واعتزازًا من صديقي أبو سعدى بتلك العلاقة وقيم الصداقة، طلب مني كتابة مقدمة لكتابه الموسوم «صوت من لا صوت لهم – قراءة سياقية لدور الكرسي الرسولي في القضية الفلسطينية وعملية السلام»، فتلقّفت هذه الدعوة بكل امتنان وتقدير، وهو ما دأبت عليه بخصوص فلسطين طيلة ما يزيد على ستة عقود من الزمن، دفاعًا عن عروبتها وحق شعبها في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف، خصوصًا أنه كان قد اطّلع على دزينة من الكتب التي أصدرتها بخصوص الصهيونية والصراع العربي – الإسرائيلي.
ولم يكن ذلك الدافع الوحيد وراء طلبه، بل إنه يعرف كذلك دفاعي عن المسيحيين في العالم العربي بشكل خاص، والمشرق بشكل عام، لما تعرّضوا له من استلاب وعسف وانتهاك لهوياتهم ومعتقداتهم ومقدساتهم، وكان قد توقّف عند كتبي الثلاثة بهذا الخصوص، وهي: «المسيحيون والربيع العربي» و«المسيحيون ملح العرب» و«أغصان الكرمة – المسيحيون العرب».
***
إذا كان عنوان كتاب الأرشمندريت أبو سعدى «صوت من لا صوت لهم»، فإن ما أكتبه وأقول به وأدرّسه لطلبتي وأحاول نشره إنما هو جزء من هذا الصوت، الذي ينتمي إلى المظلومين والمهجّرين والمضطهدين، ويعبّر، في الآن ذاته، عن تطلعاتهم في التحرر والحرية والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة والعيش الكريم، ويحاول أن يكون صوتهم المكتوم. ولهذا السبب سررت جدًا بكتابة هذه المقدمة المكثفة بعد قراءتي لكتابه المتميز، لأسباب خاصة وعامة، موضوعية وذاتية؛ محاولًا تسليط الضوء على بعض ما ورد فيه وما أراه ضروريًا لإعطاء فكرة للقارئ عن مفاتيح قراءة هذا الكتاب المهم.
أول هذه الأسباب؛ أن الأب أغابيوس أبو سعدى يتمتع بمكانة خاصة فلسطينيًا وعربيًا، ولا سيما في الوسط المسيحي، وخصوصًا لما يتميز به من جدية وصدقية ورؤية معتدلة، وكنت، خلال السنوات المنصرمة، متابعًا لبعض كتاباته وأنشطته الفكرية، فضلًا عن بعض مداخلاته في المؤتمرات والندوات المختلفة.
وثانيها؛ أن الموضوع الذي يبحث فيه الأب أبو سعدى يستحق التوقف عنده والإضاءة عليه، خصوصًا ما تعرّض له الفلسطينيون بشكل عام والمسيحيون بشكل خاص، ليس في فلسطين فحسب، بل في العديد من البلدان العربية، ولا سيما العراق وسوريا ولبنان وغيرها، الأمر الذي يتطلب معالجة قضايا التنوع والتعددية والحق في الاختلاف، انطلاقًا من خصوصية الهوية التي تقوم على اللغة والثقافة والتاريخ والأديان في المجتمعات المتعددة الثقافات، في إطار مبادئ السلام والتسامح، تلك التي ركزت عليها الرسائل البابوية في التاريخ المعاصر، وهو ما يعرضه بدقة ويُخضعه للتحليل أيضًا عبر رؤية جيوبوليتيكية ثقافية روحانية لدور الكرسي الرسولي بخصوص الدولة الفلسطينية وتحقيق السلام المنشود.
لقد تناول الأب أغابيوس المواقف التاريخية للبابوات بشأن فلسطين والمسيحيين خلال حقبة زمنية عصيبة زادت على قرن من الزمن، وفعل ذلك بدفق معرفي تاريخي ليبيّن دور البابوية الرسالية ودبلوماسيتها النشطة، وتأثيرها الروحي والأخلاقي والمعنوي على عموم مسيحيي العالم، ناهيك عن مواقف دول وشعوب وأمم تنظر باحترام إلى موقع الكرسي الرسولي، الذي يتمتع بمكانة رفيعة كمرجعية مسؤولة وحريصة إزاء مصائر المسيحيين في العالم، ومسيحيي فلسطين والأماكن المقدسة بشكل خاص، وإزاء سلم البشرية وأمنها بشكل عام.
