إسرائيل تصطاد أبو جهاد.. بعد 23 سنة من المطاردات (59)

يروي الكاتب "الإسرائيلي" رونين بيرغمان في هذا الفصل من كتابه "انهض واقتل اولا، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الإسرائيلية" رواية تل أبيب لعملية اغتيال القائد الفلسطيني الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) في مقر إقامته في تونس.

في 14 ابريل/نيسان عام 1988، وصل الى العاصمة التونسية ستة عملاء من وحدة “قيساريا” للاغتيالات، وذلك على متن اربع رحلات قادمة من وجهات مختلفة في اوروبا، ثلاثة منهم – رجلان وامرأة – يحملون جوازات سفر لبنانية مزورة ويتحدثون الفرنسية بطلاقة وقاموا بإستئجار سيارتي “فولزفاكن” و”بيجو” من مكتبين مختلفين ودفعوا بالكاش وذلك لاستخدامهما في نقل عملاء وحدة الاغتيال من الشاطىء الى منزل ابو جهاد ومن ثم لإعادتهم الى الشاطىء بعد إنجاز مهمتهم. اما الرجال الثلاثة الآخرون، وهم يشكلون “مجموعة الظل”، فكانت مهمتهم ان يراقبوا منزل أبو جهاد ويتاكدوا من وجوده داخله اثناء تنفيذ العملية، وقد وجدوا لهذه الغاية مجموعة اشجار مطلة على المنزل.

ووفقا للخطة، فان سائقي السيارتين البيضاويتين يغادران بحراً مع مجموعة الاغتيال فيما تغادر “مجموعة الظل” على متن رحلات جوية تجارية بعد الانتهاء من تنفيذ العملية. في الوقت نفسه، كانت خمسة زوارق بخارية سريعة تتجه الى العاصمة التونسية وتقل على متنها المجموعة التي ستنفذ عملية الاغتيال، بالإضافة إلى مستشفى ميداني ومعدات اتصال حديثة وفعالة، فيما كانت باخرة تبدو من الخارج انها لنقل البضائع ولكنها كانت تحمل طائرة هليكوبتر تحسبا لأي طارىء، ما يستدعي نقل وحدة الاغتيال سريعاً من مسرح العملية.

توقفت القافلة البحرية على بعد 25 ميلاً من الشاطىء التونسي خارج المياه الاقليمية، وفي 15 ابريل/نيسان كانت غواصة اسرائيلية من نوع “غال” تواكب القافلة تحت الماء بهدوء وبطريقة غير مرئية، فيما كانت طائرة من طراز بوينغ 707 تتولى عملية تنظيم الاتصالات كمحطة جوية وتتولى مراقبة ترددات الاتصال التونسية تحسباً لاي مشكلة، وكانت المعدات على متن الطائرة قادرة على تعطيل اجهزة الرادار والتحكم الجوي التونسية عند الضرورة. كما كانت طائرات حربية من طراز F 15 تتولى بعيدا عن الشاطىء اعمال الدوريات الجوية وفي حالة جهوزية كاملة للتدخل عند الضرورة.

قالت حنان لوالدها أبو جهاد أنها حلمت انها كانت في القدس مع بعض اصدقائها وانهم صلّوا في المسجد الأقصى، ولكن فجأة ظهر جنود اسرائيليون وطردوهم ثم لاحقوهم، وأضافت أنها ركضت وركضت حتى أصبحت خارج اسوار المدينة حيث رأت حينها والدها، فسألته الى اين أنت ذاهب، فأجابها “الى القدس”

أما الزوارق المطاطية الخمسة التي تحمل فريق الاغتيال، فكان على متن كل منها رجلا كوماندوس بحري وستة من جنود وحدة “سريات ميتكال”، وقد مضت هذه الزوارق بهدوء نحو الشاطىء مستفيدة من انسدال الظلام في ليلة لا قمر فيها، وعلى بعد حوالي 530 متراً من الشاطىء، غطس في الماء سبعة جنود من وحدة “فلوتيلا 13” وسبحوا تحت الماء باتجاه الشاطىء وكان اول من وطأت اقدامه الرمال التونسية هو قائد الوحدة يؤاف جالانت.

