كانت «الأحد»، منشوراً ثورياً، وصاحبها أقوى «معارض» لتحوّلها إلى مجلة. كان رياض طه من مدرسة تعتبر المقالة المعبّرة عن موقف «ثوري» حاسم هي الأساس في العمل الصحافي.. أما بقية الصفحات فمن باب استكمال الإطار المهني للموقف. وبالتالي، فالمهم هو الغلاف والمقال الافتتاحي، ومن ثم تأتي المقالات الخفيفة التي استعان لإبداعها بكلٍّ من لويس الحاج، الذي كان يتمتع بروح فكاهة مميزة تعوّض عن صرامته في «النهار»، وإلى جانبه جوّاب الآفاق والظريف بالسليقة معروف سويد.. مع باقة شعرية من موسى الزين شرارة، بين الحين والآخر.
لم تكن للمجلة هيئة تحرير مستقلة ومحدّدة مهامّ كل أعضائها. كان علي جمال الدين، الوافد من مصر بخبرة ثمينة في الإخراج، يتحمّل المسؤولية بحكم الضرورة لا برغبته، علماً بأنه يملك الكفاءة ليكون رئيساً للتحرير، لكنه لم يرغب في ذلك، ولا كانت «مصريّته» تسمح له بممارسة المهام بصلاحيات تتناسب مع مسؤوليته.
أما أسرة التحرير فكانت معدودة بأشخاصها ومحدودة بكفاءاتهم. كان من بينهم إلياس عبود، وهو محقّق جيد، لكن «شيوعيّته» كانت تجعله موضع رقابة مفتوحة. وكان سعيد صعب، الذي يتقن لغات عدة، يتبرّع ببعض جهده للمجلة مقابل «بطحات العرق» التي يستهلكها يومياً كي يستطيع أن ينتج مادة خاصة لها، كما كان يقول، بعد فراغه من عمله في «الكفاح العربي». وكان محمد باقر شري، الذي ينظر إلى نفسه ككاتب مميز، «يتبرّع» لها بمقال، في حين كان عبد الخالق محفوظ، وهو صديق رياض طه ورفيق نضاله والداعية المتحمّس لانتخابه نائباً، يقوم بدور مسؤول العلاقات العامة (لا سيما مع ناخبي منطقة بعلبك ـ الهرمل)، والمكلّف باستقبال الزوار من أهل تلك المنطقة وتلبية احتياجاتهم التي لا تنتهي.
***
بالمقابل، كانت «الكفاح العربي» تعجّ بالكفاءات المهنية، خصوصاً أنها صدرت بصيغة جديدة نسبياً، وفرضت نفسها منافساً لجريدة «النهار» العريقة، ومعها جريدة «الحياة» ذات الأسلوب المميز والعلاقات العربية الخاصة مع المعسكر العربي المناوئ لحركة القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر. وكان فؤاد مطر هو «المندوب المتجوّل» الذي ما يكاد يعود من رحلة لتغطية الأحداث حتى يطير إلى جهة أخرى، وإن ظلّت القاهرة محطته الدائمة.
وكان على «الكفاح» أن تخوض منافسة ضارية مع جريدة «الأنوار» التي أصدرها سعيد فريحة، مع إطلالة «العهد الجديد» في لبنان بقيادة اللواء فؤاد شهاب.. فلهما الولاء السياسي ذاته مع اختلاف واضح في الأسلوب، إذ كانت «الأنوار» من مدرسة «أخبار اليوم» في مصر، بينما «الكفاح» أقرب إلى نموذج «الأهرام» من دون أستاذها هيكل.
وبالإجمال، كانت الصحافة اللبنانية تعيش أزهى حالاتها في ظل الصراع السياسي المحتدم في المنطقة بين أكثرية شعبية مطلقة يمثّلها التيار العروبي بقيادة جمال عبد الناصر، ومعه ـ بدايةً ـ حزب البعث وحركة القوميين العرب والجمهور العريض الذي كان ينظر إلى رئيس دولة الوحدة على أنه معقد الآمال في التحرر والتقدم ومواجهة المشروع الإسرائيلي في المنطقة، وبين أقلية غربية الهوى «ملكية» الولاء، كانت تتوزع بين عراق الحكم الهاشمي ومملكة آل سعود، مع انعطافة في اتجاه المملكة الأردنية وسائر معارضي عبد الناصر والحركة العربية.
