ولهذا، فإن الحديث العام عن «رأس مال السوريين في الخارج» قد يكون مضللاً. وينبغي التمييز بين أربعة أنماط: تحويلات الأسر، العمل الجماعي المنظم، الاستثمار الريادي المباشر، ثم رأس المال المرتبط بسياسات دولة الإقامة وشركاتها. ولكل من هذه الأنماط منطقه وأثره المختلفان في عملية التعافي.
في هذا السياق، ما زالت التحويلات الأسرية (remittances) أوسع أشكال مساهمة السوريين في الخارج. وهذه ليست تفصيلاً صغيراً؛ فهي، بالنسبة إلى ملايين الأسر، مصدر لتأمين الحد الأدنى من الغذاء والإيجار والصحة والتعليم وإصلاح المسكن. وكانت هذه التحويلات قد قُدّرت رسمياً بنحو 3.7 مليارات دولار عام 2023، بينما تكشف الفجوة بين الأرقام الرسمية وتقديرات التحويلات غير الرسمية عن حجم أكبر من ذلك بكثير، حتى قبل سقوط النظام السابق. ويُضاف إلى ذلك أن إجماليها ازداد بشكل كبير بعد السقوط، لتصبح هذه التحويلات أحد الروافد الأساسية لمعيشة السوريين، ولا سيما الفئات الأكثر فقراً وهشاشة، فضلاً عن دورها في تحريك النشاط الاقتصادي داخل البلاد.
لكن الالتباس يبدأ حين يُنظر إلى هذه الأموال وكأنها مدخرات جاهزة لتمويل المشاريع والمصانع. فالأسرة التي تنفق التحويل على الغذاء أو إصلاح منزلها لا «تهدر» المال، بل تؤدي وظيفة اقتصادية واجتماعية أساسية. إنها، قبل كل شيء، أموال بقاء، وخصوصاً في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة. ولا يمكن تحويل جزء معتبر من هذه التحويلات، من الاستهلاك والاستيراد إلى الاستثمار، إلا عبر استعادة الثقة بالمصارف، وهي ثقة قوّضتها السياسات النقدية خلال ما يقرب من السنتين الأخيرتين اللتين تلتا سقوط النظام السابق.
وهنا يظهر أحد أكبر عوائق التعافي: أضحى الاقتصاد السوري، إلى حد بعيد، اقتصاداً نقدياً (cash economy)، برغم ظهور وسائل إلكترونية مثل منصة «شام كاش». فهو يعتمد على الحوالات وشركات الصرافة، وكذلك على محافظ رقمية لا تساهم، بحد ذاتها، في خلق منظومة للائتمان والإقراض. فإذا دخل المال عبر تطبيق ثم سُحب فوراً نقداً، أصبح التحويل أسرع، لكنه لا يتحول إلى وديعة يستطيع مصرف من خلالها تمويل مصنع أو مشروع سكني أو مؤسسة صغيرة.
ويرتبط نمط آخر من مساهمة «المهجر السوري» بالشبكات الجماعية، سواء أكانت متجسدة في منظمات غير حكومية (NGOs) أم في شبكات اجتماعية ومناطقية. وفي هذا المجال تبرز مفارقات مناطقية كبيرة، مثلاً بين حمص وحماة.
فقد شهدت حمص حروباً طاحنة، وتقديرات الدمار فيها أكبر بكثير من تلك المسجلة في حماة. إلا أنه، عندما انطلقت حملات التبرع للتعافي والمساهمة في الإعمار، أُعلن عن تعهدات من سوريي «المهجر» بنحو 13 مليون دولار لـ«أربعاء حمص»، مقابل 210 ملايين دولار في حملة «فداءً لحماة». وبمعزل عن مدى تحول هذه التعهدات إلى مدفوعات فعلية وعن سبل إنفاقها، فإن هذه الفجوة تستحق التفسير، خصوصاً أن التعافي في مدينة حماة ــ دون ريفها ــ يبدو أسرع منه في حمص.
ويمكن أن يكمن التفسير في كثافة الشبكات الاجتماعية في حماة وفي مستوى تنظيمها. فقد أنتج المنفى السياسي القديم لأبناء حماة، منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، روابط عائلية ودينية ومهنية وتجارية استمرت لعقود، وخصوصاً في الخليج والولايات المتحدة. وقد اكتسبت هذه الشبكات، التي تشكلت تاريخياً، قدرة عالية على جمع الموارد وتنظيمها، في حين كانت موجات هجرة أبناء حمص أحدث وأكثر تشتتاً.
وهنا تكمن مشكلة وطنية أساسية: إذا تُرك التعافي لقدرة كل مدينة على تعبئة أبنائها في الخارج، أو لما راكمته من دعم وشبكات خلال سنوات الصراع، فسوف تتعافى المدن ذات الشبكات الأكثر تنظيماً وثراءً، والتي راكمت دعماً أكبر من منظمات غير حكومية ممولة من الخارج، بوتيرة أسرع من المدن الأكثر حاجة. لذلك، لا بد من آليات وطنية تحقق توازناً بين قدرة المجتمع المحلي على جمع المال وبين حجم الاحتياجات الاجتماعية والدمار الفعلي. كما أن بعض هذه المنظمات الممولة خارجياً باتت تؤدي بعض أدوار الدولة، محلياً أو وطنياً.
