لي قلقي المضحك.. ولكم قلقكم

"انا فتاة قلقة".. هذا أكثر ما اعرفه عن نفسي، وهذا ما يعرفه الآخرون عني ايضا.

انا فتاة قلقة منذ صغري. منذ الامتحانات المدرسية، حين لم يكن باستطاعتي النوم ليلة الامتحان، وحين لم اكن اتمكن من اجراء بعض الامتحانات الجامعية لشدة قلقي وارتفاع منسوبه.

أنا اقلق، مثلاً، من أمور صغيرة جداً، مثل بعض الأصوات ذات تردد معين، فهي تشغل بالي في بعض الاحيان لفترة طويلة وتعيقني عن متابعة ايامي بشكل جيد وهادئ، أو مثل القيام ببعض الأمور الصغيرة التي لا تحتاج وقتا أو جهدا مقارنة بامور أخرى أكثر تعقيدا، غير انها تشغل تفكيري لفترة طويلة او حتى تعيق حركة أيامي. وانا اعرف ان قلقي من النوع المضحك جدا، فحتى انني اضحك من نفسي، واحاول ان اجعل منه مادة مضحكة للآخرين.

ومذ وصلت الى مدينة باريس منذ أشهر، وانا اعيش قلقا أكبر. فباريس مدينة خصبة للقلق أيضا. أقلق من أمور كثيرة: البحث عن منزل، التنبه الى الأغراض الشخصية في وسائل النقل العام، متابعة الامور الادارية. حتى أنني كنت اشعر بالقلق من كيفية طلب تغيير زاوية مكتبي في المختبر الذي ادرس فيه، اذ كان هناك هواء بارد يلفح وجهي ويعيقني عن التركيز، وكان اهتمامي منصبا جدا على درجة حرارة الطقس وتغيرها منتظرة ان يأتي فصل الربيع، فأشعر بالدفء، واستغني عن هذا المعطف السميك الذي اشتريته على عجلة من أمري كونني لم أن اكن معتادة على برد باريس.

كنت أفكر لساعات كثيرة في كيفية تغيير نظامي الغذائي، وكيف لي ان استبدل بعض المأكولات باخرى صحية أكثر. وكانت تزداد التساؤلات في رأسي كثيرا بعد ان اتفوّه ببعض الكلمات، أو بعد أن ابعث برسالة الكترونية لأحد الباحثين، فيرتفع منسوب القلق في جسدي، احاول بعدها ان اركض كثيرا. اذ انا ادركت، ومنذ زمن بعيد، ان الركض وسيلة فتاكة ضد القلق، فأركض في محاولة مني لطرد القلق عن جسدي.

وبما ان قلقي، وعلى ما يبدو، من نوع خاص، فهو مضحك للغاية. فبينما يعيش معظم الأفراد قلقا عالميا في شأن انتشار فيروس كورونا والخوف من العدوى والاصابة بها، سكت قلقي. لم أعد قلقة من انخفاض درجات الحرارة، ولم اعد اطرح الكثير من التساؤلات في رأسي عن بعض الأمور الصغيرة السخيفة التي كانت تشغل بالي لفترات طويلة، وحتى انني ـ ومن دون ان انتبه ـ تقبلت فكرة المكوث في غرفة صغيرة، في بقعة ما على هذه الأرض، وحدي لمدة 15 يوما مع التوقيع على استمارة في كل مرة اريد ان اركض فيها جنب المنزل. وحتى انني لم اعد انتبه الى الأصوات التي كانت تزعجني، فصرت اكثر اصغاء لصوت العصافير التي تمر قرب نافذتي، واراقبها بابتسامة، فهي تؤنسني. حتى انني فكرت، ان تهافت الأشخاص على محال المواد الغذائية والاستهلاكية، من دون الحاجة اليها فعلا، قد يندرج، ربما، ضمن آليات البحث عن أنس ما، وفي الوقت ذاته، قد يؤنس تكدس الأغراض أولئك الوحيدين المرغمين على المكوث في منازلهم لأيام عديدة.

وبما ان قلقي الخاص قد سكت فجأة، واصبحت اركض لدافع الخروج من المنزل ولتقوية جهاز المناعة وليس لطرد القلق عن جسدي، وأصبح تركيزي منصبّا على هدف واحد هو حماية نفسي والآخرين من العدوى بالتزام التعليمات الوقائية، ادركت ان القلق حالة خاصة برغم ترداد عبارات “قلق عام”، “القلق يسيطر”، “القلق ينتشر”.

لكل منا قلقه، ولكل منا هواجسه الصغيرة او الكبيرة، ولكل منا أفعال وردات أفعال، ولكل منا آلياته في مواجهة الصعاب والمحن، وهذه طبيعتنا الانسانية، أو فرادتنا الانسانية. أما انا، فقلقي مضحك، ويجعلني اكتب هذا النص بينما ينشغل الجميع بقلق كورونا.

ملاك مكي

طالبة دكتوراه بالصحافة في جامعة باريس ديكارت

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy paid course free download