الكورونا Black Swan.. هل نخوض الجيل الخامس للحروب؟

إن حدث البجعة السوداء Black Swan هو حدث تغييري Transformative، يضرب المُسلّمات وقواعد اللعبة القديمة، لكنه حتماً لا يرسم ويُحدّد القواعد الجديدة. لذلك تكون المرحلة الانتقاليّة بين القديم الذي لم يعد، والمستقبل الذي ليس بعد، مرحلة دمويّة ضبابيّة قد تؤدّي الى سقوط او صعود قوى ودول من الاحجام المختلفة.

يُعتبر سقوط الاتحاد السوفياتي كحدث بجعة سوداء، لانه اسقط النظام العالميّ الثنائي، ليرسي، ولفترة قصيرة نسبيّاً، النظام الآحادي بقيادة الولايات المتحدة الاميركيّة.

الم يقُل الرئيس فلاديمير بوتين ان سقوط الاتحاد السوفياتي يُعتبر اسوأ كارثة جيوسياسيّة؟

تُعتبر حادثة 11 ايلول/سبتمبر، من تلك الاحداث التغييريّة، لأنها جعلت اميركا تتحرّك لتُعالج مشاكل سياسيّة عالميّة لكن بالقوّة العسكريّة. بكلام آخر، عسكرت اميركا السياسة الخارجيّة، فانتجت عقيدة بوش والحرب العالميّة على الارهاب Global War on Terror.

ظهّرت الحرب الاميركيّة على الارهاب محدوديّة القوّة العسكريّة، كما بينّت هشاشة الآلة العسكريّة الاميركيّة، لانها لم تُبثت انها قادرة ومناسبة لحرب من نوع آخر، وعلى عدوّ لم يتمّ التحضير له، على غرار ما كان يُحضّر له للحرب مع السوفيات.

عوّدنا التاريخ، منذ الحرب العالميّة الاولى، على نمط يقوم على ما يلي:

عندما تتحرّك اميركا على الساحة العالميّة، سلماً ام حرباً، فإنها تُغيّر العالم، وذلك نظراً لحجمها وقدراتها في كافة المجالات، لكن كيف؟

  • تدخّلت اميركا في الحرب العالمية الاولى، فضربت ميزان القوى القائم لصالح الحلفاء. هُزمت ألمانيا مؤقتاً. اعلن الرئيس وودرو ويلسون نقاطه ال 14، وانتجت مرحلة ما بعد الحرب منظّمة دوليّة هي “عصبة الامم”. للتذكير، فإن الحرب الاولى كانت تُخاض في ظلّ وباء الانفلونزا الاسبانيّة، والتي هي اسبانيّة بالاسم فقط، لانه يُقال انها اتت ايضا من الصين عبر عمال استقدموا لمساعدة الحلفاء في حفر الخنادق.
  • في الحرب العالمية الثانية، دخلت اميركا الحرب وهي غير مستعدّة لها، ربحت الحرب، فأنشأت المنظمات الدوليّة التالية: الامم المتحدة، وكلّ ما اتى نتيجة بروتون وودز، من بنك دولي، صندوق النقد الدوليّ وغيرهم من المنظّمات. بعد الحرب الثانية، رسمت اميركا صورة النظام العالميّ. عالم ثنائي الاقطاب مع استراتيجيّة كبرى تقوم على احتواء الاتحاد السوفياتي.
  • سقط الاتحاد السوفياتي، قبل ثلاثة عقود من الزمن، فتحّكمت اميركا أحاديّا بالنظام العالميّ.
  • غيّرت كارثة 11 ايلول/سبتمبر اميركا والعالم، فقط لان اميركا ارادت تغيير العالم وجعله على صورتها. بعد 11 ايلول/سبتمبر، تغيّرت تركيبة النظام العالميّ. فبدل ان يكون أحاديّ القطب، اصبح على الشكل التالي: “اميركا اولى بين متساوين”، Primus inter Pares. بكلام آخر، لا يمكن لاميركا ان تتفرّد بالعالم، ولا يمكن للعالم ان يتفرّد من دون موافقة اميركيّة مسبّقة.

