من غزو العراق إلى “اليونيفيل”.. إنه السلاح

سعت واشنطن مزهوة بغزوها للعراق عام 2003 إلى تعميم نموذجه ما بعد الإحتلال على الساحتين اللبنانية والسورية، من خلال المخطط الخبيث الذي بدأ التمهيد له بزيارة وزير خارجيتها كولين باول إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد، وطرحه سلة المطالب الأميركية المعروفة في حينها، فكان رفض دمشق فاتحة مرحلة إقليمية جديدة.

مّرت أحداث كثيرة منذ العام 2003 حتى يومنا هذا، من القرار 1559 وإغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى أحداث لبنان 2019 المستمرة بتداعياتها حتى يومنا هذا، مروراً بالعديد من الأحداث الإقليمية وأبرزها حرب تموز 2006 وإندلاع الأزمة السورية وتفريخ دويلة “داعش” وانفجار مرفأ بيروت في صيف العام 2020.. لكن ظل الهدف واحداً: سلاح المقاومة في لبنان وقطع الشريان الحيوي من طهران إلى بيروت مروراً بالعراق وسوريا، وهذا ما يُفسر الكثير من الأحداث التي جرت وتجري على مدى حوالي العقدين من الزمن من بغداد إلى بيروت.

طوال هذه الفترة، إستمر المشهد الداخلي اللبناني متأزماً ومتوتراً وصولاً إلى يومنا هذا. سنتان ونيف من الحصار الأميركي، القصد منه التدمير الكامل للبنان وإعدام أي إمكانية للحياة فيه، إلى أن إندلعت الأزمة الأوكرانية، فوجد لبنان نفسه في مواجهة دينامية أميركية جديدة في التعامل مع قضية ترسيم الحدود البحرية، وهو الملف العالق منذ العام 2010. بدا واضحاً أن واشنطن تريد أن تستغل مسألة الترسيم البحري لإستكمال مخططها الرامي إلى إعادة تركيب الصيغة والجغرافيا اللبنانية وفق رؤيتها التي يمكن إيجازها على الشكل الآتي:

أولاً؛ تقديم طعم للمسؤولين اللبنانيين من خلال الترويج لخدعة تجميد الإستخراج من حقل كاريش، وبالتالي هذا يستوجب تأجيل الترسيم إلى ما بعد الإنتخابات الإسرائيلية (في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل)، حيث سيكون لبنان في حينها بلا رئيس للجمهورية، وحكومة متنازع على شرعيتها لإدارة شؤون البلاد، وهذا ما سيدخله في طاحونة الفراغ.. والفوضى الدستورية.

ثانياً؛ تأخير الترسيم وإعاقته سيتيح للأميركي ومن خلفه العدو الإسرائيلي إستكمال مخطط الإنهيار المالي والتشظي السياسي والتفكك المؤسسي للقبول بأي حل!

ثالثاً؛ إعاقة الترسيم سيوفر للأميركي القدرة على ربط مساري الرئاسة والترسيم معاً.

هذا التعديل يجعل من “اليونيفيل” أكثر من شريكة للجيش اللبناني في ممارسة أعمال السيادة على الإراضي اللبنانية، فضلاً عن أن هذا الدور الذي تريده واشنطن وتل أبيب من “اليونيفيل” سيرفع منسوب التوتر مع الأهالي، مع ما سيخلفه ذلك من تداعيات خطيرة لا تحمد عقباها

رابعاً؛ إفلات الإدوات الأميركية داخلياً بغية إحداث بلبلة وفوضى غير مسبوقة، وإفتعال المشاكل والفتن المتنقلة في أكثر من منطقة ومدينة لبنانية، من خلال التحريض وإستخدام الشارع لإعاقة إتمام الإستحقاقات الدستورية في موعدها، والذهاب نحو تسعير خطاب التقسيم بعنوان لبنان ليس واحداً بل لبنانين، ودلالة ذلك خطاب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في مناسبة قواتية بتاريخ 4 أيلول/سبتمبر 2022 حيث قال الأخير: “لهم لبنانهم، ولنا لبناننا. بكل بساطة، ومن دون تحاليل ولا إستنتاجات نظرية، ومن الآخر لبنانهم هو لبنان محور الممانعة وحلفاؤهم، الذي نعيشه اليوم في التمام والكمال، بينما لبناننا فرأيناه وعشناه جزئياً في مرحلة إنتفاضة الإستقلال”. كلام جعجع يختصر الخطاب الذي يسود أوساط يمينية لبنانية تدور في فلك السياسة الاميركية.