من بين ما أبدعه علي جمال الدين في «الأحد» إنتاج صفحتين تعرضان «ثلاث وجهات نظر»، ينتقي مادتهما ورسومهما الكاريكاتورية من الصحف والمجلات العربية والشرقية (السوفياتية) والغربية (أميركية وبريطانية وفرنسية).. وهكذا يتيسّر للقارئ أن يطّلع على مواقف المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي، ثم على رأي مجموعة عدم الانحياز التي كانت قد باتت محوراً مهماً في السياسات الدولية.
***
ذات يوم، دخل على الفتى في مكتبه شاب يدرس الفن في أكاديمية أليكسي بطرس.
قال: أنا ابن زميل أبيك الدركي علي ماضي، وقد خدما معاً في طرابلس، فلمّا عرفت أنك في «الأحد» هنا، ومكاتبها قريبة جداً من الأكاديمية، جئت للسلام عليك.
صارا صديقين بسرعة، فالفقراء من الناس المنسيين إخوة، وابن شبعا لا يختلف كثيراً عن ابن شمسطار في مواقفه السياسية وشعوره المعتّق بالغبن وإنكار مواطنيته. ثم إن الفتى كان يعشق الرسم، وإن لم يقاربه أبداً ولم يفهمه غالباً، لكنه يفترض أنه يرى في اللوحات عواطف الرسام أو رؤاه التجريدية لأفكاره.
في الزيارة الثانية، جاء حسين ماضي ومعه موسى طيبا، ابن قانا، وفي الثالثة جاء ومعه محمد قدورة البيروتي، ابن عين المريسة، وهو وجيه في أناقته وفي سلوكه. ثم جاء أيضاً مصطفى حيدر وحسين بدر الدين. وتحوّل مكتب الفتى في العَصاري إلى منتدى فني تدور فيه المناقشات حول كبار الفنانين ولوحاتهم الشهيرة، كما حول الأساتذة الذين يدرّسونهم، ثم حول الفتيات اللواتي يقمن بدور «الموديل» واللواتي يقفن عاريات أمام هؤلاء الفتية الذين يأتون ـ بأغلبية من عرف منهم ـ من الأرياف التي عُرف أهلها بالمحافظة إلى حد التزمّت، والذين يغضّون أطرافهم إذا ما مرّت بهم النساء، لأن النظر إليهن يراوح بين «العيب» و«الحرام».
يوماً بعد يوم، توثّقت العلاقة بين هؤلاء الموهوبين الفقراء وبين الفتى الذي وجد نفسه ـ فجأة ـ الغني الوحيد بينهم، إذا ما استثنينا قدورة. وكثيراً ما جاء بعضهم عند العصر، فدهموا الفتى وهو يهمّ بتناول غداء اشتراه من مطعم كان إلى جانب سينما دنيا في شارع بشارة الخوري، غير بعيد عن ساحة الشهداء، اشتهر بأنه كان يبيع الوجبات الساخنة في أنصاف صحون! وكان بديهياً أن تتزايد أنصاف الصحون بالأطعمة المختلفة، وأن تتأثر «ميزانية» الفتى بهذا الإنفاق الطارئ الذي يتجاوز قدرته. وهكذا فقد استولد حلّ «الكعك بسمسم»، وكان ثمة بائع يتّخذ من شارع مار منصور، تحت مكاتب «دار الكفاح»، مركزاً استراتيجياً له… فصار الفتى زبونه الأول، خصوصاً مع تزايد أعداد ضيوفه من الرسامين الذين وعدوا بأن يقايضوه طعامهم بلوحات ستزداد قيمتها مع الأيام فتجعله ثرياً، أو تحوّل بيته إلى «متحف».
تلقّى الفتى، من حيث لا يقصد، دروساً جعلته يفهم الفوارق بين الرسم بالزيت والرسم بالألوان المائية (الأكواريل)… ونال حصصاً تثقيفية عن كبار الفنانين ولوحاتهم التي تُعتبر من الروائع عالمياً.
ثم اقتحم المجموعة إبراهيم مرزوق بمواصفاته القيادية. كان أكثرهم صراحة في التعبير عن رأيه السياسي الذي يشفّ عن ثقافة مكتسبة بالقراءة وبعض الممارسة، ثم سرعان ما تبيّن أن له اهتمامات موسيقية، وأن لديه «مكتبة» غنية بالأسطوانات والتسجيلات، بعضها نادر. وأفاد الفتى من هذا الفنان الموهوب وثقافته الموسيقية، فعرف الكثير عن محمد عثمان، وعن صالح عبد الحي، وعن سيد درويش وزكريا أحمد ومحمد القصبجي، والألحان الرائعة المهجورة لأنها صعبة الأداء على المطربين من متعجّلي الشهرة والثراء.
