وفاء أبو شقرا, Author at 180Post

11-1.jpg

يُروى أنّه عندما عرض الخليفة الأموي معاوية بيعة ابنه يزيد وليّاً للعهد في أحد مجالس الخلفاء في الشام، وقف أحدهم ونادى وسط الجموع المنقسمة بين مؤيِّدٍ ومُعارض: "أيّها القوم، أمير المؤمنين هذا (وأشار إلى معاوية). فإنْ مات فهذا (وأشار إلى يزيد). ومَن أبى فهذا (وأشار إلى السيف)". فقال له معاوية: "إجلس، فأنتَ سيّد الخطباء". ووُلِّيَ يزيد على المسلمين، وبقيّة الحكاية تعرفونها.

طوالية.jpg

من المفترض أنّنا دخلنا في لبنان، منذ الساعة صفر من صباح الخميس الماضي، في ما يُسمّى "الصمت الانتخابي". صمت، سيكون متقطّعاً. يعود ويغيب تبعاً للأيّام المقرّرة لعمليّات الاقتراع، في الداخل اللبناني وخارجه. صمت، تمنّى لبنانيّون كُثُر أن يكون صمتاً أبديّاً لبعض المرشّحين (لمعظمهم؟).

313c5e38-03f2-4eef-a6ed-8e1d3ef6b55d-2060x1236-1.jpeg

لا اغتباط يضاهي اغتباط المرشّحين للانتخابات النيابيّة المقبلة في لبنان. لنقلْ اغتباط معظمهم. فلقد منحتهم تغطية الإعلام لمأساة قارب الموت الطرابلسي، فرصة القفز على "الحدث". أو ما نسمّيه في لغة الإعلام الـ scoop. فها هم يهرعون، سلطةً ومعارضين و"تغييريّين"، للاستثمار في موت الغرقى.

88A9F7F6-B836-4C9E-932B-2C787E114D93.jpeg

"فرنسا لم تعد فرنسا. انظروا مَن بات يتنافس على الرئاسة فيها. فلقد خلت البلاد من رجال السياسة، الذين كنّا نحتار مَن نختار من بينهم. لما يتحلّون به من خصالٍ حميدة. أمّا اليوم، فصار منبع التردّد في الاقتراع، هو أنّنا مضطرّون للاختيار بين السيّء والأسوأ".

غنم.jpg

صورة ضبابيّة لا تزال عالقة في ذاكرتي. صورة تعود إلى الـ 1972. ففي تلك السنة، جرت آخرُ انتخاباتٍ اختار فيها اللبنانيّون تسعةً وتسعين نائباً. قبل أن يغرقوا في جحيم حربهم الأهليّة. أتذكّر نفسي طفلةً في السادسة من عمري. كنت "أرجو" أمّي كي تتوسّط لي مع جارنا المصوّر "العمّ رفعت".

656576767878798.jpg

عندما كنتُ آتي من غربتي إلى لبنان للزيارة، في بداية التسعينيّات، كانت تدهشني حمّى شعبيّة من نوعٍ آخر. كان الناس يتناقلون، وبشغفٍ وإعجابٍ عابريْن للمناطق والطوائف، آخر أخبار وفصول وتفاصيل قصّة عشقٍ مكسيكيّة. كان مسلسلاً "ملحميّاً" بعنوان Tú o nadie أي "أنتَ أو لا أحد".

politics___menekse_cam.jpg

أحلمُ بعالمٍ خالٍ من رجال الدين. هو ثاني أحلامي، من حيث الترتيب، بعد حلمي بـ”انقراض” المافيات والعصابات التي تحكم هذا الوطن. لكنّني البارحة، سرحتُ بخيالي بعيداً أكثر. فاستفاق الحلم، وأنا أشاهد مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة. كان يتلو “بياناً” لمناسبة حلول شهر رمضان. لو أغمض المُشاهد عينيْه، لظنَّ، وبعض الظنّ إثمٌ يا أصدقاء، أنّ “الخطيب” المفوَّه ليس إلاّ مسؤولاً في الدولة. أو زعيم حزبٍ سياسي. أو رئيس لائحةٍ يعلن برنامجه الانتخابي للانتخابات النيابيّة المقبلة. نعم. في لبنان، لا فرق عندنا بين رجال الدين ورجال السياسة. يشبهون بعضهم بعضاً، في كلّ شيء.