مع انتشار وباء الكورونا في هذا الوقت، تبدّل العالم في لمحة بصر، وتظهّرت هشاشة التقدّم الذي حقّقه الانسان في كافة المجالات.

اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ان العالم يخوض حرباً ضد عدو شرس.

سمّى الرئيس الصيني شي جين بينغ الحرب على الوباء بأنها “حرب الشعب”، People’s War مقتبساً هذا التوصيف من “قاموس الحرب” الذي استخدمه الزعيم الراحل ماو تسي تونغ.

جيوش الدول حاليّاً فقط للاستعمال الداخلي لفرض الحجر الصحّي على الناس، وذلك بانتظار ايجاد العلاج السحريّ، اللقاح Vaccine. حتى العسكر والذي من المفروض ان يحمي الامن القومي لايّة دولة، هو مُعرّض لخطر الكورونا

في لبنان، تمّت التعبئة من دون اعلان حالة الطوارىء. فما الذي يُميّز هذه الحرب عن غيرها؟ وهل هي فعلاً حرب بالمعنى التقليدي للكلمة؟

أربعة أجيال

يُصنف الخبراء الحروب بأنها مرّت في أربعة اجيال،Generations of Warfare وهي:

  • الجيل الاول، من حرب الثلاثين عاما الى الحرب العالميّة الاولى
  • الجيل الثاني، من الحرب الاولى الى الحرب الثانية
  • الجيل الثالث، من الحرب الثانية الى حربيّ كوريا وفيتنام
  • الجيل الرابع، من حرب فيتنام الى احتلال العراق العام 2003

ويبقى السؤال هل الحرب على الكورونا ستشكّل الجيل الخامس من الحروب؟ وما يُميّز هذه الحرب عن الحروب التقليديّة والحروب اللاتماثليّة Asymmetric Warfare؟

يقول المفكّر العسكري الصيني صن تسو، ان جوهر الحرب يقوم على الخداع deception. طبّق فيروس الكورونا الآتي من الصين هذه النصيحة، فغزا العالم.

يقول الفيلسوف الفرنسي جوليان فرويند، ان جوهر السياسة يقوم على تحديد العدو والصديق، وعليه تُبنى الاستراتيجيات.

العدو اليوم هو فيروس الكورونا، عدو غير منظور، هدفه العالم كلّ العامل دون تمييز. لا تنفع معه الوسائل التقليديّة، لا الصاروخ، الدبابة، الدرون، النوويّ او غيرها، يعتمد الخداع وعامل المفاجأة ومبدأ الابادة الجماعيّة mass Annihilation. لا وساطة معه ولا هدنة.

جيوش الدول حاليّاً فقط للاستعمال الداخلي لفرض الحجر الصحّي على الناس، وذلك بانتظار ايجاد العلاج السحريّ، اللقاح Vaccine. حتى العسكر والذي من المفروض ان يحمي الامن القومي لايّة دولة، هو مُعرّض لخطر الكورونا. المثال شلل حاملة الطائرات الاميركيّة تيودور روزفلت بسبب فيروس الكورونا.

اُعتبر اميركيّا على انه اكبر واخطر فشل استخباراتي، بعد بيرل هاربور، و11 ايلول. عدو لا يمكن قياس النجاح معه، هو في حالة رابح – رابح، win-win Situation.

عدوّ يستهدف التجمّعات، لذلك كانت المدن الكبرى والعواصم الاكثر تضرّراً. عدوّ غير معقدّ جينيّاً، يستهدف مركز ثقل الانسان – الجهاز التنفّسي. عطّل الكون عن العمل وأغلقه حتى إشعار آخر. لكن، في الوقت نفسه، هو كائن هشّ، تكفي “رشّة” من الكحول بمواصفات معيّنة للقضاء عليه.

