مراجعات محسن إبراهيم.. استعادة حق السؤال

في صيف العام 1993، بدا أن العالم قد حسم معركته الكبرى. انهار جدار برلين عام 1989، وتفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، وخرجت الرأسمالية الليبرالية من نهاية الحرب الباردة وهي ترتدي ثوب المنتصر النهائي. في تلك اللحظة، كان الحديث عن «نهاية التاريخ» أكثر من أطروحة فكرية؛ كان مزاجًا عالميًا يعلن أن البديل الاشتراكي قد أُغلق إلى الأبد، وأن السوق، مهما كانت كلفته الاجتماعية، هو الطريق الوحيد لتنظيم الاقتصاد والسياسة والمجتمع.

في ذلك المناخ، اختار الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان محسن إبراهيم أن يفعل العكس تمامًا: أن يفتح النقاش بدلًا من أن يعلن نهايته. لم يتعامل مع انهيار النموذج السوفياتي بوصفه حادثًا عابرًا، ولم يكتفِ بالدفاع عن الاشتراكية دفاعًا عاطفيًا، بل ذهب إلى قلب المسألة: ماذا أخفقت فيه الاشتراكية؟ وما الذي أخطأت الماركسية في فهمه أو توقّعه؟ وهل يعني سقوط نموذج تاريخي بعينه أن الرأسمالية خرجت من دائرة الأزمة والتناقض؟

هذه الأسئلة هي المدخل الحقيقي إلى كتاب «محسن إبراهيم: مراجعات نقدية حول الاشتراكية وأزمة الرأسمالية»، الصادر حديثًا عن دار سائر المشرق، والذي جمع نصوصًا فكرية وسياسية تعود إلى عام 1993، وألحق بها كاتب هذا النص قسمًا تحريريًا محدّثًا يمتد بالتحليل إلى عام 2026. والكتاب، بهذا المعنى، ليس وثيقة أرشيفية عن لحظة لبنانية أو عربية فحسب، بل محاولة لإعادة اختبار الأفكار في ضوء مسار ثلاثة عقود من التحولات: صعود النيوليبرالية، والأزمة المالية العالمية، واقتصاد المنصات، والعمل الخوارزمي، وجائحة كورونا، وأزمة المناخ، والحروب التي أعادت إلى الواجهة سؤال الدولة والنظام العالمي.

لا يرفض محسن إبراهيم الماركسية كليًا، لكنه يرفض التعامل معها كنص مكتمل أو كعلم مطلق. فهو يراها محاولة كبرى لفهم الاقتصاد الرأسمالي، والطبقات، والصراع الاجتماعي، وتحولات العمل والإنتاج. غير أن قيمة هذه المحاولة لا تعني إعفاءها من النقد، ولا تعني أن كل استنتاجاتها التاريخية والسياسية ما زالت صالحة بالصيغة نفسها. وفي هذا التمييز تحديدًا يطرح الكتاب واحدة من أهم دعواته: تحرير الماركسية من الجمود العقائدي كي تستعيد قدرتها على الفهم.

مراجعة من داخل التجربة

تكمن خصوصية الكتاب في أن نقده للاشتراكية يصدر من داخل تجربة سياسية وفكرية ماركسية عربية عاشت أسئلتها وتناقضاتها. فالنصوص الأولى صيغت في سياق المراجعة النقدية التي خاضتها منظمة العمل الشيوعي في لبنان بعد انسحابها من الحرب الأهلية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وفي سياق إعادة تأسيس هويتها وبرنامجها. لذلك لا يقرأ محسن إبراهيم أزمة الاشتراكية كخصم أيديولوجي يشمت بانهيارها، ولا كمدافع حزبي يسعى إلى تبرئة تاريخها، بل باعتبارها أزمة مشروع كان يطمح إلى تحرير الإنسان، لكنه حمل في بنيته النظرية والسياسية عناصر قصور لا يمكن تجاهلها.

ومن هنا تأتي جرأة القسم الأول من الكتاب. فالنقد لا يتوقف عند الستالينية أو البيروقراطية السوفياتية أو أخطاء التطبيق، بل يطال الماركسية نفسها: منهجًا، ومقولات، وتصورًا للمجتمع والسياسة والتاريخ. وهذه النقلة مهمة؛ لأنها ترفض التفسير السهل الذي يحمّل «التطبيق» وحده مسؤولية الفشل، وكأن النظرية بقيت سليمة تمامًا، ولم يكن فيها ما يستدعي المراجعة.

