انتخابات الكنيست: هل ينتقل العرب من الاعتراض إلى القرار؟

لا تقتصر أهمية انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة يوم الثلاء المقبل على التنافس بين الأحزاب للفوز بالمقاعد البرلمانية، بل تتجاوز ذلك إلى الصراع على طبيعة النظام السياسي، وحدود المشاركة في السلطة، وموقع المواطنين العرب في معادلات الحكم وصناعة القرار. ففي ظل نظام يقوم على التعددية الحزبية والائتلافات الحكومية، لا تتحدد موازين القوى بعدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب فحسب، وإنما بقدرته على التحول إلى شريك ضروري في تشكيل الحكومة.

من هذه الزاوية، تبرز أهمية تجربة منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة “رعم”، بوصفها نموذجًا يكشف التداخل بين الحسابات الانتخابية والاعتبارات القومية والاجتماعية، ويطرح تساؤلات جوهرية بشأن إمكان بناء شراكة سياسية عربية يهودية داخل إسرائيل؛ فإذا استطاعت الأحزاب العربية توظيف وزنها الانتخابي، قد يتجاوز الأمر حجم تمثيلها العددي (بين 14 و16 مقعداً)، ولا سيما في لحظة تتعذر فيها على القوى المتنافسة تشكيل أغلبية برلمانية مستقرة. فالتعددية الحزبية تجعل بعض الأحزاب الصغيرة نسبيًا قادرة على التأثير في هوية الحكومة المقبلة وبرنامجها، خصوصًا عندما تتقارب موازين القوى بين المعسكرات السياسية. وفي هذا السياق، تتحوّل إمكانية ترجيح كفة أحد المعسكرين إلى مصدر نفوذ يتيح للحزب العربي الانتقال من موقع الاعتراض على السياسات الحكومية إلى موقع المساهمة في تحديدها.

غير أن هذا التحول يصطدم بإرث طويل من التوتر بين المشاركة السياسية العربية ومواقف الأحزاب الصهيونية من قضايا الهوية الوطنية الفلسطينية. فقد اعتادت أحزاب عربية التعامل مع الحكومات الإسرائيلية من خارج السلطة، انطلاقًا من اعتبار المشاركة فيها تنازلًا سياسيًا قد يضعف قدرتها على الاعتراض على السياسات الرسمية. في المقابل، يتبنى منصور عباس مقاربة ترى أن البقاء خارج المؤسسات التنفيذية يحد من فرص معالجة المشكلات اليومية للمواطنين العرب، وأن النفوذ البرلماني يمكن أن يتحول إلى أدوات عملية لتحسين ظروفهم المعيشية والأمنية. وبذلك يصبح الخلاف داخل السياسة العربية الإسرائيلية متعلقًا بجدوى المشاركة وشروطها، وليس الاختلاف في الأساليب الانتخابية فقط.

وتكشف الأولويات التي يطرحها عباس عن محاولة لإعادة تعريف الوظيفة السياسية للتمثيل العربي. فالجريمة المنظمة، وتصاعد جرائم القتل، والابتزاز، والتمييز في الإسكان، تمثل قضايا تمس الأمن الشخصي والاستقرار الاجتماعي للمواطنين العرب بصورة مباشرة. ومن هذا المنطلق، يسعى إلى تقديم المشاركة الحكومية باعتبارها وسيلة للحصول على الموارد والصلاحيات اللازمة لمعالجة هذه الأزمات، بدل الاكتفاء بإدانتها من موقع المعارضة. وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من ارتباطها بمطالب ملموسة لدى قطاعات من المجتمع العربي، ترى أن حماية الأرواح وتوفير الأمن والحد من التهميش ينبغي أن تكون في صدارة العمل السياسي.