وثالثها؛ أن هذا الكتاب يُعتبر نافذة معرفية متميزة للدارسين والباحثين، ولكل منشغل أو مهتم أو راغب في الاطلاع على حقيقة موقف الفاتيكان بشأن كل ما جرى ويجري من تطورات إزاء المسيحيين في فلسطين وعموم دول المشرق، في الماضي والحاضر، في إطار استراتيجية ثابتة أساسها الحق والعدل والسلام، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية تحقيق حل مناسب في ظل توازن القوى والواقعية السياسية وفن الممكن.
والجدير بالذكر أن موقف البابوية أقرب إلى بارومتر لقياس درجة الحرارة السياسية على المستوى الدولي، خصوصًا الموقف من مسيحيي الشرق والعالم العربي من جهة، الذين تعرضوا للتمييز والتهميش والإجلاء، ومسيحيي فلسطين من جهة أخرى، في ظل سياسة ممنهجة تقوم على اغتصاب الأرض والاحتلال والاستيطان.
***
لا بد من بعض الكلمات التعريفية بخصوص شخصية الأب أغابيوس أبو سعدى واختصاصاته ونشاطاته، وإن كان المعروف لا يُعرّف. فهو فلسطيني من بلدة بيت ساحور، ويحمل شهادة الدكتوراه في الكتاب المقدس، وباحث في شؤون المسيحية المشرقية (والعربية)، وقد ألّف عددًا من الكتب التاريخية والكنسية والروحية والجيوسياسية، وشغل منصب الرئيس الرهباني للرهبانية المخلّصة في الأراضي المقدسة، ورئيس طائفة الروم الملكيين الكاثوليك في حيفا. وكان آخر لقاء بيننا في عمّان، في مؤتمر «المسيحيون في المشرق العربي وطموحات الوحدة والتنوير»، الذي نظمه المعهد الملكي للدراسات الدينية (7-8 أيار/مايو 2025) في مدينة عمّان، وهو المؤتمر الذي انعقد برعاية الأمير الحسن بن طلال، وقدّمت فيه بحثًا بعنوان «في شرقانية العلاقات الإسلامية – المسيحية».
أستطيع القول إن المعلومات والآراء التي تضمّنها كتاب الأب أغابيوس تمثل قيمة كبيرة، وحبذا لو وجدت طريقها إلى اللغات الأخرى، لأنها تمثل قوة المعرفة وتتضمن باقة من المقترحات أرى من المفيد أن يطّلع عليها المجتمع الدولي، بمن فيهم أصحاب القرار. فلم يكتف الباحث بعرض وجهات النظر البابوية فحسب، بل توسع فيها لينطلق من روحها في بلورة رؤية إنسانية يمكن أن تسهم في تطوير موقف دولي يؤمّن للشعب العربي الفلسطيني حقوقه في دولة وطنية قابلة للحياة، وعلى أساس حق تقرير المصير الذي هو حق قانوني دولي، وذلك من خلال قراءة جيواستراتيجية لطبيعة الصراع في الشرق الأوسط وأهمية السلام لبناء دوله وتنميتها، فضلًا عن معرفته بدهاليز السياسة الدولية ومواقف القوى المتنفذة فيها.
***
تمتاز رؤية أغابيوس أبي سعدى بأريحية وواقعية واعتدال، فضلًا عن تفاؤل إزاء المستقبل، بعيدًا عن التعصب ووليده التطرف ونتاجهما العنف والإرهاب. والأخير، إذا ما ضرب عشوائيًا، يتحول إلى إرهاب دولي، لا سيما حين يكون عابرًا لحدود الدول، وخصوصًا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، بما يهدد السلم والأمن الدوليين.
ومثّلت لغة أغابيوس فضاءً ثقافيًا معرفيًا نقديًا، حتى إزاء أعقد المسائل، وهي بلا أدنى شك تدل على خزين معرفي وقاموس لغوي غني، إضافة إلى جهد مبذول في مقاربة العديد من القضايا المعقدة بلغة واضحة ويسيرة، أقرب إلى السهل الممتنع.