كان الشاطىء خالياً من الناس، فانتشر الجنود على شكل قوس نصف دائري لتأمين المنطقة، فيما كان جندي الاتصالات يتولى تأمين الاتصال مع الزوارق ومع الجنود المنتظرين في السيارات عند الشاطىء. وما ان تم كل ذلك حتى طلب رجال الكوماندوس من السيارات الاقتراب نحو الشاطىء ومن الرجال الـ26 في الزوارق السريعة الاقتراب من الشاطىء الآمن. عندها اسرع رجال وحدة “سريات ميتكال” نحو السيارات حيث قاموا بتغيير ملابسهم بملابس جافة كانوا احضروها معهم في حقائب مقاومة للماء لانه وفقا للخطة كان يفترض ان يتسللوا الى منزل أبو جهاد على شكل مدنيين – بعضهم نساء وبعضهم الاخر رجال – لتنفيذ عملية اغتياله وكان كل منهم يحمل بطاقة كتب عليها “اسير حرب” للتأكيد انهم جنود في حال القي القبض عليهم.

انتشر رجال الكوماندوس على الشاطىء لتأمينه حتى عودة فريق الاغتيال. اما العملاء الثلاثة الذين كانوا يتولون مراقبة منزل أبو جهاد، فقد كانوا مزودين بمناظير قوية شاهدوا من خلالها سيارة أبو جهاد تصل عند منتصف الليل وتُركن في مرآب المنزل ويخرج منها القائد الفلسطيني بصحبة مرافقين إثنين فقط، احدهما سائقه وقد دخلوا المنزل جميعاً، ولكن بعد فترة وجيزة من الوقت خرج السائق وتوجه الى السيارة لينام فيها، اما المرافق الثاني فقد بقي في غرفة الجلوس لبعض الوقت.. بعدها توجه الى الطابق ما دون الارضي لينام أيضاً. اما طفل ابو جهاد، نضال، فكان في سريره فيما كانت اخته حنان البالغة من العمر 16 عاما تنتظر والدها مع امها انتصار في غرفة النوم.

وينقل رونين بيرغمان عن السيدة انتصار الوزير (أم جهاد) قولها “كنت تعبة جداً وسألته ان كان تعباً هو ايضاً، فأجاب لا.. ولكن طلبت منه ان يخلد الى النوم، فقال ان لديه الكثير من العمل لاكماله، وجلس الى طاولته في غرفة النوم حيث كتب رسالة الى قيادة الانتفاضة، وكانت حنان معنا في غرفة النوم، فسألها ماذا فعلت خلال النهار، فقالت له انها ذهبت لممارسة رياضة ركوب الخيل وتذكرت انها كانت تريد اخباره عن حلم رأته في الليلة التي سبقت. قالت له إنها حلمت انها كانت في القدس مع بعض اصدقائها وانهم صلّوا في المسجد الأقصى، ولكن فجأة ظهر جنود اسرائيليون وطردوهم ثم لاحقوهم، وأضافت أنها ركضت وركضت حتى أصبحت خارج اسوار المدينة حيث رأت حينها والدها، فسألته الى اين أنت ذاهب، فأجابها “الى القدس”، فسألته كيف سيصل الى القدس وهي تضج بالجنود الاسرائيليين. قال لها انه سيركب على صهوة فرس ابيض، وما ان انهت حنان رواية حلمها.. حتى أخذ أبو جهاد نظارته، وقال لها آه آه يا حنان.. انا في طريقي الى القدس”.

