سهّل توافر مصادر الطاقة الرخيصة بكميات كبيرة جاذبية فكرة بناء مراكز البيانات الضخمة، كما منح صغر عدد السكان نسبيًا بعض دول الخليج فرصة أوسع لتبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أملًا في رفع مستوى الأداء الاقتصادي والرقمي والاستثمار في رأس المال البشري المحلي. كذلك أولت هذه الدول اهتمامًا بما يمكن أن يعنيه ذلك لقوتها الناعمة إقليميًا وعالميًا، مع توقعات بأن يدفعها الاستثمار التكنولوجي إلى مصاف الدول الرائدة في هذه التكنولوجيا الحديثة والاستراتيجية في آن.
وبرزت الرياض وأبوظبي والدوحة، أكثر من غيرها من عواصم الخليج، في ضخامة استثماراتها المباشرة وغير المباشرة في المستقبل الرقمي. وعُقدت شراكات عديدة مع كبرى الشركات المطوّرة للذكاء الاصطناعي، مثل OpenAI وNvidia وAmazon وOracle وCisco. كما ضخت صناديق الاستثمار الخليجية أكثر من تريليون دولار، سواء في صورة استثمارات مباشرة في كبرى الشركات التكنولوجية أو في تأسيس بنية تحتية محلية ضخمة. وتأمل النخب الخليجية أن يصبح الخليج ثالث أهم مركز عالمي للذكاء الاصطناعي بعد الولايات المتحدة والصين.
***
مع اندلاع الحرب الأميركية ــ الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، وجدت دول الخليج العربية نفسها عرضة لهجمات إيرانية. وبعد سبعة أشهر من القتال، ومع الاضطراب الكبير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وتصاعد التوتر أخيرًا مع فتح الحوثيين جبهة جديدة ضد المملكة العربية السعودية وسيطرتهم على مضيق باب المندب، باتت دول الخليج تواجه أسئلة صعبة وجديدة تتعلق بتموضعها الاستراتيجي، وشبكة تحالفاتها العسكرية، وعقيدتها الأمنية.
وفي الوقت نفسه، لم يقتصر دور الذكاء الاصطناعي في الحرب الأميركية على إيران على استخدام تطبيقاته في ساحة القتال. وتشير تقديرات أميركية إلى استهداف أكثر من 13 ألف هدف داخل إيران خلال أول 38 يومًا فقط من القتال، وهو رقم يجعل من الصعب، في نظر خبراء عسكريين، تصور تنسيق هذا الحجم من العمليات من دون مساعدة آلية واسعة، من بينها تطبيقات ونماذج للذكاء الاصطناعي.
وبعد يومين فقط من بدء القتال، استهدفت طائرات مسيّرة إيرانية منشآت تابعة لمراكز بيانات شركة أمازون في الإمارات والبحرين، بعدما اعتبرت طهران هذه المراكز امتدادًا للقوة العسكرية الأميركية. وقبل أيام، أقرت خدمة AWS السحابية التابعة لأمازون بأن بعض بيانات العملاء المخزنة في منشآتها في البحرين والإمارات فُقدت بصورة دائمة. وردّت الولايات المتحدة بقصف مركز بيانات إيراني.
وتكتسب هذه الهجمات أهميتها لأنها تكشف انتقال مراكز البيانات من كونها منشآت مدنية وتقنية إلى أصول يمكن التعامل معها بوصفها جزءًا من البنية التحتية الاستراتيجية، بعد أن ظل التهديد المرتبط بها، لسنوات، محصورًا إلى حد كبير في الهجمات السيبرانية.
ومع وجود ما لا يقل عن 233 مركز بيانات في دول الخليج، أكدت الحرب الجارية مدى ارتباط المنطقة جغرافيًا بسلسلة توريد الذكاء الاصطناعي العالمية. فقطر، على سبيل المثال، تنتج أكثر من ثلث الهيليوم في العالم، وهو عنصر مهم في صناعة أشباه الموصلات، وقد أدى الاضطراب في صادراته إلى ضغوط على عمليات تصنيع الرقائق التي تمثل العمود الفقري للبنية التكنولوجية الحديثة.
