وفاء أبو شقرا, Author at 180Post

wwwwww.jpg

"الزمن هو أعظم الكتّاب، لأنّه يكتب دائماً أعظم النهايات"... هكذا كان يرى "عبقري السينما" شارلي شابلن، إلى العلاقة الإشكالية بين الزمن والتاريخ في حياة الأمم. شابلن، الذي وُرِي الثرى في سويسرا قبل نحو نصف قرن، بحضور أكثر من عشرين رئيس دولة، قارعه الأميركيون طوال حياته تقريباً، واتّهموه بمعاداتهم ونفوه من بلادهم. فأفلام شابلن، كانت مرآةً تعكس المعاناة الإنسانية من خلال الكوميديا، وتنتقد بقسوة السلطة وأرباب العمل والبورجوازية والنظام الرأسمالي اللاهث للسيطرة على كلّ مقدّرات الحياة، عبر تجريد الفرد من إنسانيته واستلابه أمام الآلة وتكريس كلّ نشاطٍ بشري (وغير بشري) لمصلحة الربح المالي المفرط.

333333-1280x726.jpg

"يجوز للمؤمنين العطْس في وجه الكَفَرة، فهذا ما يُعرَف بجهاد الكورونا"؛ "سوريا تعلن عن سبع إصابات بفيروس الكورونا بينهم خمسون قتيلاً"؛ "إذا كنتَ في منزلك ولاحظت بعد خمسة أيام بعض علامات الإخضرار على جسدك، فلا داعي للهلع.. هذا عفن"؛ "يا إلهي هذه الدنيا دولاب، صرْنا نحن الثوار في البيت وصار الجيش هو مَن يقطع الطريق!"؛ "لجنة الأطباء في التيار الوطني الحرّ: كنّا بصدد اكتشاف لقاح للكورونا...لكن لم يسمحوا لنا"؛ "سؤال قانوني: إذا زارني في هذه الفترة أحدهم فعاجلتُه بإطلاق الرصاص عليه، هل يُعتبَر ذلك دفاعاً عن النفس؟"... عيّنةٌ من مئات التعليقات التي تغزو هواتف اللبنانيّين، ليل نهار. فالناس الذين ملؤوا ساحات الثورة بالأمس، يلتزمون بيوتهم اليوم، بعدما غادروا، كُرمى لوباء الكورونا، كلّ نشاطٍ اجتماعي وفردي. ومع بطالتهم "المقنَّعة"، لم يجد المحجور عليهم إلاّ السخرية والتهكّم، على حالهم وحال غيرهم، سلاحاً في معركة التصدّي والمواجهة لنكباتهم المتوالدة، طبيعيّاً وقيصريّاً. لماذا وكيف ومتى تسخر الناس من البلوى؟

.jpg

عندما أطلقنا، قبل خمس سنوات، في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية اختصاص ماستر(2) في "الصحافة البيئية والصحّية"، واجهَنا سؤالٌ عويصٌ: مَن هو الصحافي المؤهّل الذي يمكننا الركون إلى مهاراته، لتدريب طلابنا على آليات إعداد وتنفيذ المواد الإعلامية المقرّرة لهذا المسار الأكاديمي غير المسبوق في جامعات لبنان (والعالم العربي)؟ فإعلامنا اللبناني لا يستطيع أن يلبّي مطلبنا، بعدما نأى بنفسه، ومنذ عقود طويلة، عن كلّ ما له صلة بالصحافة والإعلام المتخصّصيْن في الشؤون والقضايا والمواضيع الاجتماعية (إقتصاد، بيئة، صحّة، تربية،...). لينصبّ كلّ اهتمامه على السياسة بوصفها، بالمفهوم الإعلامي اللبناني، المجال الوحيد الذي يستحقّ الجهد والمال والاهتمام. هبطت الكورونا علينا كقنبلة عنقودية، فأيقظ صوتُ ارتطامها بالأراضي اللبنانية إعلامَنا من سباته، وبدأ يتمتم فزِعاً : ماذا سنفعل؟