فرجال الدين عندنا، وبدل أن تكون أمور التقوى والعبادات والأخلاقيّات والشعائر عمادَ كلامهم. وكلّ بنيانه. والدافعَ والمبرّر لأيّ حضورٍ إعلامي لهم. نراهم يقفون “متحدّثين”، غالباً، على ذات المستوى الذي يقف فيه رجال السياسة في لبنان. وعلى اختلاف مناصبهم ومسؤوليّاتهم (وزراء، نوّاب، مسؤولون حزبيّون، ناشطون سياسيّون…إلخ). لا شيء يشي بصفتهم الدينيّة. اللهمّ إلاّ زيّهم. والمكان الذي يُطلقون منه كلامهم (مسجد، حسينيّة، كنيسة، مقرّ الطائفة، مقرّ المطرانيّة…).

لنتضرّع إلى الله كي يستقيلوا. أقصد رجال الدين، هؤلاء. وليكفّوا “إيمانهم” عنّا. ليتواروا عن أنظارنا. ليرحلوا، ببساطة. ليعيشوا، في صومعات ودُور العبادة، بعيداً عنّا. أو أقلّه، ليصوموا عن الكلام غير المباح إلى الأبد. يا أيّها المقصودون بالنداء، بربّكم افعلوها.. يرحمكم الله ويرحمنا!

يحضر رجال الدين اللبنانيّون كسياسييّن يتكلّمون في السياسة، بشكلٍ شبه مطلق. هذا ما فعله المفتي أمس. وهذا ما سيفعله البطريرك غداً. وهذا ما سيفعله غيره بعد غد وكلّ يوم. وعليه، صرتُ أسأل نفسي (وأنا أتابع كلمة المفتي) أسئلةً تدور، كلّها، حول سؤالٍ إشكاليٍّ متشعِّبٍ واحد هو: ماذا سيحدث لنا وللعالم أجمعين، إذا استقال رجال الدين، بعامّة، من وظائفهم؟ رجال الدين بالمطلق؟ بمعنى أوضح؛ هل سيتوقّف أيّ نشاطٍ مفيد أو غير مفيد للبشريّة، إذا تنحى رجال الدين عن كراسيهم (هم أيضاً عَبَدَة كراسي)؟ في ما يلي، عيّنة من أسئلتي في “حلم اليقظة” وأجوبتها عندكم، بلا ريب:

إذا ترك رجال الدين “أعمالهم” هل ستختفي الأديان؟

أَلَن يعبد البشر المؤمنون ربّهم، ويصلّوا ويصوموا ويتضرّعوا إلى خالقهم؟

هل ستتوقّف السيّدات عن الإنجاب؟

هل ستحلّ الرحمة في قلوب الحُكّام؟

هل ستسود عدالة القانون؟

هل سيُعاقَب المذنبون الحقيقيّون عن مآسي المعمورة؟

هل “سيتبخّر” الفقر؟

هل سيتقاسم الناس بالتساوي ثروات الأرض؟

هل سيحلّ القحط في الحقول والسهول والمزارع؟

هل ستتوقّف المصانع عن العمل؟

هل ستُقفل المستشفيات أبوابها بوجه المرضى؟

هل ستكفّ المدارس والجامعات عن تعليم الطلاب؟

هل ستهمد حركة البناء في المعمورة؟

هل سيتوقّف البحث العلمي وتنتهي الاختراعات؟

هل ستُشَلّ حركة الطائرات والقطارات والسيّارات؟

هل ستنهار البورصات العالميّة؟

هل سيتوقّف الإنترنت؟

هل ستختفي الدوريّات والبطولات الرياضيّة؟

هل ستتراجع الصين عن مشاريع غزو العالم بمنتجاتها؟

هل ستنقطع شهيّة أميركا في السيطرة على شعوب الأرض؟

هل سيعزف الطغاة عن صنع الحروب؟

هل سيستعيد العرب كرامتهم؟

هل سيُرجع الصهاينة فلسطين؟

هل.. وهل.. وهل ستتراجع تعاستنا، نحن اللبنانيّين، قيد أنملة؟ جواب واحد على كلّ هذه الأسئلة. كلا.