يناقش الكتاب، على نحو خاص، النزعة الحتمية التي افترضت أن التاريخ يتحرك وفق قوانين مضمونة باتجاه الاشتراكية، وأن التناقضات الرأسمالية ستقود بصورة شبه تلقائية إلى تجاوز النظام. فالواقع، كما يذكّرنا النص، لم يثبت أن الأزمات تنتج بالضرورة بديلًا تقدميًا. قد تفتح الأزمة مجالًا للتحرر، لكنها قد تنتج أيضًا الاستبداد أو الحرب أو الشعبوية أو إعادة بناء النظام القديم بأشكال جديدة. لا يكفي أن يكون النظام الرأسمالي متناقضًا كي يسقط، ولا يكفي أن تكون الاشتراكية مرغوبة أخلاقيًا كي تنتصر.

مشكلة الدولة والحرية

يفتح الكتاب بابًا بالغ الحساسية حين يناقش التوتر بين النظرية الاقتصادية الماركسية والنظرية السياسية المرتبطة بها. فمن جهة، تذهب التصورات الاقتصادية إلى مركزية التخطيط وتوجيه الإنتاج من خلال جهاز واسع الإشراف. ومن جهة أخرى، تتحدث النظرية السياسية عن اضمحلال الدولة وانطفاء السياسة بعد زوال الطبقات والملكية الخاصة.

والسؤال الذي يطرحه النص هنا ليس تقنيًا فقط: كيف يمكن لدولة أن تمنح نفسها صلاحيات واسعة لإعادة تنظيم الاقتصاد والمجتمع، ثم يُفترض أن تتراجع تلقائيًا وتختفي؟ وكيف يمكن تصور مجتمع متجانس تتلاشى فيه الاختلافات والمصالح المتعارضة؟ إن السياسة لا تنشأ من الملكية وحدها؛ فالبشر يختلفون في رؤاهم وقيمهم وأولوياتهم، حتى عندما لا يكون الخلاف متعلقًا بالملكية المباشرة.

وتكمن أهمية هذا النقد في أنه يضع الديموقراطية في قلب أي مشروع اشتراكي مستقبلي. فالعدالة الاجتماعية لا تستقيم من دون حرية سياسية، والمساواة لا تعني توحيد المجتمع قسرًا، وإلغاء الاستغلال لا يبرر إلغاء التعدد أو احتكار الحقيقة. وإذا كانت التجربة التاريخية قد أظهرت أن الدولة يمكن أن تتحول إلى بيروقراطية منفصلة عن المجتمع، فإن الدرس الأهم هو أن الرقابة الشعبية، وتداول السلطة، وتعدد الآراء ليست تفاصيل ليبرالية زائدة، بل شروط لحماية أي مشروع تحرري من الانحراف إلى الوصاية.

لا تنتهي الرأسمالية بانتصارها

إذا كان القسم الأول يفكك أوهام البيت الاشتراكي، فإن القسم الثاني من الكتاب يرفض الوهم المقابل: أن الرأسمالية خرجت من التاريخ منتصرة بلا حدود. هنا ينتقل الكتاب إلى مفاهيم رأس المال، وفائض القيمة، وتنظيم العمل، والأزمات البنيوية، ودور الدولة، وتدويل رأس المال.

لا يعرض محسن إبراهيم الرأسمالية كآلة ثابتة، بل كنظام يواجه أزماته عبر إعادة تنظيم نفسه. كل أزمة تدفعه إلى البحث عن أدوات جديدة لاستعادة الربح والسيطرة: الاحتكار، والتوسع الإمبريالي، وإعادة تنظيم العمل، وتدخل الدولة، ثم العولمة والنيوليبرالية. لذلك لا يعني استمرار الرأسمالية أنها تجاوزت تناقضاتها؛ بل قد يعني أنها نجحت في نقل الأزمة من مجال إلى آخر، أو في تحميل كلفتها لفئات ومناطق أوسع.

ويكتسب تحليل تنظيم العمل أهمية خاصة في الكتاب. فالتيلورية، التي قسمت العمل إلى حركات محسوبة بالكرونومتر، والفوردية، التي جعلت العامل جزءًا من سلسلة إنتاج واسعة، لا تظهران بوصفهما تطورين تقنيين محايدين، بل أيضًا طريقتين لإعادة ترتيب القوة داخل مكان العمل، وانتزاع المعرفة من المنتج، وزيادة السيطرة على وقت العامل وإنتاجيته. التقنية هنا ليست خارج السياسة؛ فهي تحمل، في تصميمها واستخدامها، علاقات اجتماعية وطبقية.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الانتقال المعاصر من العامل الصناعي إلى العامل الخوارزمي. فالعامل الذي تديره منصة رقمية قد لا يرى مديرًا مباشرًا، لكن الخوارزمية تحدد إيقاعه، وتقيس أداءه، وتوزع المهام، وتمنحه العمل أو تحجبه عنه. يختلف الشكل، لكن سؤال السيطرة على العمل والمعرفة والزمن لا يختفي؛ بل قد يصبح أكثر خفاءً وأشد التصاقًا بالحياة اليومية.