يضيف بيرغمان: “في تلك اللحظات، رن جرس الهاتف، فرفع أبو جهاد السماعة فيما كان العملاء “الاسرائيليون” يتنصتون على المكالمة، فكان على الطرف الآخر مساعد أبو جهاد الذي يتولى متابعة كل تدابير سفره وقد اخبره انه تم حجز مقعد له على متن رحلة جوية متجهة الى بغداد من تونس عند الساعة الثالثة فجراً، وكان ذلك بمثابة مشكلة للاسرائيليين لانه وفق الخطة كان من المقرر ان يقتحموا منزله في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل للتأكد بصورة جازمة ان كل من في المنزل كانوا نياما ولكن مع المعلومة الجديدة واذا ما انتظروا حتى ذلك الوقت فان الهدف سيكون عندها في طريقه الى المطار. لذلك لم يكن بامكانهم الانتظار حتى ذلك الوقت وكان عليهم المباشرة بتنفيذ العملية. فقام عندها يفتاخ ريتشارد رئيس جهاز العمليات الخاصة المتواجد على متن الباخرة التي تتولى قيادة العملية بالاتصال بقائد “سريات ميتكال” موشيه يعالون، وتحادثا بطريقة مشفرة وباللغة الانكليزية في حال تمكن احد من ملاحقة الاتصال. وقال له “بوغارت، انا ريتشارد، يمكنك ان تغادر المحطة، يمكنك ان تغادر المحطة، افعل ذلك سريعا اكرر افعل ذلك سريعا”. كان يفتاخ ريتشارد يرى انه بسبب استعداد ابو جهاد للسفر في هذا الوقت المبكر، فان أبو جهاد ومرافقيه وكل من في المنزل سيكونون مستيقظين. اضاف “بوغارت، انا ريتشارد، لان الرئيس سيغادر اود ان اخبرك ان هناك اناساً غير نائمين في المكتب”، فاجابه يعالون “اوكي ريتشارد فهمت”، فاتصل عندها ريتشارد باحد عملاء وحدة “قيساريا” الذين يتولون مراقبة المنزل وسأله “ويلي، هل من جديد قرب المكتب وماذا عن السيارة الحمراء؟” فأجابه ويلي “سلباً” فقال له ريتشارد “بوغارت في طريقه الى المكتب وقبل دخوله سيتصل بك فان كان هناك اي تغيير في الوضع اعلمه على الفور لانه يحتاج الى موافقتك”.

إقرأ على موقع 180  "أبو نضال" يضرب في لندن.. وشارون يجتاح لبنان (44)

تولت عندها سيارتان كبيرتان نقل 26 من رجال “سريات ميتكال” الى الحي الذي يقطنه أبو جهاد وتم تزويدهم برشاشات صغيرة من نوع “مايكرو عوزي” و”راجر” و22 مسدساً مزودين بكواتم صوت ومؤشر لايزر، فيما كان رجل وامرأة من عملاء “قيساريا” يتقدمان السيارتين على متن سيارة البيجو على بعد 400 من المنزل لاستكشاف الطريق والتأكد من عدم وجود اي مفاجآت.

زحفت انتصار نحو زوجها ولفّت ذراعيها حوله، فوضع أحد الجنود مسدسه في ظهرها ودفعها بقوة نحو الحائط، فتأكدت انه قتل وجرى ابعادها عنه كي لا يضطروا إلى قتلها هي ايضاً، فدخل جندي آخر وأطلق أيضاً النار على جثة أبو جهاد ووقف جانباً مفسحاً المجال لجندي رابع ليتقدم ويطلق النار على الجثمان مُجدداً

وعلى بعد مئات قليلة من الامتار عن البيت، بدأ رجال الكوماندوس التقدم زحفاً ولكنهم كانوا لا يزالوا بحاجة الى التأكيد ايجاباً للمرة الاخيرة من نقطة المراقبة بشأن الوضع داخل المنزل، لانه وفقاً للبروتوكول الذي وقّعه اسحاق رابين (رئيس الوزراء) ان رؤية أبو جهاد يخرج من السيارة ويدخل الى المنزل ليس امراً كافياً، لذلك فقد دربت “الوحدة 8200” في “الموساد” ثلاثة من عملائها الذين يجيدون العربية بطلاقة على تمييز صوت أبو جهاد ولكنته من خلال مئات ساعات التدريب وقد كان هؤلاء العملاء يضعون سماعات الاذن ويجلسون في مقر قيادة العملية في تل ابيب، فيما قام الفنيون بتحويل مكالمة الى منزل خليل الوزير عبر التبادل مع ايطاليا وهي الطريقة التي كان يتواصل فيها أبو جهاد مع الاراضي المحتلة. اخد الفنيون يحدثون جلبة حولهم فيما صرخ احد اصوات المتدربين الثلاثة باللغة العربية “يا أبو جهاد لقد اعتقلوا ابو رحمة ويريد اولاد العاهرة الان ان يأخذوا كل افراد عائلته الى السجن، ان شاء الله يشربوا وردة النسا (دماء العادة الشهرية للمرأة)”. حاول أبو جهاد تهدئة روع محدثه في محاولة للحصول على المزيد من التفاصيل فيما حافظ الفنيون في تل ابيب على استمرار المكالمة حتى اكد الثلاثة ان الصوت القادم من سماعة الهاتف هو صوت أبو جهاد. عندها، اعلن قائد العملية في تل ابيب عبر جهاز الارسال “عملية الدرس التمهيدي (الاسم المشفر لعملية اغتيال أبو جهاد)، لديك الضوء الأخضر”، متوجهاً بكلماته إلى المقر البحري لقيادة العملية خارج المياه الاقليمية التونسية. على الفور، تم نقل هذه الرسالة الى الفريق المتواجد على ارض العملية.