وتكمن خلفيات ذلك في اعتماد معالجته على الفلسفة باعتبارها «أم العلوم»، وارتكازها على التاريخ باعتباره «أب العلوم»، فضلًا عن القانون، الوعاء الذي يمكن أن تصب فيه السياسة. فوراء كل مسألة قانونية ثمة مسألة سياسية تختفي خلفها، وهي تمثل جوهر المشكلة القانونية. واللغة، بالطبع، أداة تعبير عن الفكر، وهي وسيلة لنقله، لأنها تمثل جوهره، فما بالك إذا كان مدادها مغمّسًا بالروحانية الدينية الأخلاقية الإنسانية.
يتضمن الكتاب حوارًا داخليًا بين الأب أبو سعدى وبين نفسه، وبينه وبين الآخر، وبين الأنا والهو والنحن، في إطار مشتركات ومختلفات أيضًا، لكن مثل ذلك الحوار ينطلق من قاعدة علوية أساسها قيم الحق والعدل، وما يصدر عنهما من أحكام، تجدها مرآة تعكس حقيقة ما يفكر به الرجل. فوراء كل فكرة تكمن فلسفة، وهي فلسفة البابوية إزاء النظر إلى حقوق مسيحيي فلسطين، لما تعرضوا له من انتهاكات، وإزاء حقوق شعب استُلبت أبسط مقومات وجوده.
هكذا نجد أن ثمة علاقة بين الدال والمدلول، وبين السبب والنتيجة، وبين ما يبقى وما يزول. فهناك خيط رابط يحاول أغابيوس أن يمسك به، وأعني به روح النقد التي يمتلكها؛ فهو يضع دائمًا نصب عينيه الأبعاد الأخلاقية والإنسانية والروحانية، من دون نسيان ما هو ممكن وما هو غير ممكن في ظروف الصراع الراهن.
***
حفلت مخطوطة الأب أغابيوس بغنى الأفكار والمعلومات والاستنتاجات الموضوعية، في إطار رؤية دقيقة وعميقة لدور البابوية والكرسي الرسولي والموقف من القضية الفلسطينية تاريخيًا، وذلك قبل قيام إسرائيل في 15 أيار/مايو 1948، وإلى الوقت الحاضر. وهو الدور الذي اتسم بثلاثة مستويات ظلّت مرتبطة، على طول الخط، بتلاحم وثيق واشتباك قوي.
وهذه المستويات هي: إنسانية ذات بُعد مبدئي، وأخلاقية ذات بُعد روحاني وقيمي، وعملانية ذات بُعد واقعي عبر فهم توازن القوى السياسي. وقد استنبط الكرسي الرسولي أحكامه منذ وقت مبكر، لمعرفته بمخاوف المسيحيين الفلسطينيين إزاء المشروع الصهيوني وتأثيره المحتمل على مستقبلهم، وهو العنصر المهم لفهم سبب معارضته لوعد بلفور، ارتباطًا بالمشروع الصهيوني الذي تبلور في مؤتمر بال (بازل – سويسرا) العام 1897، والذي دعا إلى قيام دولة لليهود في فلسطين استنادًا إلى كتاب ثيودور هيرتزل، عرّاب الحركة الصهيونية، «دولة اليهود – The Jewish State» (1896). وبالطبع فإن هذه المواقف تنسجم مع القيم الروحية وتعاليم السيد المسيح (ع).
ولهذه الأسباب أيضًا، وقف الكرسي الرسولي ضد تقسيم فلسطين وفقًا لقرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، لمعرفته بتأثيره السلبي على الطوائف الكاثوليكية والأماكن المقدسة، تلك التي جرى تنظيمها مع الدولة العثمانية بموجب معاهدة برلين لعام 1878 بين عدد من القوى الأوروبية والدولة العثمانية. ووفقًا لهذا المنظور، لم يعترف الكرسي الرسولي بدولة إسرائيل حتى توقيع اتفاقية أوسلو.
