المغرب وإسبانيا.. سلام المصالح فوق جمر السيادة

دخلت العلاقات المغربية–الإسبانية، منذ منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2026، منعطفًا هو الأشد دقة وحساسية منذ أزمة جزيرة ليلى (جزيرة المعدنوس) عام 2002، وأزمة دخول زعيم البوليساريو إبراهيم غالي إلى إسبانيا بغرض التداوي عام 2021. فقد ارتجّت البنية الدبلوماسية بين الضفتين على وقع تفاقم متزامن لأزمتين: أزمة السيادة على الثغور الشمالية، وأزمة إدارة التدفقات الهجرية، إثر التحرك الدراماتيكي الذي قاده العاهل الإسباني الملك فيليبي السادس، برفقة عقيلته الملكة ليتيثيا، إلى سبتة ومليلية في 13 و14 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

تكتسب هذه الزيارة أبعادًا استثنائية بالغة التعقيد، كونها تأتي في أعقاب الموجة الهجرية الجارفة التي شهدتها المنطقة أواخر شهر يوليو/تموز الماضي، حين أقدم عشرات الآلاف من الشباب والقاصرين المغاربة على العبور سباحةً عبر مضيق بليونش وشواطئ الفنيدق نحو سبتة، في المشهد الأكثر كثافة وضغطًا ميدانيًا على الحدود الإسبانية–الأوروبية منذ عقود.

تجدر الإشارة إلى أنه أُثيرت في كواليس التحليلات الجيوسياسية وقراءات المراقبين قضايا أشد تعقيدًا، ترتبط بشبهات تورّط إسرائيلي غير مباشر، عبر شبكات تحريضية وتقنية، لدفع عمليات العبور الجماعي نحو سبتة وتسهيلها، كورقة انتقام وضغط جيوسياسي ضد حكومة بيدرو سانشيز، جرّاء مواقفها المتقدمة والداعمة للقضية الفلسطينية ووقف الحرب على غزة.

غير أن هذه التقديرات التحليلية لا تبرّئ، في الوقت ذاته، الجانب المغربي، حيث تتعرّض السلطات في الرباط لنقد تحليلي حاد بشأن مسؤوليتها عن ضبط الحدود ومحاولات الاستفادة من التقاطعات الأمنية، في وقت تظل فيه غارقة في مسار التطبيع وتوازنات العلاقات المعقدة مع مختلف الأطراف الدولية.

لذلك، تقف العلاقات بين الرباط ومدريد اليوم عند خط تماس زلق، يقطع البراغماتية الدبلوماسية التي شُيّدت عقب التحول التاريخي في موقف حكومة بيدرو سانشيز من نزاع الصحراء المغربية عام 2022. إنه اختبار مفصلي ينذر بمسارات تصاعدية مرشحة للانفجار، ما لم يُفلح الطرفان في صياغة معادلة توازن جديدة تهدّئ روع الشارع الإسباني المتوجّس، وتستجيب، في الوقت ذاته، للثوابت الترابية والكرامة الوطنية اللتين تشكّلان عماد العرين المغربي.

جغرافية النزاع وخلفية الثغور

تشكّل مدينتا سبتة ومليلية، الواقعتان على الساحل الشمالي للمملكة المغربية وفوق التراب القاري لأفريقيا، إلى جانب الجزر الجعفرية وصخور النكور وباديس، شريطًا جيوسياسيًا شديد الحساسية. وبينما تجسّد هذه المناطق، بالنسبة إلى الإدارة الإسبانية، أراضي خاضعة لسيادتها ومدمجة ضمن نظام الحكم الذاتي منذ تسعينيات القرن الماضي، يواصل المغرب التعامل معها بوصفها «ثغورًا مغربية محتلة»، وأجزاء سليبة اقتُطعت من أراضيه في ظروف استعمارية تاريخية.

ظلّ هذا التناقض البنيوي خامدًا تحت رماد الاتفاقيات التجارية والأمنية، لكنه سرعان ما يتأجّج مع كل تحرّك سيادي إسباني على أعلى مستوى، خاصة حين يتعلّق الأمر بالرمزية الملكية التي تعيد نكء جراح التاريخ.