الكورونا لاعب أحادي

الاستراتيجيّة المُستعملة ضدّ الكورونا، بدائيّة قديمة، بسيطة، مؤقتّة، تقوم على مايلي:

  • التباعد الاجتماعيّ، Social Distancing، بين الافراد، مسافة مترين على الاقلّ، ارتداء الكمامة والبقاء في المنزل وغسل اليدين.
  • تهدف هذه المقاربة الى تسطيح منحنى انتشار الوباء، Flattening the Curve والذي اصبح الهاجس الاكبر لدى كلّ الدول، لان التسطيح هو المؤشّر الوحيد لقياس نجاح الاستراتيجيّة بانتظار الفرج.

فيروس الكورونا عدو لا يأبه بموازين القوى العالميّة، إن كان العالم متعدّد الاقطاب، ثنائي ام غيرهما، وهوّ حالياً لاعب أحادي UNILATERAL في النظام العالميّ.

يخوض الفيروس حرباً ارهابيّةً على البشريّة، الى درجة ان العدوّ لاي انسان هو الانسان الآخر، حتى ولو كان اخاً، اختاً، أمّاً ام أباً، وذلك على غرار ما قاله الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر:”الجحيم هم الآخرين” L’enfer, c’est  les autres.

فشلت كلّ مؤسسات النظام العالميّ القديم في التعامل مع الفيروس. منظمة الصحّة العالميّة، مجلس الامن وحتى مجموعة دول العشرين، لانه اعتمد مبدأ فرّق تسُد. كل دولة تعالج الامر منفردة ولا تعاون دوليّاً حتى الآن، على الاقلّ، بالرغم من انه عدو مشترك للكلّ.

إذاً هي حربٌ على الكورونا، لكن في الحرب تُحشد القوى، عادةً، لارسالها الى الجبهات. مع الحرب على الكورونا، حُشد العسكر فقط لابقاء المواطنين في منازلهم. والحشد الفعليّ كان طبيّاً بامتياز، فمن يُقاتل على الخطوط الاماميّة هم فقط الاطباء/الطبيبات والممرّضات/الممرضون، مدعومين بلوجستيّة طبيّة غير كافيّة في اغلب الاحيان.

هل ستستغلّ الصين انشغال العالم بالحرب على الكورونا، خاصة اميركا لتُعيد رسم الخارطة الجيوسياسيّة في محيطها المباشر؟ خاصة اذا الفيروس القوّة البحريّة الاميركيّة. وعليه، كيف سيكون شكل الردّ الاميركيّ -الاوروبيّ؟ وكيف ستتصرّف روسيا؟

وإذا صدق القول الذي يتردّد دائماً، ان الجيوش عادةً تُقاتل في حرب اليوم كما قاتلت في الحرب الاخيرة. فقد يمكن القول، ان كل دول العالم تخوض اليوم حرباً لم يستعدّ لها احد او يتوقّعها، وإذا توقّعها، فهو حتماً قد اهملها والامر ظاهر للعيان. فما فائدة جيش تُصرف عليه مليارات الدولارات لتتحوّل مهمّته الى الداخل؟

لنأخذ المثال الاميركيّ في الحرب على الكورونا، مقارنة بحروب اخرى تقليديّة، وهو على الشكل التالي – حتى تاريخ كتابة هذا المقال:

  • خلال شهرين فقط، توفّي أكثر من 42 الف اميركي بسبب الوباء، اكثر من 20 مليون مواطن خسروا وظائفهم، مع كلفة تزيد عن 2 تريليون $ حتى الآن. حصل هذا الامر من دون اطلاق طلقة نار واحدة.
  • في المقابل، وخلال 19 سنة (2001-2020)، خسرت اميركا 9 آلاف قتيل في كلّ من افغانستان والعراق، مع كلفة لم تتجاوز الـ 5 تريليون $.