خامساً؛ تعديل مهام قوات “اليونيفيل” بحيث تتغير الطبيعة الوظيفية لها، إذ ورد في متن القرار 2650 الصادر في 31 آب/اغسطس عام 2022 (الصادر عن مجلس الامن الذي بموجبه تم التجديد لقوات اليونيفيل في جنوب لبنان) الفقرة 16 منه ما حرفيته “إن القوة المؤقتة لا تحتاج إلى ترخيص أو إذن مسبق للإضطلاع بالمهام الموكلة اليها، وأنه مأذون لها بالإضطلاع بعملياتها بصورة مستقلة”، هذا التعديل لطالما كان مطلباً أميركيا وإسرائيلياً منذ سنوات، كما أن هذا التعديل يجعل من “اليونيفيل” أكثر من شريكة للجيش اللبناني في ممارسة أعمال السيادة على الإراضي اللبنانية، فضلاً عن أن هذا الدور الذي تريده واشنطن وتل أبيب من “اليونيفيل” سيرفع منسوب التوتر مع الأهالي، مع ما سيخلفه ذلك من تداعيات خطيرة لا تحمد عقباها.

سادساً؛ يضع الأميركي في حسابه إدخال لبنان في دوامة بول بريمر الحاكم العسكري العراقي السابق بعد غزو العراق 2003، هذه الصيغة الدوامة المكرِّسة للطائفية والمذهبية ودستور التأويل والتفسير المتناقض عادت لتطل برأسها من جديد، حيث يُروّج لها أميركياً وصهيونياً باعتبارها صيغة تنهي الخطر الوجودي الذي تشكله المقاومة اللبنانية وداعمتها الكبرى الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

سابعاً؛ إضعاف المقاومة اللبنانية وعزلها داخلياً سيقود حتماً وفق المخطط الأميركي إلى الإنتقال بسهولة إلى الجغرافيا السورية التي ما زالت في دائرة التصويب الأميركي الصهيوني من خلال إعادة العبث بالنسيج السوري والوحدة الترابية للدولة السورية عبر إحياء مشروع الدويلات الثلاث السنية والعلوية والدرزية، وهذا يعني عملياً كسر قوس المقاومة، إذ تصبح الفوضى ممتدة من العراق إلى سوريا فلبنان، ما يتيح للكيان العبري الإستفراد بالمقاومة في فلسطين المحتلة، وتصفيتها وإنهاء خطرها الذي يؤرق دولة الإحتلال، بحيث تتفرغ هذه الأخيرة لمشاريع التسوية التي يُعمل عليها من أبواب الأمن والإقتصاد والبنى التحتية والإعمار والمشاريع المشتركة مثل المياه والطاقة والبيئة، وتصفية قضية اللاجئين وتوطينهم في الدول التي يعيشيون فيها.

إقرأ على موقع 180  بيروت وجنوب لبنان.. ذاكرة الحب والثقافة والسياسة

يحتاج لبنان إلى قلب الطاولة، ولكن هذه المرة على نطاق أبعد مما يتخيله الكثيرون في واشنطن وتل أبيب، والذي يستطيع أن يفعل ذلك هي المقاومة، لأن هزيمة العدو في الخارج لا تكفي لقيام الدولة القوية والقادرة والعادلة، فثمة من في الداخل يعمل على قتل أصل فكرة المقاومة التي تقع على عاتقها مسؤولية مقاربة الامور في الداخل بطريقة توازي قدراتها التي باتت تشمل مساحة الإقليم برمته.

Print Friendly, PDF & Email
محمد سعد

كاتب وباحث في العلاقات الدولية، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الكارثة الأفغانية.. إعلان فشل الحرب على الإرهاب