ماذا سيحدث لنا وللعالم أجمعين، إذا استقال رجال الدين، بعامّة، من وظائفهم؟ رجال الدين بالمطلق؟ بمعنى أوضح؛ هل سيتوقّف أيّ نشاطٍ مفيد أو غير مفيد للبشريّة، إذا تنحى رجال الدين عن كراسيهم

ماذا سيتغيّر إذاً؟ إذا انكفأ رجال الدين عن حياتنا، بقدرة قادر، سيهبط منسوب الكراهية بين الناس. بالتأكيد. وسيتوقّف معه تخويف الناس من النار. والتهويل على “الكفّار” بعذابات القبر والثعبان الأقرع. وإذا ترك رجال الدين البشر لأقدارهم، سيبدأ هؤلاء، على الأرجح، في استخدام عقولهم بشكلٍ أكبر. وفي الحدّ الأدنى، سيتوقّف تفسير أيّ مصيبةٍ أو كارثةٍ طبيعيّة أو اصطناعيّة، على أنّها غضبٌ من الله على عبيده! وأكثر. سيخسر الحُكّام والملوك والسلاطين و.. سنداً قويّاً لهم. وحصناً منيعاً يصدّ عنهم، بفتاويه وتحريماته، كلّ محاسبة. أو حتّى مساءلة.  ويكسر سيف القوانين المسلط على رقابهم! وبعد؟

سيتوقّف، بالتأكيد، الاسترزاق باسم الدين. على الطالعة. وعلى النازلة. وفي شتّى الاتجاهات. فتستطيع، حينئذٍ، أن ترقد نفسٌ على رجاء القيامة المجيدة. وأن ترجع روحٌ إلى ربّها راضية مرضيّة. من دون مِنّة الخوارنة والمشايخ والأئمّة. أولئك الذين يتولّون (الجَهَلة منهم قبل العالِمين) رسْم الصراط المستقيم. ويتقاضون، “بالعملة الصعبة”، ثمن الراحة الأبديّة للأرواح! ويتناطحون، وهذا الأهمّ، لبيع تذاكر الدخول إلى الجنّة والنار!

كلمة أخيرة. فلنتضرّع إلى الله كي يستقيلوا. أقصد رجال الدين، هؤلاء. وليكفّوا “إيمانهم” عنّا. ليتواروا عن أنظارنا. ليرحلوا، ببساطة. ليعيشوا، في صومعات ودُور العبادة، بعيداً عنّا. أو أقلّه، ليصوموا عن الكلام غير المباح إلى الأبد. يا أيّها المقصودون بالنداء، بربّكم افعلوها.. يرحمكم الله ويرحمنا!

إقتضى التضرّع والتمنّيات لكم بأن يكون صيامكم صياماً مقبولاً.

photo_2022-03-19_14-33-46-2.jpg

في مطلع شهر أيّار/مايو 2018، انطلق وليد جنبلاط رئيس "اللقاء الديموقراطي" آنذاك في جولةٍ انتخابيّة، على عددٍ من قرى وبلدات الشوف الأعلى في الجبل. كان هدف جولته، التسويق لترشيح نجله الأكبر تيمور. فالمهمّة التي كان قد أوكلها إلى النائب وائل أبو فاعور، لهذا الغرض، بدا أنّها لم تؤتِ بالثّمار المرجوّة جنبلاطيّاً.

mothers_day__wissam_asaad.jpg

تقول الحكاية: "كان هناك طفل يستعدّ للقدوم إلى الحياة. فسأل الله، مستفسراً، بقلق: سمعتهم يقولون إنّك سترسلني إلى الأرض غداً. لكن كيف؟ كيف سأعيش؟ كيف سأتدبّر أمري؟ ماذا سأفعل؟ فأنا صغيرٌ جدّاً. وعاجز. فلقد أخبروني، أنّ هناك رجالاً سيّئين للغاية على الأرض. فمَن سيحميني منهم يا أبتاه؟!

broke_after_education__guido_kuehn.jpg

القصف المركَّز، منذ سنتيْن وأكثر، على كليّات الجامعة اللبنانيّة ومعاهدها وطلاّبها وأساتذتها، يثير الدهشة. بل، الريبة. ما ذكّرني، بما قرأته يوماً في صحيفة "لوموند" الفرنسيّة. كان تحقيقاً يستشهد كاتبه بنصيحةٍ أسداها أحد حكماء الصين لأحد الأباطرة، بخصوص حملاته العسكريّة.