من جهة أخرى، شكّلت التغطية الإعلامية الإسبانية، بمختلف اتجاهاتها الأيديولوجية، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، مرآةً لموجة من القلق والاستنفار القومي، إذ اعتبر قطاع واسع من المحللين والكتّاب في كبريات الصحف الإسبانية أن العبور الجماعي الصادم لأكثر من 70 ألف مهاجر نهاية يوليو/تموز الأخير لم يكن مجرد ظاهرة ديموغرافية عفوية، بل كان «تكتيكًا جيوسياسيًا مدبّرًا» ومناورة غير مباشرة وظّفتها الرباط للضغط على مدريد وإرباك أجهزتها الأمنية والاستخباراتية.

في هذا السياق، سلّطت الصحافة الإسبانية الضوء على ما أسمته بالدور الناشط للشبكات واللوبيات المغربية، التي تعمل بشكل منهجي على التشكيك في الشرعية القانونية والأخلاقية للوجود الإسباني في أفريقيا.

وقد انعكس هذا الملف الساخن على المشهد السياسي الداخلي في مدريد عبر مظاهر استقطاب حاد، حيث استغلّت أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها الحزب الشعبي وحزب «فوكس» اليميني المتطرف، هذه التطورات لتوجيه اتهامات قاسية إلى الحكومة الائتلافية بقيادة بيدرو سانشيز، واصفةً أداءها بـ«الضعف والاستسلام أمام الابتزاز المغربي»، ومطالبةً بنشر الجيش الإسباني بشكل دائم على طول السور الحدودي الفاصل.

في الوقت ذاته، أبرزت استطلاعات رأي حديثة نُشرت في وسائل إعلام إسبانية حالةً من الرعب النفسي والجيوسياسي تسود الشارع الإسباني، إذ عبّرت غالبية المشاركين عن خشيتها الواقعية من أن تؤدي هذه التوترات المتقطعة، على المدى الطويل، إلى انزلاق الطرفين نحو مواجهة عسكرية مباشرة حول الثغور الشمالية.

في ظل هذا الاحتقان، وجد الإعلام الإسباني في زيارة الملك فيليبي السادس خطوة جريئة وضرورية لإعادة الثقة إلى سكان سبتة ومليلية، الذين ينتابهم شعور متزايد بالعزلة والتردّي الاقتصادي منذ إغلاق المعابر الجمركية والتجارية من الطرف المغربي.

الخطاب الملكي الإسباني من سبتة

تكتسب زيارة فيليبي السادس أبعادًا فارقة، كونها الأولى لملك إسباني إلى سبتة منذ الزيارة الشهيرة والمثيرة للجدل لوالده الملك خوان كارلوس عام 2007. وقد أُحيطت التحركات الملكية بإجراءات أمنية واستخباراتية قصوى، وسط استقبالات حاشدة من المواطنين الإسبان المقيمين في المدينة.

ففي خطابه أمام الحشود المتجمّعة، أدلى العاهل الإسباني بتصريحات اتّسمت بالنبرة السيادية الجازمة، حيث أشار إلى أن سيادة مدريد على مدينتَي سبتة ومليلية سيادة غير قابلة للنقاش، وأنهما تُعتبران جزءًا لا يتجزّأ من التراب الإسباني، مضيفًا أن واجب الدولة الدستوري والأخلاقي هو الدفاع عنهما في مواجهة أي خطر أو تحدٍّ.

مع ذلك، حرص فيليبي السادس، في محاولة لتفادي قطع جميع خيوط العودة مع المغرب، على الموازنة بين الخطاب القومي الداخلي واللغة الدبلوماسية الخارجية، مؤكدًا في ختام كلمته أن إسبانيا تظل حريصة كل الحرص على استمرار علاقات حسن الجوار والشراكة الاستراتيجية مع المملكة المغربية، المبنية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح العليا المشتركة.

وفي واحدة من أكثر لحظات الزيارة دراماتيكية وأثرًا في الوجدان المغربي، توقّف الموكب الملكي الإسباني عند مقبرة سيدي امبارك الإسلامية بسبتة، حيث قام الملك وزوجته بالترحّم على أرواح نحو 146 مهاجرًا شابًا وقاصرًا ممّن قضوا نحبهم غرقًا أثناء موجات العبور المأساوية عبر البحر.

وقد دُفن هؤلاء المهاجرون الشباب بأرقام تسلسلية داخل مقابر فردية أو جماعية مجهولة الهوية، في ظل غياب مراسم عزاء رسمية أو متابعة علنية لملف جثامينهم والتواصل مع عائلاتهم. وأثارت هذه المشاهد موجة عارمة من الشجن والحزن سيطرت على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، حيث قوبلت هذه المبادرة الإنسانية بتقدير مشوب بالأسى، في وقت واجه فيه الموقف المؤسساتي المغربي انتقادات شعبية بسبب الاكتفاء ببيان مقتضب صدر عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، يُعلن مصرع 14 شخصًا فقط، من دون توجيه تعازٍ رسمية وعمومية إلى عائلات المفقودين.