نظام عالمي جديد

علّمنا التاريخ، انه بعد كلّ حرب كونيّة، سيكون هناك نظام عالمي جديد ترسمه موازين القوى. فهل سيكون هناك نظام عالميّ جديد بعد الحرب على فيروس الكورونا؟

حتماً سنشهدُ نظاماً جديداً، حتى ولو كانت مرحلة ما قبل الوباء، تؤشّر لتحوّلات جيوسياسيّة عالميّة. لكن شكل النظام العالميّ القادم، سيتأثّر بالعوامل التالية:

  • كيف ستخرج القوى المؤثّرة من حربها على الوباء، وما هو الثمن الذي دفعته؟ وهل هي قادرة، أو راغبة في القيادة؟ على سبيل المثال، تفرّدت الولايات المتحدة الاميركيّة في رسم نظام ما بعد الحرب الثانية، لانها الوحيدة التي كانت قادرة على ذلك بعد ان دُّمرت دول شرق آسيا واوروبا.
  • هل ستستطيع الصين تبييض صورتها، والربط مع العالم في هذه المرحلة المصيريّة، باستعمال قوتها الناعمة، خاصة اللوجستيّة الطبيّة؟ وهل ستتوصّل قبل غيرها لصنع اللقاح؟
  • ما هو الموقف الذي سيتّخذه الغرب تجاه اتهام الصين على انها مصدر الوباء، بعد ان اكّد العلماء ان تركيبة وبنية الفيروس الجينيّة ليست من صُنع المختبرات، الامر الذي يُبعد نظريّة المؤامرة؟ وهل سيطلبون تعويضاً عن هذه المسؤوليّة؟ وهل سيكون الموقف الغربيّ موحّداً؟
  • هل ستستغلّ الصين انشغال العالم بالحرب على الكورونا، خاصة اميركا لتُعيد رسم الخارطة الجيوسياسيّة في محيطها المباشر؟ خاصة اذا شلّ الفيروس القوّة البحريّة الاميركيّة. وعليه، كيف سيكون شكل الردّ الاميركيّ -الاوروبيّ؟ وكيف ستتصرّف روسيا؟

في الختام، وكي لا نستبق الامور لتوقّع النظام العالميّ الجديد، يمكن القول ان ما سبّبه وباء الكورونا، يُعتبر حدثاً تغييريّاً جذرياً -Transformative Event او كما ورد اعلاه “حدث بجعة سوداء”( Black Swan). وعليه، فإن التغيير المحتمل، سنحدّه فقط في ثلاثة ابعاد طبيعيّة، من دون الغوص في تفاصيلها. لان المتغيّرات كثيرة جداً Variables، ومُعقّدة لدرجة إستحالة وجود معادلة واحدة قادرة على جمع هذه المتغيّرات لفكّ رموزها. وهذه الابعاد الثلاثة هي: البعد الاجتماعي، البعد السياسيّ والبعد الاقتصادي. لكن لماذا هذا الاختصار؟

سأعود هنا الى نصيحة الفيلسوف الفرنسي جان بودريّارد jean Baudrillard والتي تقول بما معناه:”إذا وقع حدث جلل لم يسبق له مثيل، بحيث لا يمكن استذكار الدروس من التجارب السابقة، يعمد المرء إما الى الابتكار او الارتجال. الارتجال مُكلف، والابتكار يتطلّب قدرات فكريّة وشخصيّة فذّة. في هذه الحالة، وفي ظلّ غياب الحلول العمليّة الناجعة، يجب الارتقاء الى المستوى الفكريّ الفلسفيّ، بالرغم من ان هذا المستوى لا يعطي الحلول المطلوبة، لكنه، على الاقلّ، يدلّ على وجهة الطريق الصحيح، كما يدلّ النجم القطبيّ على اتجاه الشمال الجغرافيّ”(*).

(*) تمت اضافة بعض الافكار على قول الفيلسوف جان بودريّارد.

الياس طنّوس حنّا

عميد ركن متقاعد

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free