الهويّات المذهبيّة VS “الوحدويّة”: خطورة الخلط بين التّصوّرات والواقع

لطالما تناولنا، في المكتوب والمسموع والمرئيّ، اشكاليّة الهويّات الوطنيّة والقوميّة في اقليمنا، أو ما يمكن تسميته عمومًا بالهويّات "الوحدويّة"، في مقابل الهويّات القَبَليّة والمذهبيّة/الطّائفيّة. وقد خلصنا، في مناسبات عديدة، إلى وجود مسافة في أغلب الأحيان، قد تكون شاسعة جدّاً في بعض المواضع ضمن هذه المنطقة بالذّات.. مسافة بين التّصوّرات الفكريّة والعقائديّة لهذه الهويّات، وبين التّجلّيات الفعليّة للأمور في الواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ.

في هذا السياق، سبق أن مررنا أحياناً بأطروحات المؤرّخ برنارد لويس (ت. 2018 م.)، وما نُسب إليه وإلى غيره من تصوّرات حول اعادة تقسيم المنطقة على أسس مذهبيّة/طائفيّة وإثنيّة، ومدى واقعيّة هذه الطّروحات و/أو خطورتها، وصولاً إلى مَن قد يجد مصلحة فيها ومَن يخشى تداعياتها. وقد أثارت بعض مقارباتنا ردودًا متعدّدة، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.

والحقيقة أنّ هذه التفاعلات الحميدة، وما رافقها من نقاشات حديثة، تدفعنا إلى التّشديد اليوم على زاوية مفاهيميّة نعتقد أنّها أساسيّة لفهم جانب مهمّ من الاختلافات القائمة.. ومن الضّياع النّسبيّ القائم إن صحّ التّعبير. فثمّة، في تقديرنا، خلط متكرّر لدى بعض الباحثين والمفكّرين والكتّاب والنّاشطين. خلطٌ بين ثلاثة مستويات متمايزة في التّفكير حول المسألة الهويّاتيّة:

المستوى الأوّل؛ “ما يجب أن يكون” (What has to be)، وهو المستوى المبدئيّ أو العقائديّ أو الأيديولوجيّ، الذي ينطلق عموماً من تصوّرات فكريّة/عقائديّة و/أو أخلاقيّة حول الهويّة المنشودة، لطالما تستند أيضاً إلى نوع من الحُكم القِيَميّ بطبيعة الحال. وفي هذا الإطار، يمكن فهم مقاربات العديد من اخواننا وزملائنا القوميّين واليساريّين والعلمانيّين والاسلاميّين، وغيرهم ممّن ينطلقون من قناعات مبدئيّة حول ضرورة ترسيخ الهويّة الوطنيّة أو القوميّة أو الوحدويّة أو الاسلاميّة إلخ. وليس في توصيف هذا المستوى أيّ انتقاص من أهمّيّته أو من جدّيّته أو من مشروعيّته، بل تحديد لطبيعته المفاهيميّة.

المستوى الثّاني؛ “ما هو الأفضل أن يكون” (What is better to be)، وهو المستوى المَصلحيّ، أو البراغماتيّ إن صحّ التّعبير أي بالمعنى “الإيجابيّ” والعمليّ للكلمة. وهو لا ينطلق في المبدأ من مسلّمات أو تصوّرات عقائديّة مُعيّنة، بل من تقدير المصالح والمنافع المشتركة. وفي هذا الإطار، يمكن مثلاً فهم مقاربات دعاة التّكامل الإقليميّ وعدد من المشاريع الوحدويّة (الحديثة غالباً)، حين يعتبرون عموماً أنّ من مصلحة الشّعوب والمجتمعات والكيانات والاقتصادات الانخراط في مشاريع “تكامليّة/وحدويّة” تحقّق مكاسب اقتصاديّة وسياسيّة واستراتيجيّة مشتركة.