الأصداء الجيوسياسية

لم تكن أزمة سبتة أزمة ثنائية مغلقة بين الرباط ومدريد، بل جرت قراءتها بتمعّن في عواصم القرار الدولي، حيث تشكّل هذه المنطقة نقطة ارتكاز حيوية للأمن الاستراتيجي والتجارة البحرية في غرب البحر الأبيض المتوسط.

إقرأ على موقع 180  "الإستثناء المغربي" سردية إحتواء.. و"20 فبراير" جذوة لا تنطفىء

جاء رد الفعل الأوروبي متناغمًا مع أدبيات بروكسل المستقرة، إذ أكدت المفوضية الأوروبية دعمها الكامل لإسبانيا، مشدّدة على أن الحدود الفاصلة لمدينتَي سبتة ومليلية تُعدّ «حدودًا خارجية للاتحاد الأوروبي»، لا يمكن التهاون في حمايتها. بيد أن التكتل الأوروبي واصل، في الوقت ذاته، ممارسة أدوار التهدئة الضمنية، حريصًا على التذكير بضرورة إبقاء قنوات الحوار الاستراتيجي مفتوحة مع المغرب. فبروكسل تدرك أن التفريط في الشراكة الأمنية والميدانية مع الرباط سيعني فتح أبواب الهجرة غير النظامية ومخاطر التهريب على مصاريعها نحو باقي العواصم الأوروبية.

أما الإدارة الأميركية، فقد آثرت، عبر وزارة خارجيتها، اتباع نهج التوازن الدقيق ودعوة الطرفين إلى الهدوء وتغليب الحوار الدبلوماسي. وترتكز المقاربة الأميركية على حماية مصالحها الجيوستراتيجية مع كلٍّ من مدريد، الحليف البارز في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، والرباط، الشريك الرئيسي من خارج الناتو وصاحب المبادرات الأمنية الحاسمة في شمال أفريقيا والساحل. لذلك حرصت واشنطن على عدم الخوض علنًا في تفاصيل السيادة، مع التركيز على استقرار غرب المتوسط، لتجنّب أي إرباك قد يمسّ التوازنات العسكرية والأمنية الإقليمية.

الصمت الرسمي والرفض الشعبي

تتجلّى الفرادة البالغة في التعاطي المغربي مع هذه الأزمة من خلال انتهاج مستويين متوازيين ومتمايزين، يعكسان براغماتية وحسابات دقيقة لدى مركز القرار في الرباط، إذ امتنعت الخارجية المغربية عن إصدار أي بيان احتجاج رسمي أو استدعاء للسفير، وذلك لتفادي تصعيد قد يعصف برهانات استراتيجية كبرى، يتقدّمها ملف الشراكة الاقتصادية، من خلال الحفاظ على الميزان التجاري المتنامي وحجم الاستثمارات الإسبانية الضخمة في المغرب.

وكذلك ملف كأس العالم 2030، عبر الالتزام الصارم بالترشيح المشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، الذي يتطلّب أعلى مستويات الاستقرار السياسي والانسجام الدبلوماسي بين العواصم الثلاث.

وصولًا إلى المكسب التاريخي في ملف الصحراء، بالعمل على صيانة موقف مدريد الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، وتجنّب أي تصرّف قد يستغلّه اليمين الإسباني لإعادة العجلة إلى الخلف.

وعلى العكس من التحفّظ الرسمي، انفجرت الغضبة في الشارع السياسي والمدني المغربي، حيث أصدر «تحالف اليسار»، المكوّن من الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديموقراطي، أول رد حزبي مغربي حاسم، واصفًا زيارة العاهل الإسباني لسبتة بـ«الخطوة الاستفزازية والتصعيد غير المقبول ضد المغرب، دولةً وشعبًا»، ومستنكرًا في الوقت ذاته الصمت الحكومي الرسمي.

من جانبها، أطلقت «اللجنة الوطنية للمطالبة بتحرير سبتة ومليلية والجزر الثغورية» بيانات شديدة اللهجة، أكدت فيها أن الممارسات والزيارات السيادية الإسبانية لن تغيّر من الحقيقة التاريخية والجغرافية الراسخة التي تؤكد مغربية المدينتين.