إقرأ على موقع 180  للكهرباء حلولها.. هل تُريدون لبنان موحداً؟

النيوليبرالية تأجيل للأزمة

يقدم الكتاب النيوليبرالية بوصفها استجابة لأزمة الرأسمالية، لا بوصفها مجرد مذهب اقتصادي محايد. فقد جاءت سياسات الخصخصة، وتحرير الأسواق، وإضعاف النقابات، وتقليص دور الدولة الاجتماعي، في سياق بحث رأس المال عن مخارج من تراجع الربحية وتصلب النموذج السابق.

نجحت النيوليبرالية في تحقيق مكاسب مهمة لرأس المال، ولا سيما عبر توسيع المجال المالي وتحرير حركة الأموال والعمل والأسواق. لكنها لم تحل التناقضات الأساسية. لقد نقلت جزءًا كبيرًا من المخاطر إلى المجتمع، ووسعت الفوارق، وأضعفت أدوات الحماية العامة، وربطت مصائر دول وملايين الناس بحركة الأسواق المالية والشركات العابرة للحدود.

ثم جاءت أزمة 2008 لتكشف حدود الرواية التي جعلت السوق مرجعًا نهائيًا للعقلانية. فحين انهارت المؤسسات المالية، عادت الدولة بسرعة لإنقاذ النظام، بينما بقيت كلفة الانهيار موزعة على العمال وأصحاب المساكن والمدخرين. وفي جائحة كورونا ظهر التناقض نفسه بصورة أوضح: فالمجتمعات تحتاج إلى الدولة في الصحة والغذاء والحماية والعمل، بينما كانت عقود من النيوليبرالية قد أضعفت قدرات الدولة العامة ودفعت قطاعات حيوية إلى منطق الربح.

لا يزعم الكتاب أن كل تدخل للدولة تقدمي، ولا أن الدولة بديل جاهز من السوق. لكنه يوضح أن سؤال الدولة لا يمكن حسمه بالشعارات. المطلوب هو معرفة أي دولة، ولأي وظيفة، وتحت أي رقابة اجتماعية، وبأي علاقة مع الديمقراطية والعدالة. فالدولة التي تنقذ المصارف من دون حماية الناس ليست دولة اجتماعية، والدولة التي تحتكر القرار باسم الشعب ليست بالضرورة دولة شعبية.

من 1993 إلى 2026

يمنح القسم الثالث للكتاب مادته الأكثر راهنية، لكنه ليس نصًا جديدًا كتبه محسن إبراهيم. فبحسب مقدمته وبنيته الداخلية، هو من تحرير كاتب هذا النص الذي يستعيد تحليل محسن إبراهيم لعام 1993 ويضعه في حوار مع وقائع العقود اللاحقة. لذلك ينبغي قراءة هذا القسم بوصفه تأويلًا وتحديثًا وتوسيعًا لرؤى محسن إبراهيم، لا بوصفه شهادة مباشرة منه على أحداث وقعت بعد زمنه.

يعود هذا القسم إلى أسئلة محسن إبراهيم، ثم يختبر صلاحيتها التفسيرية في عالم لم يعد يشبه عالم ما بعد الحرب الباردة. فالشركات الكبرى لم تعد تبيع السلع فقط؛ بل تدير البنية الأساسية للاتصال والمعرفة والعمل. ولم تعد البيانات مادة ثانوية، بل أصبحت موردًا استراتيجيًا تتنافس عليه القوى الاقتصادية والسياسية. يتناول هذا القسم اقتصاد المنصات والذكاء الإصطناعي وأزمة المناخ والحروب والأزمات الجيوسياسية التي أعادت رسم خريطة العالم..  وصولاً إلى الإستنتاج القائل بأن الرأسمالية المعاصرة لا تعيش أزمة واحدة؛ بل تنتج أزمات متزامنة ومتداخلة.