***
صار للفتى محيط فني ممتاز تدور فيه الأحاديث عن الرسم واللوحات وعباقرة المثّالين والنحّاتين والرسامين، ثم عن الموسيقى والفروق بين الغربية منها والشرقية، وموقع ربع الصوت في الغناء الذي يأخذ إلى الطرب.
ذات ليلة، جاء محمد قدورة يدعوه إلى سهرة على صخور عين المريسة، عند الخليج الذي كان يعتبره من أملاكه، لأن أهله يملكون عقارات فوق الطريق الذي سيغدو في ما بعد كورنيش المنارة. ولبّى النداء طبعاً، وذهب فإذا «النصاب» شبه كامل، وإذا مع إبراهيم مرزوق عود عتيق، سرعان ما احتضنه وانطلق يغني بعض الطقاطيق قبل أن يترك المساحة لصوت البحر، تمهيداً لأن يتدفّق طرباً مع أغنية «كادني الهوى» لمحمد عثمان.
كان الجو منعشاً، وفي الفواصل بين الوصلات تأتيهم تنهّدات البحر نديّة، ويغمرهم مرح طفولي، بينما محمد قدورة ـ بأناقته الفائقة ـ يقوم بدور صاحب البحر، مع أن كلاً منهم جاء بما أمكنه شراؤه من لوازم السهرة الفقيرة إلا بالطرب والروح الوثّابة لشباب يهمّون باقتحام المستقبل بإراداتهم وبقدراتهم الذاتية، حيث لا نصير ولا معين.
كان حسين ماضي أميلهم إلى الصمت، إلا حين تعجبه طرفة فتدوّي قهقهاته، في حين كان موسى طيبا يتحدث بلغة أقرب إلى الأرمنية، وإن استطاع التعبير عن طموحه إلى العالمية. أما مصطفى حيدر فكان يريدهم أن يدلّلوه بوصفه أصغرهم… ولذلك فهو يتقرّب إلى إبراهيم مرزوق بوصفه «الزعيم»…
مع نهاية السهرة البحرية، تعاهدوا أن يجعلوها دورية، أو أقله مرة في الشهر، «عندما تقبض مرتبك وقبل أن تصرفه بالمفرّق علينا»، على حد ما قالوه للفتى الذي صار «صديقهم الكبير».
ذات صباح، أرسل رياض طه في طلب «الفتى»، وحين دخل مكتبه وجد لديه شاباً في عينيه مزيج من القلق واللهفة وبريق الموهبة.
قال رياض طه: لقد جاءني هذا الشاب بقصيدة ممتازة عن جمال عبد الناصر، وبالتأكيد ستعطيها المكان اللائق بها على صفحات «الأحد».
هزّ الفتى رأسه إيجاباً، وعاد ينظر إلى الشاب محاولاً استقراء أسباب قلقه، عندما سمع صوت رياض طه مجدداً وهو يقول: لقد كان هذا الشاب شيوعياً. وهو قد درس الحقوق في جامعة دمشق، لكنه صاحب موهبة، فهو شاعر بالسليقة كما أقدّر.. أما القصيدة فهي بمثابة إعلان توبة من الشيوعية والعودة إلى رحاب العروبة.
همّ الفتى بأن يخرج، فاستوقفه رياض طه قائلاً: لعلّك تحتاج هذا الشاعر معك في «الأحد». ربما ساعدك في أبواب الثقافة، شعراً وقصة ورواية ونقداً. لا تنسَ أنني حاولت في شبابي الأول أن أكون شاعراً!
عاد الفتى إلى مكتبه وبصحبته هذا المناضل الذي فُرضت عليه «التوبة»، فقرّر أن يبحث لنفسه عن فرصة عمل تبقيه في بيروت، حتى لا يتعرّض مرة أخرى للاعتقال، ومن ثم الاعتذار عمّا تقدّم من ذنوبه وما تأخّر.
طلب فنجانين من القهوة، ورحّب بضيفه مضيفاً أنه يسعى لأن يتذوّق الشعر، لأنه يرى فيه سحر اللغة وغذاء الروح، لا سيما متى أبدعه أصحاب الموهبة والرؤى السحرية.
