لا يدير الكونغرس السياسة الخارجية الأميركية، إذ يترك الدستور هذا الشأن للسلطة التنفيذية، وعلى رأسها الرئيس. وعلى عكس أعضاء الكونغرس، الذين يُنتخبون على المستوى المحلي، أي على مستوى الولاية بالنسبة إلى أعضاء مجلس الشيوخ، والدائرة الانتخابية داخل الولاية بالنسبة إلى أعضاء مجلس النواب، لا ينتخب الشعب الأميركي كله، على المستوى الوطني، سوى الرئيس ونائبه.
ومن هنا، يمنح الدستور الرئيس سلطات واسعة، ولا سيما أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية في الوقت نفسه. ولا يمكن للكونغرس منع الرئيس من إصدار أوامر للقوات المسلحة الأميركية بشن هجمات عسكرية على أي دولة، وفي أي وقت يختاره.
ومع استحالة حصول الديموقراطيين على أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز حق النقض (الفيتو) الرئاسي، تبقى تحركات الكونغرس وقراراته المتعلقة بصلاحيات الحرب أو منع بيع الأسلحة رمزية إلى حد كبير.
وعلى سبيل المثال، صوّت مجلس النواب، خلال الأشهر الأخيرة، ثلاث مرات لصالح قرارات ترفض صلاحيات الحرب على إيران، كان آخرها الشهر الماضي، عندما صوّت 220 عضواً (من بينهم سبعة جمهوريين) لصالح القرار، مقابل 204 أعضاء عارضوه. كما سبق أن أقرّ مجلس الشيوخ قراراً مماثلاً في يونيو/حزيران، لكن هذه القرارات لم تغيّر مسار الحرب، وتجاهلها الرئيس ترامب.
أما ما يمكن لأغلبية الديموقراطيين في الكونغرس القيام به، فيتمثل في السيطرة على جدول الأعمال، وتشكيل اللجان، وتحديد المخصصات المالية.
وبعد بدء جلسات الكونغرس الجديد في الثالث من يناير/كانون الثاني 2027، سيقرر الديموقراطيون أي مشروعات القوانين ستُدرج على جدول الأعمال، وأي المسؤولين سيُستدعون، كما سيحددون المخصصات المالية، بما قد يجعل تجاهل الرئيس للكونغرس أكثر صعوبة، ناهيك عن احتمال تصادم الطرفين بشأن مشروعات قوانين الموازنة الفيدرالية، الأمر الذي قد يؤدي إلى إغلاق مؤسسات حكومية أميركية.
ستكون الحرب الأميركية على إيران القضية الأهم التي سيتعرض فيها الكونغرس ذو الأغلبية الديموقراطية لاختبار حقيقي.
ويعتبر معظم الديموقراطيين قرار ترامب بشن الحرب خطأً، ولا سيما أنه لم يستشر الكونغرس بشأنه. لكن الكونغرس لن يُقدم على وقف تمويل عمليات البنتاغون، إذ إن قطع الأموال عن الجنود في جبهات القتال من شأنه تعريض الديموقراطيين لاتهامات بالتخلي عن الجيش. وبدلاً من ذلك، يمكن للكونغرس إقرار تمويل مشروط، يتضمن تخصيص أموال لحماية القوات وتجديد الذخائر، على سبيل المثال.
ولا أنصح بأن تفسّر طهران هزيمة الجمهوريين باعتبارها ضربة لترامب في ما يتعلق بإيران. وعلى العكس من ذلك، أرى أن انتهاء الانتخابات في حد ذاته سيمنح ترامب حرية حركة واسعة لاتخاذ ما يريده من قرارات، من دون تبعات انتخابية مباشرة.
كما أن فترة الشهرين، من الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني إلى الثالث من يناير/كانون الثاني، أي قبل بدء الكونغرس الجديد أعماله، ستكون حاسمة ومغرية للرئيس ترامب لحسم الصراع مع إيران، كما يقول، «مباشرة بعد الانتخابات»، سلماً أو حرباً، وقبل انتقال الأغلبية في الكونغرس إلى الديموقراطيين.
إلا أن التحول الأهم مع الكونغرس الجديد سيتعلق بالعلاقات مع إسرائيل.
ففي أبريل/نيسان الماضي، صوّت 40 من أصل 47 ديموقراطياً في مجلس الشيوخ لحظر بيع جرافات للجيش الإسرائيلي، كما اعترض 36 عضواً على بيع قنابل ضخمة لإسرائيل. وقبل سنوات، كان من المستحيل تصور تصويت نحو 85% من الديموقراطيين في مجلس الشيوخ ضد صفقة أسلحة لإسرائيل.
ومع حصولهم على الأغلبية في الكونغرس الجديد، سيتمكن الديموقراطيون من عقد جلسات استماع بشأن استخدام الأسلحة الأميركية في تدمير قطاع غزة وجنوب لبنان. وسيعملون على إبطاء مراجعة مبيعات الأسلحة الجديدة، وربما عرقلة تجديد اتفاقية المساعدات الأميركية ـ الإسرائيلية التي تنتهي عام 2028.
إلا أنه، مع بقاء قادة الحزب التقليديين، مثل السيناتور تشاك شومر زعيماً للديموقراطيين في مجلس الشيوخ، والنائب حكيم جيفريز رئيساً لمجلس النواب، لا يُتوقع أن ينقلب الحزب الديموقراطي على إسرائيل، وستقتصر التغييرات على بعض النقاط الشكلية والرمزية.
ومع تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، قد يختار الديموقراطيون فتح صفحة جديدة مع إسرائيل في حال خسارة بنيامين نتنياهو منصبه. أما إذا بقي نتنياهو في منصبه، فمن المرجح أن تزداد الاحتكاكات بين الكونغرس والحكومة الإسرائيلية.
وفي ما يتعلق باليمن، سيكون الكونغرس الديموقراطي أكثر تشككاً في أي دور عسكري أميركي في النزاع.
وسبق أن أقرّ الكونغرس، عام 2019، قراراً بشأن صلاحيات الحرب، يقضي بإنهاء دعم الحملة التي تقودها السعودية، لكن ترامب رفضه ولجأ إلى حق النقض.
ومع تغيّر واقع الصراع، في ظل سيطرة جماعة الحوثيين على باب المندب، وتهديد حركة الشحن العالمية، واضطراب صادرات النفط السعودية، بالتزامن مع عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، سيتفهم الكونغرس منطق شن عمليات عسكرية بحرية للحفاظ على مضيق باب المندب مفتوحاً.
وسترافق ذلك مطالب متزايدة بتقديم مساعدات إغاثية لليمن، مع زيادة الضغط للتوصل إلى تسوية سياسية للحرب الأهلية اليمنية، بدلاً من المشاركة في هجمات سعودية مفتوحة ضد الحوثيين أو دعمها.
إن فوز الديموقراطيين في كلا المجلسين لن ينهي الحرب على إيران، ولن يعيد بناء قطاع غزة، ولن يحل أزمة اليمن.
وأكبر ما يمكن توقعه هو انتهاء الدعم غير المشروط الذي يقدمه الكونغرس لسياسة إدارة ترامب في الشرق الأوسط، وحلول كونغرس يرغب في ربط هذا الدعم بشروط، بما قد يقلل من مخاطر الحرب المفتوحة مع إيران، أو يضع بعض القيود على دعم إسرائيل.
وستعتمد سرعة هذا التغيير وحجمه داخل الكونغرس أيضاً على مدى وحدة الحزب الديموقراطي، المنقسم بين التقليديين والتقدميين بشأن إسرائيل، وحروب واشنطن في الشرق الأوسط.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
