد في ستينيات القرن الماضي «حالة الاستثناء» التي جمدت العمل بالمؤسسات المنتخبة عقب أحداث 23 مارس/آذار 1965 بالدار البيضاء، فإن العودة إلى الحياة البرلمانية في منتصف السبعينيات جاءت عبر ما سُمي بـ«المسلسل الديموقراطي» الذي أطلقه الملك الحسن الثاني عام 1976 بالتزامن مع تطورات ملف الصحراء المغربية.
لم يكن المسلسل الديموقراطي يعني إطلاق حرية التنافس السياسي بقدر ما كان يعني تأسيس ما يمكن وصفه بديموقراطية المراقبة. ومنذ انتخابات 1976 الجماعية وتشريعيات 1977، رسخت وزارة الداخلية أسلوب خلق التنظيمات السياسية من الأعلى لقطع الطريق على المعارضة الوطنية واليسارية:
- جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك)، التي أسسها أحمد رضا كديرة في الستينيات كأول تجربة للهندسة السياسية المباشرة.
- التجمع الوطني للأحرار (1977)، برئاسة أحمد عصمان (صهر الملك الحسن الثاني)، وقاد الحكومة فور تأسيسه بأشهر قليلة.
- امتد النهج عبر تأسيس الحزب الوطني الديموقراطي بزعامة أرسلان الجديدي، وحزب الإصلاح والتنمية برئاسة عبد الرحمان الكوهن.
- الاتحاد الدستوري (1983)، وهو المحطة الأبرز بزعامة المعطي بوعبيد، حيث تصدر الانتخابات وشكل الحكومة في ظروف قياسية، مما أكسبه في الأدبيات السياسية والشعبية لقب «حزب الكوكوت مينوت» (طنجرة الضغط السريعة)، في إشارة إلى الكيانات التي تُصنع في دهاليز السلطة وتُمنح الأغلبية بلا امتداد جماهيري أو رصيد نضالي.
ولم تقف العملية عند حدود الأحزاب الليبرالية أو التكنوقراطية، بل امتدت لتشمل الحقل الإسلامي لاحقاً، حيث تم استغلال أحزاب قائمة كالحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية برئاسة الدكتور عبد الكريم الخطيب، لاستيعاب التيار الإسلامي المشارك وفرض قواعد اللعبة عليه، وهو التنظيم الذي تحول لاحقاً إلى حزب العدالة والتنمية.
المعارضة الوطنية والرهان الاستراتيجي
في المقابل، كانت القوى الوطنية واليسارية: حزب الاستقلال، وحزب التقدم والاشتراكية (الشيوعي سابقاً)، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومنظمة العمل الشعبي الديموقراطي (انصهرت في الحزب الاشتراكي الموحد)، تحاول النضال من داخل المؤسسات برغم شراسة القمع والمطاردة والتضييق التي طالت مناضليها ومرشحيها والمتعاطفين. وتجسد موقف المعارضة التاريخية في مقولة الاشتراكي عبد الرحيم بوعبيد الشهيرة: «المقاعد لا تهمنا».
كان الرهان يكمن في استغلال المنبر البرلماني والمؤسساتي لفضح آليات الاستبداد، ونشر الخطاب الديموقراطي، والتأسيس لاختيار ديموقراطي استراتيجي بديل، حتى وإن ظلت السلطة تتمسك بصناعة الأغلبيات الحاكمة وتوليد النخب الخادمة لمصالحها.
وهو الرهان الذي يواصله اليوم نواب حزب التقدم والاشتراكية إلى جانب نواب الحزب الاشتراكي الموحد وحزب فيدرالية اليسار الديموقراطي. فبعدما كان الحزبان الأخيران ممثلين في البرلمان السابق بنائبتين فقط، الدكتورة نبيلة منيب والأستاذة فاطمة التامني، اللتين اشتهرتا بنشاطهما المكثف في تقديم الأسئلة الكتابية والشفوية بمجلس النواب خلال الولاية الأخيرة المنتهية، استطاع الحزبان، من خلال تنسيقهما في «تحالف اليسار» وفق النتائج الأخيرة، توسيع حسابهما النيابي ليصل إلى ثمانية نواب، في إشارة إلى استمرار جذوة النضال المؤسساتي المتشبث بالخيار الديموقراطي والتحرري من داخل قبة البرلمان.
انكسار المنهجية الديموقراطية
شكّل عام 1998 محطة فارقة بتأسيس حكومة التناوب التوافقي برئاسة زعيم الاتحاد الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي، في تجربة أُريد لها إخراج البلاد من السكتة القلبية التي حذر منها الملك الراحل. غير أن هذه الحكومة أُحيطت بأحزاب اليمين والإدارة لتكبيح أية اندفاعة راديكالية نحو الإصلاح الشامل.