لكن التركيز على المطالب المدنية والاجتماعية يضع عباس أمام معضلة تتصل بالعلاقة بين المواطنة داخل إسرائيل والانتماء إلى القضية الفلسطينية. فالمواطنون العرب لا يعيشون منفصلين عن التطورات في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أن الحرب والعنف والتوترات القومية تؤثر في نظرتهم إلى المؤسسات الإسرائيلية وإلى إمكان بناء الثقة معها. ولذلك فإن حصر الخطاب السياسي في القضايا الداخلية، أو تجنب المواقف الواضحة من الحرب والحقوق الفلسطينية لتسهيل التحالفات الحكومية، قد يحقق مكاسب تفاوضية محتملة، لكنه يثير في المقابل مخاوف من تراجع التمثيل السياسي للهوية الوطنية والحقوق الجماعية. وتتمثل المعضلة هنا في كيفية الجمع بين تحسين شروط الحياة اليومية والحفاظ على موقف سياسي لا يتجاهل السياق الفلسطيني الأوسع.

وتزداد هذه المعضلة وضوحًا عندما يصبح عباس هدفًا لهجمات متعارضة. فاليمين الإسرائيلي الحاكم أو المعارض يستخدم احتمال مشاركة حزب عربي في الحكومة لتعبئة الناخبين حول مخاوف تتعلق بالهوية والأمن. في المقابل، ترى قوى عربية أن الانخراط في ائتلاف تقوده أحزاب صهيونية قد يفرض تنازلات تتجاوز الحدود المقبولة. ويكشف هذا التناقض أن قبول المشاركة العربية لا يرتبط فقط بقدرة الأحزاب على التفاوض، بل يتأثر أيضًا بتصورات متجذرة حول من يحق له ممارسة السلطة، وبمدى استعداد القوى السياسية الإسرائيلية للاعتراف بالمواطنين العرب شركاء في صوغ السياسات العامة.

وفي هذا الإطار، يحمل التحالف بين عباس ويوآف سيغالوفيتش، القائد السابق في الشرطة الاسرائيلية، دلالة سياسية تتجاوز التعاون الانتخابي المباشر. فالجمع بين سياسي عربي إسلامي وآخر يهودي من تيار الوسط، ارتبط نشاطه بمكافحة الجريمة في المجتمع العربي، يعكس محاولة لربط المصالح الاجتماعية المشتركة بتفاهم سياسي أوسع. كما يتيح هذا التحالف اختبار إمكان التعاون برغم الاختلافات الأيديولوجية والدينية والاجتماعية. إلا أن وجود مرشحين من خلفيات متباينة على قائمة واحدة لا يكفي وحده لتأسيس شراكة متكافئة؛ إذ يتوقف نجاحها على قدرتها على تحويل التفاهم الانتخابي إلى التزامات واضحة، وعلى احترام الاختلافات من دون مطالبة أحد الطرفين بالتخلي عن هويته أو قضاياه الأساسية.

لذلك؛ فإن انتخابات الكنيست تمثل اختبارًا مزدوجًا لقدرة الأحزاب العربية على تحويل تمثيلها البرلماني إلى نفوذ مؤثر، واختبارًا لاستعداد النظام السياسي الإسرائيلي لاستيعاب هذا النفوذ بوصفه جزءًا مشروعًا من التنافس الديموقراطي. ولا يمكن قياس نجاح تجربة عباس بعدد المقاعد أو المشاركة في الحكومة، بل ينبغي النظر أيضًا إلى النتائج الفعلية في مكافحة الجريمة والحد من التمييز وتوسيع فرص المشاركة، وإلى مدى حفاظها على الصلة بين المطالب المدنية والحقوق الوطنية. فالشراكة تتطلب ثقة متبادلة ومصالح قابلة للتحقق وقبولًا بحق الاختلاف. ومن ثم، فإن الدلالة الأعمق لهذه الانتخابات تكمن في ما إذا كانت ستفتح المجال أمام انتقال المواطنين العرب من موقع التأثير الظرفي في تشكيل الحكومات إلى موقع المشاركة المستدامة في صنع القرار، أم ستظل شراكتهم رهينة الحسابات الانتخابية المتغيرة ومخاوف القوى السياسية من كلفة الاعتراف المتبادل؟

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  حماس و"اليوم التالي": العودة للجذور.. "نتحكّم.. ولا نحكُم"
داود رمال

كاتب وباحث لبناني

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  كوخافي في واشنطن: إيران، حزب الله، لبنان والصواريخ الدقيقة