وتُعتبر رؤية الكرسي الرسولي تلك متقدمة سياسيًا وحقوقيًا وأخلاقيًا، وامتازت ببعد نظر ومعرفة لدور إسرائيل في المنطقة ووظيفتها العدوانية، وما يُضمر لفلسطين ومسيحييها من شرور وآثام، وهو ما تأكد بعد قيام دولة إسرائيل في 15 أيار/مايو 1948، حيث أصبح نحو 70% من المسيحيين الفلسطينيين لاجئين، وانخفضت نسبتهم من 11% إلى 3% خلال عام النكبة (1948) وبعد الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى (حسب الأب أغابيوس). ويمكنني الإضافة أن عدد المسيحيين في القدس وحدها كان، قبل احتلالها، أكثر من 50 ألف مسيحي، أما اليوم فإنه أقل من 5 آلاف، على الرغم من الزيادة السكانية طيلة العقود المنصرمة، لكنهم تعرضوا لعمليات إجلاء منظمة.
***
يتناول الأب أبو سعدى علاقة الفاتيكان بمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث كانت أول زيارة للبابا بولس السادس لفلسطين بعد الأردن في العام 1964، وحينها دعا إسرائيل إلى الاعتراف بحقوق الشعب العربي الفلسطيني وتطلعاته المشروعة. وقد تعززت هذه العلاقات من خلال البابا يوحنا بولس الثاني مع ياسر عرفات بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان العام 1982. وكانت الدبلوماسية البابوية قد أولت اهتمامًا متزايدًا بالقضية الفلسطينية بعد مجازر صبرا وشاتيلا (أيلول/سبتمبر 1982)، وشددت على الدعوة إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، حيث تم تعيين عفيف صافية كأول سفير لفلسطين لدى الكرسي الرسولي. واتفق الطرفان على تطوير «دبلوماسية السلام»، وهو ما أكده البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته لفلسطين العام 2000، ودعوته إلى قيام دولة فلسطين مستقلة، وخاطب لاجئي مخيم الدهيشة: «لعل رعاة بيت لحم هم أسلافكم وأجدادكم».
وحسب أغابيوس، كان انتهاء بابوية يوحنا بولس الثاني أحد أسباب ابتعاد الفاتيكان عن الشرق الأوسط، فلم يُبدِ خلفه البابا بنديكتوس السادس عشر الاهتمام ذاته بالقضية الفلسطينية والقرب من الشعب العربي الفلسطيني. وربما يعود سبب عدم اهتمامه إلى أنه وُلد ونشأ في ظل الحكم النازي في ألمانيا، وكان شديد الحذر إزاء العلاقات بالشرق الأوسط. ومع ذلك، فقد دعم الحملة الفلسطينية من أجل إقامة دولة في الأمم المتحدة عام 2011، وأصدر بيانًا حازمًا مؤيدًا لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة خلال حجّه إلى بيت لحم عام 2009.
وحين تولى البابا فرنسيس، الأرجنتيني الجنسية، البابوية في العام 2013، شعر الفلسطينيون أن لهم صديقًا قويًا ومؤثرًا هو الكرسي الرسولي. وكانت أولى عظات البابا حول ضرورة تحقيق السلام في الشرق الأوسط (2013)، كما سعى إلى تقديم مبادرات تمهّد الطريق لحل سياسي.
وقد وجّه البابا فرنسيس لفتة مهمة للمسيحيين الفلسطينيين في عام 2014، وقد فعل ذلك في أحد أكثر الأماكن إيلامًا للمسيحية: جدار الضم (الفصل العنصري الذي بنته إسرائيل في قلب بيت لحم). هناك صلّى، محاطًا بأطفال مسلمين من مخيم عايدة للاجئين، جاذبًا انتباهًا دوليًا إلى واقع بيت لحم تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وبالعودة إلى دور البابا يوحنا بولس الثاني، الذي كان شديد الحساسية إزاء الظلم، فقد عيّن البطريرك اللاتيني الفلسطيني في القدس ميشيل صباح إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى (أواخر العام 1987 ومطلع العام 1988)، لأنه يدرك أهمية مقاومة الظلم بصفته بولونيًا عاش تحت هيمنة الحكم الشيوعي والنظام الشمولي.
وفي وقت لاحق، خلال الخدمة التي أقيمت في ساحة المهد، طالب البابا بدولة فلسطينية مستقلة بنبرة معتدلة، وحاول الاستفادة من صديقين أحضرهما من الأرجنتين، حاخام وإمام، لإرسال رسالة حوار بين أتباع الأديان، علمًا بأن إسرائيل أصرت على رفض دعوته، بل سعت إلى تقويضها، خصوصًا باستمرار احتلالها غير الشرعي للأراضي الفلسطينية، متهمة أي دعوة لإنهاء الاحتلال بأنها «معادية للسامية».
