إسرائيل تنتخب.. خوفٌ من نتنياهو وعجزٌ عن ايجاد بديله

لا تبدو انتخابات الكنيست الإسرائيلي، مجرد مواجهة بين بنيامين نتنياهو وخصومه على مقاعد البرلمان وتشكيل الحكومة المقبلة. ففي قراءات عدد من أبرز كتّاب الصحافة الإسرائيلية، تتجاوز المعركة مسألة بقاء رئيس الوزراء أو رحيله، لتلامس أسئلة أكثر عمقاً تتعلق بهوية الدولة ومستقبل مؤسساتها، وحدود العلاقة بين الدين والسياسة، وكلفة الحروب المتواصلة، وصولاً إلى الهجرة والمخاوف على مستقبل المجتمع الإسرائيلي نفسه. واللافت للانتباه أن هذه المخاوف لا تصدر حصراً عن كتّاب محسوبين على اليسار، بل يتقاطع فيها ليبراليون وشخصيات أمنية وسياسية تنتمي إلى اليمين أو خرجت من صفوفه.

في هذا السياق، ناشدت وزيرة الخارجية السابقة، والمرشحة اليمينية السابقة لرئاسة الحكومة، تسيبي ليفني، الإسرائيليين ضرورة المشاركة في الاقتراع، وتقول في مقالة نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، بعنوان: «إنهم يقودوننا إلى الهاوية: اخرج وصوّت»: «سمعتُ من يقول: لكن صوتنا لا يؤثّر. متى سنعرف أن صوتنا يغيّر الواقع حقاً؟ حسناً، الجواب هو: الآن، هنا والآن»، وتضيف الوزيرة السابقة «أن حكومة تحاول إسكات الناس، وتتحرك ضد النساء، وضد أفراد مجتمع المثليين، وبالتأكيد ضد المواطنين العرب في إسرائيل، تدمّر نظام إنفاذ القانون المصمّم لحمايتنا نحن، مواطني إسرائيل».

التوجيه الإلهي.. “دمار لليهود”

بدوره، يرى المحلل الإسرائيلي ميخائيل ميلشتاين، في مقالة نشرها في “يديعوت”، أن «الإسرائيليين سيُطلب منهم غداً (اليوم) تحديد صورة دولتهم. لقد تقرر الآن، حتى من دون استشارتهم، وفي محاولة لإقناعهم بأن كل من يخالفهم الرأي هو فلسطيني، أنهم يسيرون نحو فرض السيادة على يهودا والسامرة، ما يعني الإطاحة بالسلطة الفلسطينية وابتلاع ثلاثة ملايين فلسطيني، تمهيداً لمزيد من المغامرات الأيديولوجية المبنية على الأوهام والاعتقاد بأن الرب سينصرهم، وأن رأي العالم لا قيمة له».

ويضيف ميلشتاين: «كل هذا في ظل شنّ حروب مستمرة على جميع الجبهات، واختلاق تهديدات لتأجيجها، بروح إسبرطة الخارقة. ستصبح إسرائيل كياناً منبوذاً ومتطرفاً ومريباً، أشبه بمزيج من كوريا الشمالية وألبانيا في الماضي».

ثم يعود ميلشتاين ليحذّر من «التوجيه الإلهي» لسياسات الحكومة، قائلاً: «كلما ازداد الجو تشبّعاً بنزع الشرعية عن المعارضين، والادعاءات بالتوجيه الإلهي، والنظر إلى السياسات المختلفة على أنها تعرقل طريق الخلاص، ازداد خطر الانزلاق إلى صراعات مريرة من النوع الذي جلب الدمار لليهود عبر التاريخ».

حكومة الوحدة.. “حفّاضة طفل”!

أما ناحوم برنياع، الحائز على جائزة إسرائيل في مجال الإعلام عام 2007، والذي اختير، وفق استطلاع نُشر عام 1998، الصحافي الأكثر تأثيراً في إسرائيل خلال السنوات الخمسين الأولى من قيامها، فيرى، في مقالته المنشورة في «يديعوت أحرونوت»، أن مهمة الانتخابات تتعلق بمسألة وجودية. ويقول: «هناك مهمة يجب إنجازها، وما عداها غير مهم. يجب أن ترحل هذه الحكومة. ليس بسبب الماضي، مع أن الضرر الذي ألحقه هؤلاء الأشخاص في أربع سنوات من الحكم كان كافياً لمنعهم من تولّي أي منصب عام، بل بسبب المستقبل. إنها مسألة وجودية».

ويحذّر برنياع أيضاً من تشكيل حكومة وحدة وطنية، مشبّهاً إياها بـ«حفّاضة الطفل، تكون دافئة وجافة في البداية، ثم باردة ورطبة لاحقاً».

من جهته، يستغرب نحميا شترسلر، في مقالة نشرها في صحيفة «هآرتس»، إمكان فوز نتنياهو مجدداً، قائلاً: «يصعب تصديق أن هذا هو الواقع. يصعب تصديق أن الشخص الأكثر مسؤولية، والجاني الرئيسي في مذبحة 7 تشرين الأول/أكتوبر، ما زال بإمكانه الفوز يوم الثلاثاء. يصعب تصديق أن نتنياهو يترشح لرئاسة الحكومة رغم وصمة العار التي تلاحقه. يصعب استيعاب أن شخصاً فشل في هزيمة إيران وحزب الله وحماس ما زال يتشبث بزمام السلطة. يصعب استيعاب أن شخصاً مسؤولاً عن تحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة، بما في ذلك خطر حقيقي بفرض عقوبات أوروبية عليها وخفض المساعدة الأمنية الأميركية، يُعتبر مرشحاً شرعياً. يستحيل تصديق أن شخصاً يزرع الكراهية بين فئات الشعب، ويدعم منح إعفاءات للحريديم، ولا يتحرك ضد المشاغبين في الضفة الغربية، سيستمر في دفعنا نحو الهاوية». ويختتم شترسلر مقالته بحثّ الناخبين على المشاركة في الاقتراع لإسقاط نتنياهو، مستحضراً مقولة شهيرة مفادها «الحكومة السيئة ينتخبها أناس طيبون لم يذهبوا للتصويت».