ربما تكون فضيلة الكتاب الأساسية أنه لا يدعي امتلاك الخلاص. فهو لا يستبدل يقينًا اشتراكيًا قديمًا بيقين رأسمالي جديد، ولا يقترح نظرية شاملة تغلق باب الأسئلة. إنه يطلب من القارئ أن يرفض فكرتين مريحتين وخطيرتين في آن: أن التاريخ حسم أمره نهائيًا، وأن انهيار البديل القديم يعني قبول العالم كما هو.

وهذه الميزة تجعل الكتاب مناسبًا للحظة عربية ولبنانية تحتاج إلى مراجعة عميقة. فالمنطقة تعاني، في آن واحد، من اقتصاد ريعي أو هش، ومن تراجع الخدمات العامة، والبطالة والهجرة، وضعف التنظيمات السياسية والنقابية، وصعود خطاب يختزل كل أزمة في مؤامرة أو فساد أفراد. وفي مثل هذا السياق، لا تكفي العودة إلى قاموس اليسار القديم، كما لا تكفي استعارة قاموس السوق. المطلوب إعادة بناء لغة سياسية تربط الحرية بالعدالة، والديمقراطية بالحقوق الاجتماعية، والتنمية بحماية الطبيعة، والتحرر الوطني بالقدرة على التحكم في الموارد والعمل والمعرفة.

ولا يخلو الكتاب، بطبيعة الحال، من أسئلة نقدية. فامتداد التحليل إلى عام 2026 يفتح مجالات واسعة تحتاج إلى مزيد من التوثيق والمقارنة، كما أن الانتقال من نقد الرأسمالية إلى تصور البديل يظل أقل تفصيلًا من تشخيص الأزمة. لكن هذه ليست ثغرة تلغي قيمته، بل هي جزء من طبيعة الكتاب نفسه. إنه يعلن أنه بداية نقاش، لا خاتمة مذهب.

استعادة حق السؤال

لا يعود كتاب محسن إبراهيم مهمًا لأنه يدافع عن الاشتراكية، ولا لأنه ينتقد الرأسمالية؛ فهذه المواقف وحدها لا تكفي لتمييز كتاب عن آخر. أهميته أنه يطالب اليسار بأن يبدأ من النقد الذاتي، ويطالب خصوم اليسار بأن يتوقفوا عن تحويل انتصارهم التاريخي إلى عقيدة مغلقة. وهو يضعنا أمام حقيقة بسيطة لكنها حاسمة: فشل نموذج سياسي لا يثبت صلاحية النظام المنافس، كما أن ظلم النظام القائم لا يبرر إعادة إنتاج أخطاء البديل القديم.

في عام 1993، كان السؤال: هل انتهى التاريخ؟ وبعد ثلاثة عقود، يبدو أن السؤال الأدق هو: أي تاريخ نريد أن نصنع؟ إن عالمًا قادرًا على إنتاج ثروة هائلة، لكنه يعجز عن ضمان السكن والعمل والصحة والغذاء؛ وعالمًا يملك أدوات تقنية غير مسبوقة، لكنه يترك ملايين البشر في العزلة والخوف؛ وعالمًا يعرف أخطار المناخ، لكنه يؤجل مواجهتها حفاظًا على الأرباح، لا يستطيع أن يعلن انتصاره النهائي.

لكن الاعتراف بأزمة الرأسمالية لا يعني انتظار انهيار تلقائي أو خلاص مضمون. فالتغيير لا تضمنه قوانين التاريخ وحدها، بل تصنعه المجتمعات حين تنظم مصالحها، وتوسع ديموقراطيتها، وتبتكر مؤسساتها. ومن هنا تبقى الرسالة الأهم للكتاب: لا تورثوا الأوهام القديمة، ولا تستسلموا لليأس الجديد. افتحوا النقاش من جديد، لأن العدالة والحرية والعمل والطبيعة ليست قضايا من الماضي، بل شروط المستقبل.

«مراجعات نقدية حول الاشتراكية وأزمة الرأسمالية» ليس كتاب نهاية، بل كتاب استئناف: استئناف التفكير في ما بعد سقوط اليقينيات، واستئناف البحث عن بديل لا يكرر أخطاء الماضي ولا يقبل ظلم الحاضر باعتباره قدرًا نهائيًا.

(*) كتاب «محسن إبراهيم: مراجعات نقدية حول الاشتراكية وأزمة الرأسمالية»، تحرير وتحديث د. سعيد عيسى، 1993–2026، صادر عن دار سائر المشرق (2026).

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

كاتب وباحث لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  هل يدفع لبنان فاتورة "حرب الجناحين" في واشنطن؟