***
يمر الشرق الأوسط بلحظة فارقة وغير متوقعة، يتلاشى فيها نظام قديم بينما لم يتشكل النظام الجديد بعد. ولا يعرف أحد طبيعة الشرق الأوسط الذي سيكون قائمًا بعد عام، ولا كيف ومتى ستنتهي الحرب مع إيران. لكن من المرجح أن تُعامل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مستقبلًا بوصفها جزءًا من بنية الأمن القومي في دول الخليج، وأن يتسع اللجوء إلى تطبيقاته لدعم المنظومات العسكرية الدفاعية والهجومية، بما في ذلك الدفاعات الجوية والمنظومات المتكاملة المضادة للطائرات المسيّرة.
لكن الذكاء الاصطناعي وحده لن يوفر الأمن للدول المتقدمة فيه. وسيظل أمن المنطقة مرتبطًا بالجغرافيا، وبإدارة مضيق هرمز، وبالممرات البحرية، وبالقدرة على حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية. ولن يمنح امتلاك البيانات والحوسبة والخوارزميات دول الخليج، في حد ذاته، قدرة تلقائية على الهيمنة الإقليمية. فقد أظهرت الحرب أن التفوق الرقمي لا يعوّض، وحده، عناصر القوة التقليدية والجغرافية.
***
في عام 2018، أصدر المفكر الإماراتي عبدالله عبدالخالق كتابًا بعنوان «لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر»، جادل فيه بأن مركز الثقل الأساسي في المنطقة العربية أخذ ينتقل من مراكزه التاريخية، كالقاهرة وبغداد ودمشق، إلى دول الخليج العربي، بحيث تصبح الرياض وأبوظبي والدوحة مراكز أكثر تأثيرًا في رسم المسارات الإقليمية. واستند الكاتب إلى القدرات المالية والاقتصادية الخليجية، وإلى قدرة النخب الخليجية على ترجمة هذه الموارد إلى نفوذ في المجالات السياسية والدفاعية والثقافية.
وتزامن هذا الطرح مع توسع الاستثمارات الخليجية في الذكاء الاصطناعي، واتساع الفجوة الرقمية بين دول الخليج، بما تملكه من رأس مال وطاقة، وبين دول عربية هشة مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، وأخرى أكثر استقرارًا مثل مصر ودول المغرب العربي. وعلى هذا الأساس، رأى كثير من الخبراء العرب والغربيين أننا نقترب بالفعل من «لحظة الخليج».
غير أن الحرب مع إيران، والهجمات التي طالت مدنًا ومنشآت خليجية، وهجمات الحوثيين على السعودية، وقبلها على الإمارات قبل سنوات، أعادت طرح أسئلة صعبة حول كفاءة البنية الدفاعية الخليجية، حتى في ظل المظلة الأمنية الأميركية التي عُدّت طويلًا عنصر ردع أساسيًا.
وهنا تكمن المفارقة التي يعيد الواقع الحالي فتحها: فالتقدم الاقتصادي والتكنولوجي يستطيع أن يمنح دول الخليج نفوذًا واسعًا، لكنه لا يحل تلقائيًا معضلة الأمن. كما أن امتلاك رأس المال والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات لا يلغي أثر الجغرافيا ولا الحاجة إلى قدرة عسكرية وسياسية قادرة على حماية هذه المكتسبات.
ومن هذه الزاوية، لا تُسقط تطورات الأشهر الأخيرة بالضرورة فكرة «لحظة الخليج»، لكنها تجعل تحققها أكثر تعقيدًا، وربما تؤجله أو تعيد تعريف شروطه. فالدولة التي تطمح إلى قيادة إقليم مثقل بالأزمات والفجوات والتاريخ المشترك لا تحتاج إلى التفوق الاقتصادي والتكنولوجي وحده؛ بل إلى منظومة أمنية وسياسية قادرة على حماية مجالها، وصون بنيتها التحتية، وتحويل مواردها إلى قوة استراتيجية قابلة للاستمرار.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