***
ومن القضايا الجديرة بالتوقف عندها في كتاب الأب أبو سعدى اعتراف الكرسي الرسولي بدولة فلسطين في عام 2015، وتأكيده أن حدود العام 1967 هي المرجعية الدولية التي يمكن أن تتأسس عليها دولة فلسطين، بما في ذلك القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل وضمتها إليها بقرار من الكنيست (1980)، بالضد من قراري مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338، وقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وهو الأمر الذي أغاظ إسرائيل كثيرًا، علمًا بأن الفاتيكان اعترف بإسرائيل في العام 1993 بعد اتفاقية أوسلو، وكما جرت الإشارة إليه.
وحاول البابا فرنسيس أن يلعب دورًا دوليًا بصفته مرجعًا روحيًا يمثل الضمير الإنساني، ولا سيما المسيحي، بما يجسده من اعتبارات أخلاقية، من خلال دبلوماسية نشطة حاول توظيفها للمصالحة بين واشنطن وهافانا لإعادة العلاقات الدبلوماسية في العام 2014.
كما زار الموصل بعد هزيمة تنظيم “داعش” الإرهابي، وحاول إرسال رسائل مطمئنة إلى المجتمع المسيحي العريق في العراق، وبادر إلى فتح حوار مع جامعة الأزهر الشريف في القاهرة، معربًا عن التضامن مع المسيحيين في مصر والعراق والأردن والمغرب. وسُجلت أول زيارة له إلى شبه الجزيرة العربية، إضافة إلى العلاقات الوطيدة مع لبنان.
وسعى الكرسي الرسولي إلى تعميق العلاقات الإسلامية – المسيحية وتعزيز طموحات الوحدة والتنوير من خلال وثيقة «الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك»، التي جاءت تتويجًا تاريخيًا لمحاولات رأب الصدع، من جهة، بين المسيحيين والمسلمين، ولتعظيم الجوامع وتقليص الفوارق واحترامها من جانب أكبر شخصيتين دينيتين، مسلمة ومسيحية، حيث وقّع عليها شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب وقداسة البابا فرنسيس في 4 شباط/فبراير 2019، وأُبرمت في أبو ظبي (دولة الإمارات العربية المتحدة).
وتُعتبر هذه الوثيقة أول اتفاقية تعاهدية جامعة للمسلمين والمسيحيين في إطار من التكافؤ والمساواة والاعتراف بالآخر والاحترام المتبادل. وقد احتفل العالم، للمرة الأولى، باليوم العالمي للأخوّة الإنسانية، بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 كانون الأول/ديسمبر 2020 الاعتراف بها، واعتبار يوم 4 شباط/فبراير يومًا عالميًا للأخوّة الإنسانية.
كما طوّر البابا فرنسيس علاقة وثيقة مع بطريرك القدس للاتين، بييرباتيستا بيتسابالا، وعيّنه كاردينالًا، وأظهر الأهمية التي أعطاها لدور الكنيسة في فلسطين، وذلك بعد أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
لقد أبدى البابا فرنسيس تعاطفه مع جميع الضحايا، واستقبل أقارب الأسرى الفلسطينيين والإسرائيليين، كما يذكر الأب أبو سعدى. ولعل من أبرز لفتات البابا التي لا تُنسى، والتي أثرت بعمق في المجتمع المسيحي الفلسطيني، تواصله الهاتفي اليومي مع كهنة كنيسة العائلة المقدسة للاتين في غزة، حيث كان يطلع على آخر المستجدات في غزة، بما في ذلك نقص الغذاء والدواء والماء والوقود، وهو ما يذكره الأب أبو سعدى.
واستنتاجًا، نقول إن مفهوم العدالة ظل قضية محورية في السياسة الخارجية للبابا فرنسيس، بل ولعموم البابوات، لأنه يمثل جوهر نهج الكرسي الرسولي، خصوصًا حين يتم ربطه بالسلام، فلا «سلام بدون عدالة»، وهو متلازم معها. وهذا ما يُظهره كتاب الأب أغابيوس، الذي هو جدير بالقراءة لما يحتويه من معلومات موثقة ورؤية شاملة.