بعد ذلك، توجه ناعوم ليف حاملاً ما يشبه علبة حلويات ولكن فيها مسدس مزود بكاتم للصوت ومعه رجل آخر متنكراً بزي امرأة نحو المرافق الجالس في السيارة المركونة قرب المنزل واظهر له اعلان لاحد الفنادق، وسأله كيف يمكن الوصول اليه، وفيما كان المرافق يحاول التمعن في الاعلان بادره ليف باطلاق النار على رأسه وقتله على الفور. أعطى ليف الاشارة لباقي فريق الاغتيال الذي تقدمت مجموعة صغيرة منه حاملة دفاشاً هيدروليكياً لاقتحام باب المنزل.

خلال التدريب على هذا الجزء من المهمة، كان الباب يفتح بصمت، ولكن خلال التنفيذ، فُتح الباب ولكن مع صوت قرقعة ما اثار قلق المهاجمين، ولكن لم يكن هناك اي ردة فعل داخل المنزل. عندها اعطى احد الرجال الاشارة الى الآخرين الموجودين عند الشاطىء ان الطريق باتت آمنة كلياً الى داخل المنزل، فتولى الجنود الآخرون الانتشار حول المنزل بشكل دائري. دخل رجال “سريات ميتكال” من الباب نحو القاعة الامامية، فيما هرع آخرون الى الطابق ما دون الارضي حيث كان المرافق الثاني قد استيقظ للتو فقتلوه قبل ان يتسنى له تلقيم بندقيته وقتلوا رجلاً ثانياً كان ينام في الغرفة، وهو تونسي يتولى أمور الحديقة وقرر في تلك الليلة أن ينام في منزل أبو جهاد، وفي الطابق العلوي نهض أبو جهاد وزوجته انتصار على اصوات الرجال في الاسفل، كان أبو جهاد يجلس قرب مكتبه، فقام بسرعة الى خزانته حيث استل مسدسه، فسألته انتصار “ماذا حصل؟” تقدم عندها الى الاعلى احد رجال وحدة الاغتيال وكان يُغطي وجهه بقناع ويتبعه ليف على مسافة قريبة جداً. دفع أبو جهاد بزوجته الى داخل غرفة النوم، فاطلق الجندي النار على أبو جهاد فسقط الاخير أرضاً ليقوم ليف باطلاق رشق طويل من النيران عليه ويقتله.

زحفت انتصار نحو زوجها ولفّت ذراعيها حوله، فوضع أحد الجنود مسدسه في ظهرها ودفعها بقوة نحو الحائط، فتأكدت انه قتل وجرى ابعادها عنه كي لا يضطروا إلى قتلها هي ايضاً، فدخل جندي آخر وأطلق أيضاً النار على جثة أبو جهاد ووقف جانباً مفسحاً المجال لجندي رابع ليتقدم ويطلق النار على الجثمان مُجدداً. استيقظ الطفل نضال وبدأ بالصراخ وكانت انتصار تعتقد انه هو أيضاً قد اصيب فيما كانت اصوات تصرخ “هيا هيا.. أسرع أسرع”. وأخيراً وقف العقيد يعالون فوق جثمان ابو جهاد وكان الرجل الخامس الذي يطلق عليه النار. فصرخت به أم جهاد “كفى.. كفى”.

اصيب ابو جهاد بـ52 طلقة بعد 23 سنة من توقيع رئيسة الحكومة الاسرائيلية جولدا مائير اول لائحة حمراء للاغتيال تتضمن امراً بإغتياله. “أخيراً قُتِلَ”، يقول رونين بيرغمان.

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  كمال جنبلاط وحافظ الأسد: الصراع القاتل