central_bank_lebanon-afp_file-18-1280x847.jpg

في بيانٍ طغت عليه تعابير وكلمات توحي بدخول لبنان غرفة العناية الفائقة في قسم الطوارئ (ظروف استثنائية، وضع خطير، واقع غير مسبوق...)، أعلن حسان دياب رئيس حكومة "الفرصة الأخيرة"، بحسب وصْف السفير الفرنسي في بيروت Bruno Foucher، قرار لبنان "تعليق دفع سندات اليوروبوند" (وليس "عدم الدفع") في إخراج ذكي يتفادى إحداث صدمة سلبية لدى مَن يعنيهم الأمر. واليوروبوند، للتذكير، هي سندات الخزينة اللبنانية بالعملات الأجنبية لا العملة المحليّة، وتعني بلغة المال، أداة دين لجأت إليها الحكومة اللبنانية لتمويل مشاريعها، وتوفير عائد جيّد للمستثمرين مقابل مخاطر مقبولة. وعلى الرغم من أنّ الاسم يتضمّن كلمة "يورو"، إلاّ أنّ هذا اليورو لا يعني العملة الأوروبية، بل العملة الصعبة الأهمّ، أي الدولار، الذي يشكّل اليوم العنوان الصريح للإنهيار الحاصل في القطاع المالي اللبناني.

sub-buzz-5300-1571516043-1-1280x905.jpg

ما أعلنه رئيس حكومة لبنان حسان دياب أمام أعضاء السلك القنصلي الفخري في لبنان، لا يشبه خطابات الحكّام اللبنانيّين بشيء؛ فهو تارةً يظهر وكأنّه الإعتراف الأخير، وتارةً أخرى كأنّه رسالة تظلُّم، وطوْراً كأنّه ورقة نعي الدولة اللبنانية التي "تراجع نبض العلاقة بينها وبين الشعب إلى حدود التوقّف الكامل". خطيرٌ جداً هذا الكلام، ولا سيّما عندما يصدر عن مسؤولٍ لبناني VIP، ابتعد، على غير عادةِ نظرائه، عن توسّل اللغة الخشبية التي لا نعرف غيرها في عالمنا العربي؛ لغةً للسياسة وصنَّاعها، وللإيديولوجيا وصياغاتها الجاهزة، وللخطاب وجُمَله الخاوية من المعنى، وللمفردات و"استعاراتها المُحتضِرة"، على حدِّ تعبير الكاتب الإنكليزي George Orwell.

-ناجي-العلي-130-1280x865.jpg

"هل يمكن للمرء أن يكون شيوعياً اليوم"؟. هذا التساؤل الإشكالي جعله الفيلسوف والسياسي الفرنسي الراحل روجيه غارودي عنواناً لكتابه عام 1968، عقب سلسة مؤلفات حاول خلالها غارودي - عضو المقاومة الفرنسية ومجلس الشيوخ الفرنسي - "إقامة المصالحة" بين الماركسية والدين. وغارودي، الذي كان مهجوساً بمبدأ "العدالة الاجتماعية"، لم يكن يرى مناصاً إلاّ باعتناق "العقيدة الشيوعية" لمحاربة الظلم وتكريس المساواة بين البشر وتحرير الإنسان من الإغتراب والقهر والشقاء. بعد أكثر من نصف قرن على طروحات غارودي، قد يكون هذا التساؤل ما زال مشروعاً في لبنان ويتفرّع منه جملة تساؤلات: هل يمكن للمرء أن يكون، اليوم، إشتراكياً؟ قومياً؟ كِتْلوياً؟ كتائبياً؟ أَمْلاوياً؟ طاشناقياً؟... هل يمكن له، باختصار، أن يكون حزبياً؟ أو ربّما الأصحّ... هل يمكن له أن يبقى حزبياً؟

-1280x853.jpg

خلال القدّاس الإلهي لمناسبة عيد القديس مارون في التاسع من شباط/فبراير، توجّه رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس عبد الساتر بكلام واضح ومباشر للمسؤولين السياسيّين اللبنانيّين للاستقالة "بشرف"، إذا لم يجدوا ما يؤمِّن العيش الكريم لكلّ مواطن. سارع المحلّلون الصحفيون والناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، لاعتبار المطران عبد الساتر "الناطق الرسمي" بصوت الشعب اللبناني الموجوع الثائر، لكون عظته، غير المسبوقة في تاريخ الكنيسة اللبنانية، جاءت "ترجمة عظيمة" لمعنى المارونية في عمقها الإنساني والديني والوطني.

gettyimages-182840665-2048x2048-1280x960.jpg

ساد الهرْج والمرْج في بلدة عبيه الجبلية، أثناء مراسم التشييع الرمزي للشابّة إنعام حمزة عضو جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي استشهدت في مزارع شبعا المحتلة عام 1990 في عملية فدائية ضد الإحتلال، قطّعت جسدها أشلاءً، أعيدت رفاته، بعد تسعة وعشرين عاماً، ليوارى ثرى مسقط رأسها.