ومع رحيل الملك الحسن الثاني وإجراء انتخابات سبتمبر/أيلول 2002 تحت مظلة دستور 1996، تصدر الاتحاد الاشتراكي النتائج. غير أن القواعد الضمنية للعبة سرعان ما فرضت نفسها، إذ جرى الخروج عما أطلق عليه اليوسفي «المنهجية الديموقراطية» بتعيين الشخصية التقنوقراطية إدريس جطو وزيراً أول بدلاً من التعيين المباشر من الحزب المتصدر. وكان هذا القرار إشارة صريحة إلى أن الصدارة الانتخابية لا تعني بالضرورة الحق في قيادة الجهاز التنفيذي، مما دفع اليوسفي إلى إعلان اعتزاله العمل السياسي، وشعور قواعد الحزب بانتكاسة خيار التناوب.
حسابات الاحتواء
تواصل المسار بنفس الآليات في انتخابات 2007 مع تولي عباس الفاسي الأمانة العامة لحزب الاستقلال. وفي خضم محاولات السلطة لإعادة تنظيم المشهد الحزبي وضبط الفاعلين الصاعدين، بادر فؤاد عالي الهمة في 2009 إلى تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، والذي أُريد له أن يكون حائط صد في وجه المد الإسلامي المتمثل في حزب العدالة والتنمية، واستقطب لأجل ذلك نخباً يسارية سابقة ورجال أعمال وأعياناً.
لكن اندلاع حراك «20 فبراير» عام 2011، في سياق الربيع العربي، أربك هذه الحسابات، مما اضطر السلطة إلى طرح دستور جديد والانفتاح على الاستحقاقات الانتخابية التي أفرزت فوز حزب العدالة والتنمية برئاسة عبد الإله بنكيران.
ورغم تصدر الحزب لانتخابات 2016 مرة أخرى، فعّلت الآلة السياسية ما سُمي بـ«البلوكاج الحكومي» بزعامة عزيز أخنوش ومساندة قيادات حزبية أخرى، من بينها إدريس لشكر عن الاتحاد الاشتراكي.
أسفر الانسداد عن إزاحة بنكيران وتعيين سعد الدين العثماني لقيادة حكومة ضعيفة ومكبلة بالتوازنات، شهدت حقبتها التوقيع على الاتفاق الثلاثي وإعادة العلاقات مع إسرائيل.
ثم اكتملت دورة الضبط السياسي بانهيار دراماتيكي لحزب العدالة والتنمية وهبوطه من 127 مقعداً إلى 13 مقعداً فقط، ليخلفه التحالف الثلاثي المؤلف من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال.
مظاهر الأزمة العميقة
لم يعد أثر صناعة المشهد السياسي يقتصر على الصراع الحزبي الداخلي، بل ألقى بظلاله الثقيلة على التماسك الاجتماعي والتوجيه السياسي العام، منتجاً ظواهر خطيرة تعكس انسداد أفق الوساطة.
تجسدت حالة فقدان الأمل لدى الشباب في أحداث العبور الجماعي نحو مدينة سبتة (محاولات اقتحام آلاف الشباب والقاصرين)، والتي أحدثت زلزالاً دبلوماسياً وسياسياً بين الرباط ومدريد. عكست هذه الواقعة عمق الأزمة الاجتماعية وعجز المؤسسات المنتخبة والمحلية عن احتواء تطلعات الشباب، مما جعل خيار الهرب الفردي بديلاً من الرهان على التغيير الديموقراطي.
كما تتجلى القوة التنفيذية للسلطة في ملفات السياسة السيادية بعيداً عن الرأي العام والمؤسسات التشريعية، وتحديداً في ملف التطبيع مع إسرائيل. ففي الوقت الذي تشهد فيه الساحة الشعبية رفضاً واسعاً ومستقراً والتزاماً بالقضية الفلسطينية، يتفاجأ الرأي العام بمسارات اندماجية أعمق ورفع لمستوى التمثيل الدبلوماسي، مما يعكس حجم الهوة القائمة بين القرار السياسي النافذ ونبض الشارع.
لقد باتت العملية الانتخابية تُدار بآليات تعتمد على النفوذ المالي وشراء الأصوات، مما كرّس الانطباع لدى شرائح واسعة من الشباب والمهنيين بأن الصناديق لا تنتج سلطة تعبر عنهم، وهو ما يفسر الارتفاع اللافت لمعدلات المقاطعة غير المعلنة وتراجع المشاركة الحقيقية.
هشاشة المشروعية
إن القراءة المتأنية للواقع الانتخابي الحديث تظهر تحول آليات الضبط. فإذا كانت أدوات الماضي تعتمد على التدخل المباشر في صناديق الاقتراع ومحاضر الفرز، فإن صناعة التزوير باتت تعتمد على تسييد المال السياسي، واستغلال الحاجة الاقتصادية للفئات الهشة، وتدجين الأحزاب الوطنية.
لقد أدى استنزاف الأحزاب وتفكيك قنوات الوساطة التاريخية إلى إفراغ الحكومات المتعاقبة من الغطاء الشعبي الصلب، لتبدو وكأنها مجرد أجهزة تنفيذية لتصريف الأعمال بدلاً من كونها سلطة نابعة من إرادة شعبية سيدة.