مواقف بروكسل وواشنطن

لم يكن الرد المغربي خاليًا من الإشارات، بل جاء مشفوعًا برسائل رمزية وسياسية عالية النبرة عبر الخطب الملكية الأخيرة للملك محمد السادس. ففي خطابه الموجّه إلى أعضاء البرلمان يوم الجمعة 9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أي قبل أيام قليلة من الزيارة الإسبانية، أراد العاهل المغربي وضع خطوط حمراء أمام أي طرف خارجي، حين صرّح بوضوح بأن المغرب لا يمكن أن يكون موضوع أي ضغط أو تهديد، ولا أي ابتزاز من أي جهة كانت، مشدّدًا على أن الثوابت الترابية والسيادة الوطنية هما المحرّك الأساسي لجميع خيارات المملكة الدبلوماسية.

وبرغم عدم ذكر سبتة ومليلية بالاسم، وفق الأعراف الدبلوماسية المغربية الحذرة، فإن أغلب المراقبين والمحللين أجمعوا على أن الخطاب كان يحمل رسالة تحذيرية إلى مدريد، مفادها أن الاستقرار الحدودي والأمني مرتهن بالاحترام الكامل والشفافية التامة، بعيدًا عن أساليب فرض الأمر الواقع.

تضع هذه الأحداث المركّبة المحللين الاستراتيجيين أمام حقيقة واضحة، تتجلّى في أن التعاطي مع ملف سبتة ومليلية بمنطق الحلول الترقيعية أو التعتيم المتبادل لم يعد ممكنًا. فمن جهة، لا يمكن لمدريد أن تواصل تسويق وجودها السيادي في القارة الأفريقية استنادًا إلى موازين قوى استعمارية قديمة، في وقت تتطلّع فيه الأجيال المغربية الشابة والأفريقية إلى إنهاء جميع مظاهر الوجود الاستعماري في المنطقة.

ومن جهة أخرى، يدرك المغرب أن الذهاب نحو مواجهة مفتوحة ومباشرة مع إسبانيا قد يكلّفه أثمانًا باهظة في علاقاته مع التكتل الأوروبي ككل، ويضرب في العمق مكاسبه التنموية والدبلوماسية.

تُظهر القراءة التحليلية للمواقف الدولية أن بروكسل وواشنطن تراهنان على سيناريو «الاحتماء بالبراغماتية الاقتصادية»، حيث تشكّل الشراكات المتشابكة، وفي مقدمتها تنظيم مونديال 2030 وتوليد الطاقة النظيفة وتوسيع الموانئ، صمّام أمان يمنع الانزلاق نحو المواجهات المسلحة أو القطيعة السياسية.

غير أن هذا الرهان يظل معلّقًا برهان آخر لا يقل أهمية، وهو مدى قدرة القيادتين في الرباط ومدريد على التحلّي بشجاعة التفكير في صياغة «تفاهمات هيكلية هادئة»، تعيد فتح النقاش حول الوضع القانوني والتاريخي للجيبين، بما يضمن الحقوق الترابية الشاملة للمغرب وتطلعاته الاستراتيجية، ويحفظ في الوقت ذاته مصالح السكان وحقوقهم والتوازنات الإقليمية برمّتها.

من هنا، تثبت أزمة أكتوبر/تشرين الأول 2026 أن ملف الثغور الشمالية (سبتة ومليلية) سيظل نقطة اشتعال خفية وخط تماس حساسًا بين شمال أفريقيا وجنوب أوروبا. لقد أبانت الأحداث عن مرحلة جديدة من النضج البراغماتي في إدارة الخلافات بين الرباط ومدريد، حيث بات الطرفان يقدّمان المصالح الحيوية الكبرى، كالأمن التجاري وتنظيم المونديال، على المواجهات الدبلوماسية المباشرة.

ومع ذلك، فإن هذا الهدوء الرسمي المحسوب يظل هدوءًا هشًا، إذ إن ملف الهجرة غير النظامية والوضع القانوني والتاريخي للثغور سيبقيان قنبلة موقوتة مرشحة للانفجار في أي لحظة.

إن المستقبل يتطلّب الشجاعة لبناء «تفاهمات هادئة وهيكلية» بين البلدين، تضمن الحقوق التاريخية للمغرب، وتراعي التوازنات الجيوسياسية الإقليمية، وتؤسس لمنطق جديد يتجاوز مخلفات الماضي الاستعماري نحو شراكة متكافئة وحقيقية بين الضفتين.

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الصحافة الاستقصائيّة العربيّة.. حضورٌ باهت في عالمٍ يغرق!*