-التوني-1280x884.jpg

“اشتهيتُ بشوقٍ أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألّم. الحقُّ أقول لكَ: إنّك اليوم، وفي هذه الليلة، وقبل أن يصيح الديك مرّتيْن، تكون قد أنكرتني ثلاث مرّات”. هذا ما تنبّأ به المسيح ابن مريم موجِّهاً كلامه إلى بطرس، خلال عشائه الأخير مع تلاميذه في ليلة فصح اليهود، لينطلق وإيّاهم بعدئذٍ إلى جبل الزيتون.

إنّها “قصة الإنكار” الشهيرة التي دارت رحاها في قصر قيافا (في القدس المحتلة) حيث جرت محاكمة يسوع، وشُيِّدت في المكان، في ما بعد، “كنيسة صياح الديك” أو “كنيسة بطرس” الذي كُرِّس قدّيساً بعدما أدّى فعل الندامة بكاءً مُرّاً على معلِّمه، وتوبةً عميقة إلى الربّ. ومغزى قصة الإنكار هذه، شكّل، لقرون طويلة، أحد المواضيع المفضَّلة لرسّامي العالم، وحفره التقليد المسيحي في وجدان المؤمنين “مَعْلماً” مركزياً للّيتورجيا، وأولاه علم النفس الحديث، أيضاً وأيضاً، اهتماماً منظَّماً. فرأت أدوات وتقنيات التحليل النفسي إلى الإنكار، كإستراتيجية أساسيّة اجترحتها الإنسانية للتأقلم مع الشيء الذي يهدّد النفس البشرية، من هنا أسماه سيغموند فرويد “آلية الدفاع”. ولكن لماذا الحديث الآن عن الإنكار وقصته؟

خلال الأربعين يوماً الماضية، أي الفترة التي تفصلنا عن الليلة التشرينية المجيدة، لم نسمع كلمةً تجسِّد الحالة التي تعيشها السلطة اللبنانية برموزها المستهدَفة شعبياً، أفضل من كلمة “الإنكار” لكلّ صيحات الألم التي رافقت مخاض ولادة روح وكرامة شعب لبنان، بعد حمْلٍ دام قرابة نصف قرن. آخر المتشدّقين بهذه الكلمة السحريّة (الإنكار) كان رئيس الحكومة المستقيلة (المخلوعة؟) سعد الحريري، الذي نطق في الساعات الماضية بعد طول صوْم عن الكلام. كاشف الحريري اللبنانيات واللبنانيّين “بأنّ ما يمنع البدء بالمعالجة الجدية للأزمة الوطنية الكبيرة والأزمة الاقتصادية الحادّة التي يمرّ بهما بلدنا، هو أمرٌ أخطر من الأزمتيْن معاً: الإنكار المزمن للسلطة”. قالها الحريري إذاً، في ما يشبه بيان التنحّي المسبق عن قبوله تولّي رئاسة حكومةٍ تنتظرها ساحات الإنتفاضة وطرقاتٌ باتت مرتعاً لقطّاع طرق، قيل إنّ الشقيق التوأم لسعد الحريري وشَبَهَه “المخْلَق منْطَق” هو مَنْ يسيِّرهم بالريموت كونترول، لعلّ نيران الدواليب الطائفية المشتعلة تلتهم، في طريقها، إسم كلّ مَن تسوّل له نفسه التجرُّؤ على أخْذ مقعد شقيقه في السراي الكبير.

إنكاركم يا سادة، يُسمّى في حالتكم، أيضاً، فنّ “تلفيق” الواقع وتحويل الحقائق الصعبة إلى صور غامضة وضبابية