يكشف المسار الانتخابي في المغرب عن معادلة ثابتة، تتجلى في تجديد أشكال الاقتراع وتحديث واجهاته دون المساس بالجوهر المغلق لإدارة اللعبة السياسية. وطالما بقيت الانتخابات أداة لضبط التوازنات بدلاً من أن تكون آلية حقيقية للتداول الديموقراطي ونقل السلطة، فإن أزمة المشروعية وتراجع الثقة في المؤسسات سيبقيان التحدي الأكبر الذي يواجه المستقبل السياسي للبلاد.
المشهد المحلي في المرآة الدولية
لم تعد تفاعلات هذه الأزمة العميقة حبيسة الساحة الوطنية، بل شهدت الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الانتقادات الحادة الموجهة إلى النموذج السياسي المغربي من قبل كبرى وسائل الإعلام الغربية (مثل مجلة «إيكونوميست» اللندنية، وجريدة «لوموند» الفرنسية، والصحف الإسبانية الكبرى مثل El País وEl Mundo). وتلاقت هذه المنصات الدولية في رسم صورة قاتمة للوضع الداخلي خلال سنتي 2025 و2026، معتبرة أن البلاد تعيش «مفارقة صارخة» بين نجاحات دبلوماسية واستثمارات ضخمة في البنية التحتية والاستعداد للمونديال، وبين أزمة ثقة سياسية حادة وفجوة اجتماعية تعمّق اليأس.
سلطت التقارير الإعلامية الدولية الضوء على ما سمته بـ«الوهن السياسي» وتمركز القرار، حيث أشارت المجلة البريطانية إلى أن مراكز القرار الفعلي تنحصر في يد الملك والدائرة المحيطة بالقصر، مما جرّد البرلمان والأحزاب من القدرة على تقديم بدائل حقيقية، وفسّر العزوف الشبابي. واعتبرت أن الأزمات المتتالية كشفت عن شلل في القرار لدى المسؤولين التنفيذيين الذين يظلون في حالة «انتظار دائم» للتعليمات العليا.
وفي الوقت الذي أفردت فيه جريدة «لوموند» الفرنسية مقالات تحليلية وتحقيقات موسعة ركزت على اتساع الفوارق الاجتماعية، وارتفاع بطالة الشباب إلى مستويات قياسية (قرابة الثلث)، وتفاقم الغلاء رغم بعض مؤشرات النمو الماكرو اقتصادي، وجهت الصحيفة أصابع الاتهام إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش ورجال الأعمال المقربين من السلطة، ملمحة إلى شبهات تضارب المصالح والاستفادة شخصياً من أزمات المحروقات، ومشيرة إلى أن المقاربة الأمنية والاعتقالات في صفوف الشباب أدت إلى مقاطعة واعية للعملية السياسية لدى الأجيال الجديدة.
وركزت وسائل الإعلام الإسبانية على توظيف ملف الهجرة غير النظامية وأحداث سبتة كورقة ضغط سياسي، واعتبرت أن المغرب يمارس ضغوطاً لانتزاع اعترافات وسيادة كاملة على ملفاته الإقليمية، مع توجيه انتقادات متزايدة للتضييق على الحريات الصحفية وطرد الأطقم الإعلامية.
خطر كذبة الاستقرار
يبدو للمتتبع الخارجي أن المغرب ينعم باستقرار استثنائي ويشهد تنمية متسارعة، تتجلى مظاهرها البراقة في أوراش البنية التحتية والمشاريع الكبرى، أو في الطفرة الرياضية التي تجسدت في تبوؤ المنتخب الوطني لكرة القدم مراتب متقدمة بين العشرة الأوائل عالمياً. غير أن هذه الصورة الواجهية تخفي خلفها واقعاً مأزوماً مؤلماً، حيث يظل البلد قابضاً على رتب متأخرة في قعر مؤشرات التنمية البشرية، وجودة التعليم، والخدمات الصحية، والحريات الاجتماعية والفردية.
إن هذا التباين الحاد بين البريق الظاهري والهشاشة البنيوية يؤكد أن الواقع الحقيقي يتفاعل ويموج بعيداً عن أضواء الإعلام الرسمي، وراء الستار وتحت السطح، في منطقة ظل لا يمكن التنبؤ الدقيق بما قد تسفر عنه من مخاطر مجتمعية وسياسية.
إن التغاضي عن إفراغ المؤسسات من مضمونها والدفع بالمواطن نحو العزوف واليأس لا يصنع استقراراً دائماً، بل يراكم الاحتقانات صامتة… والخوف كل الخوف من زلزال مجتمعي وسياسي مدمر، بدأت إنذاراته الارتدادية تلوح في الأفق لمن ألقى السمع وهو شهيد.
إن «المسلسل الديموقراطي» في المغرب لا شك أنه مسلسل طويل، بل أطول من المسلسلات التلفزيونية الأميركية والتركية، ولا يلتقي معها إلا في التسمية، فجميعها في النهاية… صناعة درامية… وسيناريوهات لمسلسلات طويلة.. ولكن مملة!