المستوى الثّالث؛ “ما هو كائن” (What is)، وهو المستوى التّوصيفيّ والتّحليليّ-الواقعيّ، الذي ينطلق من معطيات الواقع القائم والهوامش العمليّة النّسبيّة القائمة، ومن طبيعة الهويّات الفعليّة/الواقعيّة ومدى تجذّرها في الوعي الجماعيّ والبنى الاجتماعيّة والسّياسيّة. وهو لا يسأل عمّا ينبغي أن يكون، ولا عمّا هو الأفضل من حيث المصلحة، بل عمّا هو قائم بالفعل، وعن الانتماءات التي تحكم – بالفعل – سلوك الأفراد والجماعات… وعن الهوامش النّسبيّة للتّحرّك في أيّ اتّجاه خارج هذا الواقع القائم أو ذاك.

***

وهنا تكمن الاشكاليّة: فما نعتقد أنّه يجب أن يكون، ليس بالضّرورة ما هو كائن أو ممكن الوقوع.

وما نراه الأفضل أن يكون، ليس بالضّرورة ما تسمح به معطيات الواقع أو ما يتناسب مع الواقع (أقلّه في المدى المنظور أو المعقول).

 كما أنّ الاعتراف والاقرار بالواقع وبشروطه وبهوامشه المتاحة… لا يعني بالضّرورة أيضاً تبنّيه مبدئيًّا أو اعتباره الخيار الأفضل.

والأمثلة على خطورة الخلط بين هذه المستويات كثيرة، ولكنّنا سنتوقّف عند مثال راهن وملموس، ولو انطلاقًا من تجربة شخصيّة لكاتب هذه السّطور: الأزمة اللبنانيّة، ولا سيّما ما يتّصل بسلاح المقاومة وببيئتها الشيعيّة تحديداً.

فعلى المستوى الأوّل، يمكن الانطلاق من قناعة مبدئيّة لي شخصيّاً بأنّ اللبنانيّين شعب واحد أو يجب أن يكونوا كذلك، وأنّ شعوب المشرق تنتمي أيضاً – أو يجب – إلى فضاء حضاريّ مشترك، وبالتّالي هناك ضرورة لاعتماد مقاربة وطنيّة/قوميّة/وحدويّة جامعة، قد تشمل في ما تشمله ربّما.. السّير لبنانيّاً ، وبجدّيّة، في مسار “حصريّة السّلاح بيد الدّولة”، كما تدعو إليه وتسمّيه السّلطة اللبنانيّة الحاليّة مثلاً وكما تدعو عدد من القوى اللّبنانيّة بناءً على اعتقاد أو شعار أنّ هناك “دولة” جامعة ووطنيّة و/أو قوميّة في لبنان.. ولا بدّ من تسلميها أيّ سلاح لا يحترم احتكارها للعنف وما إلى ذلك.

وعلى المستوى الثّاني، يمكن اعتبار أنّ المصلحة المشتركة للمكوّنات اللبنانيّة، بل ولشعوب سوريا ولبنان والعراق والمشرق عمومًا، تكمن في بناء مشاريع وطنيّة وتكامليّة حقيقيّة، تتجاوز الانقسامات المذهبيّة والقبليّة – وما إلى ذلك – بطبيعة الحال.

ولكنّ الخطورة الكبرى تبدأ واقعاً: حين ننتقل من هذين المستويَين إلى المواقف العمليّة وإلى أرض الواقع، متجاهلين المستوى الثّالث عموماً، أي الواقع الفعليّ وتوازناته وهوامشه ومخاطره.