الحريديم.. والهجرة العكسية

ويقارب تساحي هنغبي، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق، موضوع الانتخابات من زاوية إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية الإلزامية، وذلك في مقالة في «يديعوت أحرونوت» تحت عنوان: «لن أصوّت لحزب الليكود في الانتخابات». ويقول هنغبي: «يصعب عليّ أن أفهم كيف يبرّر اليمينيون دعمهم لمنح شريحة كبيرة من المجتمع إعفاءً جماعياً من الخدمة العسكرية والمدنية. وما دامت الأحزاب اليمينية تتغاضى عن شركائها السياسيين الذين يدعون إلى إلقاء أوامر الالتحاق بالخدمة العسكرية في المرحاض، ويقسمون بأعلى أصواتهم: سنموت ولن نلتحق بالخدمة العسكرية، فلا مكان لي بينها».

واللافت للانتباه أن هنغبي ينتمي إلى عائلة ذات جذور راسخة في الليكود؛ فوالدته، غئولا كوهين، شغلت مقعداً في الكنيست عن الحزب، قبل أن تنشق عنه وتشارك في تأسيس حزب «هتحيا».

وفي مقاربة مختلفة، تناول الصحافي الاقتصادي ليئور ديتال، في «هآرتس»، الانتخابات من زاوية انعكاساتها الاقتصادية، ولا سيما ظاهرة الهجرة العكسية، ويؤكد أن «الانتخابات تُعتبر حدثاً محورياً، وستؤثر نتائجها في قرار كثيرين البقاء أو الرحيل»، ويشير إلى أن «عدد الإسرائيليين العائدين إلى إسرائيل خلال الفترة 2023–2024 هو الأدنى منذ عام 2009، وأن العجز في ميزان الهجرة هو الأسوأ منذ ذلك العام»، في إشارة إلى اتساع الفارق بين أعداد المغادرين والعائدين.

إقرأ على موقع 180  ما بعد العدوان الإسرائيلي.. إيران بمنازل إصلاحية وأصولية!

ثلاثة سيناريوهات للحكومة المقبلة

بدورها، تستشرف سيما كدمون، في «يديعوت أحرونوت»، ثلاثة سيناريوهات تصفها بالكارثية وتلوح في الأفق: «حكومة أقلية، أو حكومة وحدة وطنية مشلولة، أو إعادة الانتخابات. ثلاثة خيارات، إما أن تبقى فيها الحكومة الكارثية قائمة، أو تُشكّل حكومة ضعيفة أيامها معدودة».

وتضيف الكاتبة: «ما سنحمله معنا هو الإدراك أن على الأغلبية المعتدلة هذه المرة أن تنحاز: دولة ضعيفة تغرق في الدماء، أم دولة لديها فرصة؟ وأي ورقة اقتراع ستمنحها أغلبية ساحقة؟ ورقة اقتراع تعزّز الكتلة، لا ورقة تُرمى في سلة المهملات من دون الوصول إلى العتبة الانتخابية».

حكومة بثلاث لاءات

أما الصحافي أفرايم غانور، فيتطلع، في مقالة نشرها في صحيفة «معاريف»، إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطني خارج السيناريوهات المطروحة، مشترطاً ألّا تضم نتنياهو، ولا الأحزاب العربية، ولا الحريديم، وإنما أن تحمل أفقاً جديداً وأملاً جديداً، ويختتم مقالته برهان سياسي، قائلاً: «أراهن على أنه لو كان نتنياهو يقف أمام معضلة إشراك العرب لتحقيق هذا الهدف، فإن أبا يائير (نتنياهو) ما كان ليتردد لحظة في ضم الأحزاب العربية لتحقيق هدفه».

في الخلاصة، تكشف هذه القراءات أن الخوف من استمرار نتنياهو في السلطة بات، لدى قطاع من النخب الإسرائيلية، يتجاوز الحسابات الحزبية إلى القلق على مستقبل الدولة نفسها. لكن المفارقة أن هذا الالتقاء على ضرورة التغيير لا يقابله بالضرورة اتفاق على البديل، ولا على السياسات المتبعة تجاه الفلسطينيين أو إيران أو بقية المنطقة. فبين الدعوة إلى حكومة إنقاذ وطني، والخشية من حكومة وحدة مشلولة، واحتمال إعادة الانتخابات، يبدو أن إزاحة نتنياهو قد تكون، بالنسبة إلى خصومه، أسهل من الاتفاق على ما ينبغي أن يأتي بعده. ولعلّ ما تكشفه هذه الانتخابات، في ضوء هذه الأصوات الإسرائيلية، أن أزمة إسرائيل ليست محصورة في شخص رئيس حكومتها، بل تمتد إلى تناقضات داخل بنيتها السياسية والمجتمعية، وإلى سؤال لم تحسمه صناديق الاقتراع حتى الآن: هل يكفي تغيير اسم الحاكم لتغيير المسار، أم أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير؟ (المصادر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عرب 48، مركز الناطور، القدس العربي، والأيام الفلسطينية).

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  العلاقات المصرية - الإسرائيلية.. وشرط العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن والقاهرة!