ظنّ رئيس حكومتنا المخلوعة، بأنّه حين يُضمِّن بيانه الوداعي تهمة “الإنكار”، سيرمي بذلك الحُرْم على السلطة التي يُعتَبَر، شاء مَن شاء وأبى مَن أبى، أحد أركانها الأقحاح. تقول العصفورة، إنّ الحريري، وبعد هذا البيان-الاتهام، حاول متذاكياً التنصِّل من مسؤوليته في ارتكاب جريمةٍ موصوفة، ضبطه فيها الثوار اللبنانيون بالميليشياوية المشهودة، يراقص البلد على حبلٍ رفيع فوق وادٍ سحيق، هو ومجموعة من صفوة زعماء الصفّ الأول للسلطة اللبنانية، على وقْع أنغام طبول وصنّاجات النوبة. أردفت تغريدة العصفورة في ما يشبه الهمس، بأنّ حالة هستيريا حقيقية يعيشها حكّام لبنان بصمتٍ مؤلم جعلتهم يتّفقون، وفي عزّ خلافاتهم على تناتش جيفة الدولة، على زيارة أهمّ طبيب عرفه الطبّ العصبي، البروفسور سيغموند فرويد المشهور بعلاجه عن طريق الحوار بين المريض والمحلّل النفسي.

وبعد دلعٍ طويل لابنها الأصغر الذي أصرّ على “أنّه هو ولا أحد غيره” سيبادر إلى شرح عوارض مشكلتهم للدكتور فرويد، دخلت السلطة، أخيراً، عيادة مؤسّس علم التحليل النفسي وصاحب كتاب “العوامل النفسية للهستيريا”؛ صافحهم فرويد، الواحد تلو الآخر، وقال لهم “أنتظركم منذ زمنٍ طويل! أينكم يا جماعة وماذا تفعلون ببلدكم؟ تلعبون لعبة الموت على المكشوف؟! ولكن كيف استطعتم الوصول إلى عيادتي في هذه الأجواء الصعبة!”، ربّت طبيبنا على كتف أحدهم وقال، “نعم فهمت. خفافيش الليل منكن وفيكن، فلنبدأ على الفور”. وبدأت جلسة العلاج الحوارية، فشرح فرويد لمرضاه كيف أنّ الإنكار (الذي تولّى الأصغر سناً منهم أن يفسِّر للبروفسور أنّ عوارضه تلمُّ بهم منذ أربعين يوماً وأكثر) يُعتَبَر مرضاً نفسياً من بين القائمة الطويلة لأمراضٍ تحطّ، عادةً، من قدْر وكرامة النفس البشرية، مثل القلق المدمِّر والاكتئاب والإدمان والساديّة، لكنّنا، أردف لهم فرويد، نصنّف الإنكار بين أكثر هذه الأمراض إثارةً للحيرة، كونه يبدو أقلّها ضرراً وأسمّيه أنا “آلية الدفاع عن النفس”. كيف؟ سأل أحدهم، فأجابه سيّد نظريات العقل الباطن، أنّ الإنكار هو استراتيجية أساسية للتأقلم مع الشيء الذي يهدّد نفسنا وفهمنا لوضعنا في العالم، فعندها نختار هذا الإنكار، أي محو كلّ معلومة في هذا الإطار من ذاكرتنا ووعينا. أنتَ مثلاً، يوجّه كلامه لسائل السؤال، تتبّع مع ناسك وشعبك اليوم، استراتيجية شبه واعية ومتعمَّدة لتجاهل ما لا ترغب في رؤيته في داخلك وفي العالم؛ وأنتم جميعكم، يا حكّام لبنان، لو كنتم تعلمون، تمارسون ما نسمّيه في التحليل النفسي “محو الذكريات”، أي وكأنّ أمراً ما، غضبة الشعب ونبذه لكم على سبيل المثال، لم يحدث نهائياً. أنتم، يردف فرويد والكلّ شاغر فمه منصتاً، تدرّبون أنفسكم على طريقة فلّاحي بولندا وأوكرانيا الذين كانوا يعيشون بالقرب من معسكرات الاعتقال النازية، فدرّبوا أعينهم وعقولهم على عدم رؤية أو شمّ أو سماع أيّ شيء. تقلّلون من أهمية ما يحصل أمامكم وتردّدون في سرِّكم “نحن لا نرى شيئاً ولا نعلم شيئاً”، ورؤية الأشياء دون إدراكها أو تسميتها، هي، ما نسمّيه في علم النفس، استراتيجية العين التي ترى الأشياء دون أن ترى حقيقتها. بمعنى أنّه الرؤية مع عدم الرؤية، ولكنّه تكتيك لا يخلو من السخرية، وهو ما يجعلكم أقلّ شرعية في نظر شعبكم ومحيطكم والعالم المستنير، إنكاركم يا سادة، يُسمّى في حالتكم، أيضاً، فنّ “تلفيق” الواقع وتحويل الحقائق الصعبة إلى صور غامضة وضبابية.