أما النمط الثالث، فهو الاستثمار الحقيقي: مصنع، شركة، مزرعة، خدمة تكنولوجية، أو مشروع لوجستي. وهنا تختلف الحسابات جذرياً. فالصناعي الحلبي الذي غادر سوريا وأقام مصنعاً ناجحاً في مصر أو تركيا لا يكفي أن يُطلب منه «العودة إلى الوطن». فقد راكم خلال سنوات منظومة اقتصادية كاملة حوله: عمالاً، وموردين، وعلاقات مصرفية، وأسواقاً، وتراخيص. والعودة الكاملة تعني، بالنسبة إليه، التخلي عن جزء من أصل اقتصادي قائم. لذلك قد تكون العودة الجزئية أكثر واقعية: خط إنتاج في سوريا، أو تخزين، أو شراكة، أو تعهيد، أو توزيع للوظائف بين بلدين.
وهنا تبدو أيضاً مفارقات واضحة. فجزء ملحوظ من صناعيي حلب في الخارج ما زال حذراً، ينتظر كهرباء مستقرة، ومنظومة ائتمان، وجمارك واضحة، وشبكات نقل، وقنوات تصدير؛ ومن دونها ستبقى التجارة أكثر جاذبية من الصناعة. في المقابل، تتحرك شبكات أعمال سورية صناعية أحدث عهداً في تركيا بصورة أسرع، لأنها تعمل أصلاً داخل اقتصاد حدودي يربط جنوب تركيا بشمال سوريا. وليست ميزتها «الوطنية» هي الأكبر، بل اندماجها في الاقتصاد التركي.
إلا أن أكثر الحالات التباساً هي حالة رجال الأعمال من أصل سوري الذين أصبحوا جزءاً من اقتصادات دول أخرى. هنا يصعب وصف الاستثمار بأنه مجرد «رأس مال سوري عائد». فشركة قطرية يقودها رجال أعمال من أصل سوري، وتمولها مصارف خليجية ودولية، وتدعمها بيئة وضمانات سياسية قطرية، هي استثمار قطري بالدرجة الأولى، حتى لو كان أصحابها من أصول سورية ويملكون روابط عائلية في البلاد. والأمر نفسه ينطبق على استثمارات رجال أعمال من أصول سورية في دول أخرى.
بالطبع، قد يكون هذا النوع من رأس المال مهماً جداً لسوريا، لكنه يحمل معه أيضاً مصالح دولة الإقامة: أمنها الغذائي، وشبكات الموانئ والتجارة، وممرات الطاقة والاتصالات، أو النفوذ الإقليمي. وهنا ينبغي ألا يكون السؤال عن حجم الاستثمارات المعلنة فحسب، بل أيضاً: كيف مُنح الامتياز؟ وأين تذهب القيمة المضافة المتولدة والأرباح؟ وما العائد الحقيقي على معيشة السوريين؟ وإلى أي حد يمكن وصف هذا المستثمر بأنه «سوري» اقتصادياً؟ وإلى أي حد يمثل اقتصاد دولة أخرى ومصالحها؟ وهل تنوّع الدولة روابطها الاقتصادية مع الخارج بين دول متعددة؟
وفي الواقع، يحتاج التعافي إلى سياسة دولة، لا إلى الحنين وحده. فالحنين إلى الوطن يمكن أن يدفع السوري إلى زيارة بلده، أو التبرع لمدينته، أو افتتاح وكالة تجارية، لكن ذلك لا يكفي لبناء اقتصاد. ولن يحدث التعافي الحقيقي إذا بقيت الأموال موزعة بين تحويلات أسرية نقدية، وحملات تبرع مناطقية، وصفقات ضخمة تفتقر إلى الشفافية.
والتحدي الحقيقي هو تحويل تعدد السوريين في المهجر من عامل تفاوت داخل البلاد إلى مصدر قوة لها: عبر حماية التحويلات الأسرية، وتنظيم عمل المنظمات غير الحكومية بشفافية، وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإعادة تنشيط القطاع المصرفي، الذي يُعد صموده النسبي خلال سنوات الصراع استثنائياً في المنطقة، وكذلك عبر وضع قواعد واضحة للاستثمارات الكبرى المرتبطة بالدول الأجنبية، وتنويع مصادرها وشركائها.
وبالتالي، ليس السؤال فقط: كم يملك السوريون في المهجر؟ بل: ما شكل انخراطهم في تعافي سوريا وفي معيشة السوريين؟ وبأي أدوات؟ وبأي علاقات مع الدول التي يعيشون فيها؟ وإلى أي مناطق وقطاعات تتجه مواردهم؟ عندها فقط يمكن لموارد السوريين في المهجر أن تصبح قوة فعلية للتعافي الوطني، لا مجرد انعكاس جديد للتفاوتات القديمة بين المدن والمناطق والشبكات، أو ساحة للتنافس الخارجي على النفوذ.
وهنا يبرز الدور الحاسم للدولة، إذ إنه، من دون دورها التنظيمي والتوازني، قد يتحول تعدد مصادر التمويل من فرصة للتعافي إلى عامل جديد لانعدام المساواة والتبعية الخارجية.