قال رفيق خوري إنه من مشتى الحلو، وهي قرية جميلة تطلّ على الساحل السوري، وإنه نشأ شيوعياً، لأن الماركسية قد استهوته إذ رأى فيها احتراماً لإنسانية الإنسان وتحريضاً له على التخلّص من نير الفقر والاستبداد والتخلّف. وإنه لم يكن يتّخذ موقفاً معادياً لجمال عبد الناصر أو حتى لدولة الوحدة، لكن للمخابرات رأياً آخر.. وهكذا فقد أوقفوه وطلبوا إليه إعلان توبته، وإلا فلسوف يُمنع من مزاولة مهنة المحاماة التي أمضى من أجلها أربع سنوات في كلية الحقوق.
قال الفتى: أهلاً بك معنا. إننا بحاجة إلى مثلك، فنحن في هذه المجلة قلّة قليلة، ولسوف تسدّ فراغاً مهماً إذا أنت اعتنيت بالشأن الثقافي. وأما المرتّب فلستُ من يقرّره، وإن كنت سأسعى لأن يكون مقبولاً.
ولم يتأخّر رفيق خوري في مباشرة العمل. وكان أول ما اقترحه زاوية لعرض الكتب الصادرة حديثاً بعنوان «خبز المطابع». ثم أبدى استعداده لأن يسعى ـ بصحبته أول الأمر ـ لمحاورة الأدباء والشعراء والفنانين أيضاً.
***
بعد أسابيع قليلة، جاء المطرب المصري المميّز محمد عبد المطلب للغناء في مسرح فاروق، الذي كان في ساحة البرج، مقابل تمثال الشهداء الآن تقريباً. قال الفتى لزميله رفيق خوري الذي سيغدو صديقه: ما رأيك في أن نذهب بعد أن نفرغ من العمل لسماع عبد المطلب؟ وسأل رفيق: هل أنت جاد؟ وهل معك ما يكفي؟! قال الفتى: لا أظن الأسعار غالية، ثم إنهم قد يترفقون بنا إذا عرفوا أننا صحافيون، وأننا نذهب لنجري حديثاً مع المطرب الذي جاء ليغني عندهم ولحسابهم.
قال رفيق: إنها فرصة ثمينة لا يجوز أن تضيع!
وهكذا دلفا ليلاً إلى مسرح فاروق، وقدّم الفتى نفسه وزميله بألقاب صحافية فخمة، طالباً مساعدتهما على إجراء مقابلة مع المطرب المميّز.
في تلك اللحظة بالذات، دخل محمد عبد المطلب بعفويّته وطيبته وودّه للناس عموماً، فتقدّما منه للتحية، ثم أبلغاه طلبهما. قال: ولكنني مسافر غداً. قال الفتى: إذاً ليكن موعدنا الليلة، وبعد أن تفرغ من الغناء هنا.
التفت عبد المطلب إلى من حوله كأنه يستشيرهم، ثم قال: يا مرحب، يا مرحب!
دخلا الصالة ضيفين مكرّمين، وجلسا يستمعان مع الجمهور إلى هذا المطرب الشعبي صاحب الأسلوب المميّز في الغناء. صاحا «الله، الله» مع الجمهور المتمايل طرباً.. وهتفا مع الهاتفين: أعد، أعد، يا طلب الأحمر!
وليس إلا بعد انتهاء الوصلة حتى عرفا أن «طلب الأحمر» هو اللقب المحبّب لمحمد عبد المطلب.
جاءهما سائلاً: هاه.. إلى أين ستأخذانني؟
قبل أن يردّا، أردف قائلاً: لا أريد مكاناً مقفلاً.. أريد أن أرى البحر!
وتذكّر الفتى عين المريسة وخليجها، وصخور محمد قدورة وإبراهيم مرزوق وعوده. ولكن كيف السبيل إليهما والوقت قد تجاوز منتصف الليل؟
واهتديا إلى مطعم صغير يقدّم بعض السندويشات، وإلى بقّال ساهر اشتريا منه بعض المكسّرات وشيئاً من المشروب الشعبي الرخيص.
تنشّق عبد المطلب هواء البحر بعمق، وتلفّت حوله يتأمّل ظلال البنايات وهي تتراقص مع الموج، ثم أخذ يردّد: الله، الله، على لبنان الجميل، الله.
تسلّل الفتى إلى بيت محمد قدورة فأيقظه وجاء به، وقد حمل بعض ما تيسّر عنده من المكسّرات والمشروبات.. وعندما عاد، ومعه قدورة، كان عبد المطلب في ذروة النشوة غناءً… وحاولوا، بناءً على طلبه، أن يقوموا بدور الكورس، وقد رحمهم أن هدير الموج كان يغطّي على النشاز في غنائهم المرتجل!