فنحن، في تقديرنا، أمام واقع سوسيولوجيّ لا تزال فيه قطاعات واسعة – إن لم تكن الأوسع على الاطلاق – من شعوب المنطقة ونخبها تفكّر وتتصرّف وفق الانتماءات المذهبيّة والقبليّة والطّائفيّة وإلى حدّ كبير جدّاً وبعيد جدّاً.. ولو ادّعى الكثيرون منّا خلاف ذلك. وهذا الواقع قد يجعل الجماعات، في ظروف معيّنة، محكومةً بمنطق الهويّة الجماعيّة “الضّيّقة” إن جاز التّعبير، لا لأنّها تؤمن بأفضليّته العقائديّة أو المصلحيّة المشتركة.. بل لأنّ سلوك الجماعات الأخرى حولها مثلاً، وموازين القوّة القائمة، والتّدخّلات الاستعماريّة الطّابع، وسلوك بعض الدّول حولها أيضاً.. تفرض عليها أخذه في الحسبان حمايةً لوجودها قبل أيّ شيء آخر.

إقرأ على موقع 180  الانتقال من طور الصهيونية إلى طور "الصهيونية الجديدة"

وبالنسبة إليّ شخصيًّا، لا يمكنني بالتّأكيد التخلّي عن قناعاتي الوطنيّة والقوميّة التي أعتبرها صادقة، مهما اشتدّت الانقسامات على أرض الواقع، ولا تجاهل المصالح المشتركة التي تدفع نحو التّكامل والوحدة بطبيعة الحال. ولكنّني لا أستطيع، في المقابل، تجاهل هذا الواقع السّوسيولوجيّ والنّفسيّ-السّوسيولوجيّ، مُضحّياً في بعض الأمثلة.. بأمن وبوجود، نعم بأمن وبوجود وببقاء العائلة، والعشيرة، والجماعة، والبيئة الطّائفيّة-التّاريخيّة التي أنتمي إليها.. باسم تصوّرات وحدويّة أو قوميّة لم تتوافر بعد شروط تحقّقها – في حدّها الأدنى – لأسباب مررنا ببعضها سابقاً. فنحن قد نكون محكومين، في بعض الظّروف، بالتّعامل مع الهويّة المذهبيّة والقبليّة كمعطى واقعيّ، لا كخيار عقائديّ أو كمشروع نرغب في تكريسه. وهذا ما يُثير عادةً غضب بعض النّخب المشرقيّة والعربيّة، المُعتادة على ما يبدو على الخلط – الواعي أو غير الواعي – بين المستويات المذكورة آنفاً، وهذا أمرٌ خطير جدّاً.

خلاصة القول، إنّ العقلانيّة السّياسيّة لا تقوم على التّضحية بالمبدأ لمصلحة الواقع، ولكن أيضاً: لا تقوم أبداً على تجاهل الواقع باسم المبدأ المتصوّر، خصوصاً أمام لحظات يُصبح فيها الخطر من النّوع الوجوديّ على أيّ جماعةٍ من الجماعات. فالقفز فوق الواقع السّوسيولوجيّ المذكور مثلاً، باسم التّصوّرات غير المتحقّقة وربّما غير الواقعيّة راهناً وإلى حدّ بعيد – عقائديّة كانت أم مصلحيّة – قد يقود إلى كوارث وجوديّة بالفعل، كما أنّ الاستسلام لهذا الواقع قد يحكم على مجتمعاتنا أيضاً بالبقاء أسيرة انقساماتها وتخلّفها وضعفها.

وبين هذين الحَدَّين، يبقى التّحدّي في أن نحافظ بثبات وبإخلاص على ما نؤمن بأنّه يجب أن يكون، وأن نسعى قدر الإمكان وبأمانة وبنشاط إلى ما نراه أفضل.. لكن، من دون أن نفقد القدرة على رؤية ما هو كائن بالفعل. وقد ذكرنا مِثالَين من بين أمثلة متعدّدة في المنطقة يُمكن ذكرها: تبدأ بما شعرت به الجماعة المسيحيّة عموماً في لبنان عشيّة اندلاع حرب العام 1975، ولا تنتهي بملفّات أكثر راهنيّة كالملفّ الدّرزيّ في سوريا، أو الملفّ الكرديّ في المنطقة، أو الملفّات اليمنيّة والخليجيّة على اختلافها.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  منْ يحسم حرب أوكرانيا.. أميركا أم الصين؟