لم أقع طوال حياتي المهنية على مرضٍ شبيهٍ لمرض إنكاركم المستمرّ، يقول فرويد هازّاً رأسه بتأسّف، فحالتكم صعبةُ العلاج

لم أقع طوال حياتي المهنية على مرضٍ شبيهٍ لمرض إنكاركم المستمرّ، يقول فرويد هازّاً رأسه بتأسّف، فحالتكم صعبةُ العلاج، وهي من النوع الثالث للمرض، أي ذاك الذي يتضمّن نظرة محدَّدة جداً بالحاضر، فيرى المرء شيئاً ولكنّه يفشل في إدراك معناه وأهميته. مثلما يحدث في أسطورة الفودو(Voodoo)، أي عندما يكون الزومبي حيّاً وميتاً في الوقت نفسه، فيصبح الإنكار هو شكل المعرفة “الزومبيائي” أو المعرفة الحيّة والميتة، أي شيء نعرفه ولا نعرفه (فكرة سينمائية تشير إلى الشخص الميّت الذي يحيا من جديد ويخرج من القبر). يرتجف بعض الحاضرين غضباً، ويقول مقاطعاً الطبيب: تقصدني أنا بالتشخيص؟ نعم للأسف، يجيب فرويد، الإنكار ليس سمة يتّصف بها الأشخاص فحسب، بل مجموعات مثل العائلات والشعوب والأحزاب. يستطيع بعضها بناء الولاء المتبادل، فقط، من خلال إنكار أمراضها العاطفية وعنفها، وعلى المنوال ذاته، يتمّ بناء النفس لماضٍ عظيم وهويات معصومة من الخطأ من خلال إنكار أفعال العنف التي ارتكبتها. وكما يقول نيتشه، يشرح لهم، إنّ السياسة هي فنّ معرفة الحدّ الذي يجب عنده نسيان الماضي إذا لم يقم بحفر قبور الحاضر، فما نتذكرّه أو ننساه هو أمر بالغ الأهمية في أنظمتنا السياسية الحديثة، ونظامكم اللبناني واحدٌ منها، إذْ هو يمارس الإنكار كسياسة ممنهجة. وبعبارة أخرى، الأمر الفريد من نوعه، بالنسبة لحالتكم كأناس مولجين بحماية ناسكم، هو أنّكم لا تنكرون فقط العنف الذي تدفعون زعرانكم وشبّيحتكم، لممارسته ضدّ إخوتهم في الهوية والحاجة والظلم والقهر قمعاً لانتفاضة قضّت مضجعكم وهزّت نفوذكم وأخافتكم أهدافها، بل تعتبرون أنّ الشعب الغاضب والناقم عليكم هو المعتدي. هذا الاستبدال الغريب لدوريْ الضحية والمعتدي، يتململ فرويد مؤذِناً بأنّ الجلسة طالت، هو مثالٌ واضح وكلاسيكي للإنكار الذي يمحو أخطاء الجاني ويتّهم المُعتَدى عليه بالقيام بها، فالإنكار في هذه الحالة ليس خللاً معرفياً، بل إنّه قصور أخلاقي مثير للقلق. كونه قصوراً لا يسمح بمشاركة الواقع مع الآخرين، مثله مثل المقامر الذي يراهن على البيت الذي يعيش فيه أبناؤه، لأنّه مقتنع تماماً أنّه سيفوز، بلا ريب، على مرتادي الكازينو.

ينهض الجميع للانصراف، فينده عليهم فرويد قائلاً: سأعلِّمكم هذا القَسَم قبل مغادرتكم. قولوا معي، “أُقْسِم في هذه الليلة المباركة الهادئة وتحت ضوء النجوم وروعة القمر وأشكال السلسلة المقدّسة، أنّني سأحمي جميع أخوتي، وأنّني على استعدادٍ لأن أذلّ نفسي في سبيل تكوين المجتمع المقدّس. أُقْسِم بأن أتخلّى عن كلّ شيء في حياتي، حتى يصبح الجيل الآتي هو مجتمعي وأسرتي الوحيدة”. ما هذا! أتعلِّمنا قَسَم الولاء الذي يردّده الجندي لدى انخراطه في الجيش؟ استنكر أحد حكّامنا ساخراً، فأجابه فرويد “كلا يا عزيزي، هذا قَسَم الإنضمام إلى المافيا الإيطالية”.

(*) أستاذة في الجامعة اللبنانية