وفاء أبو شقرا, Author at 180Post

10-1280x812.jpg

قبل سنواتٍ قليلة، أعدَّ باحثون نفسيُّون في الولايات المتَّحدة وكندا وهولندا دراسةً استقصائيَّة، عن السعادة ومتطلِّبات استجلابها. فتبيَّن لهم، أنّ شراء الوقت بدلاً من السلع الماديَّة، يحقّق للإنسان المزيد من مشاعر السعادة، بنسبةٍ تصل إلى 30 بالمئة. وأنّ الضغط الناجم عن "ندرة الوقت"، يقلِّل من إحساس الإنسان بالاطمئنان والراحة وتالياً.. بالسعادة. وأنّ هذه الندرة تساهم، كذلك، في إصابته بالقلق والأرق وتالياً.. بالتعاسة.

106898784_1550444491776654_4255309596397583232_o.jpg

قبل نحو عشر سنوات، كان بائع الخضار التونسي المتجوِّل محمد البوعزيزي يسوق عربته في أحد شوارع مدينة سيدي بوزيد. فاعترضت سبيله شرطيّة وصرخت به بالفرنسيّة:"Dégage"  (إرحل). بحجّة أنّ البيْع ممنوع للباعة المتجوّلين في ذاك المكان حيث كان يقف. ولمّا حاول البوعزيزي ثنيها عن مصادرة عربته وبضاعته، دفعته وصفعته أمام الناس.

10-2-800x445-1.jpg

أتذكَّر ليلة ذاك الخميس من عام 2003. كنّا انتهينا للتوّ من "عجقة" النشرة الإخباريّة المسائيّة. فجلسنا في الـ news room لنستريح قليلاً. فجأةً، سمعنا صياحاً وصخباً. ركضنا إلى أسفل، مُعتقدين أنّ عراكاً قد اندلع في المحطّة (حيث كنتُ أعمل). فإذا بشبابٍ يتقدَّمون بسرعة داخل المبنى، ويهتفون "بالروح بالدم...". على أكتافِ أحد "المغاوير"، كانت تتدلَّى ساقا رجلٍ سبعيني. كان يبتسم (ببلادة)، ويرفع يديْه ملوِّحاً لمَن هُرِع إلى المكان.. للفُرْجَة. 

IMG-20200619--1280x836.jpg

عندما أطلق الفنّان اللبناني "شوشو" أغنية "شحّاذين يا بلدنا" عام 1974، لم يكن يتوقّع أن تتحوّل إلى "نشيد" للإنتفاضات الشعبيّة والمطلبيّة اللبنانيّة. فالأغنية كانت بمثابة "جردة" مضغوطة بإرتكابات الدولة والنظام في لبنان بحقّ شعبٍ أُوهِم أنّه يعيش في أُنسٍ واندماجٍ ورخاء. جاءت الأغنية كشاهد عيان، على معاناةٍ جسيمةٍ كانت تعتمل في دواخل شرائح واسعة من اللبنانيّين. فصرخ فقيدُنا الكبير باسمهم آخر صرخاته على المسرح: "آخ يا بلدنا".

104220662_153250-.jpg

يُروى، أنّ سفيراً عربيّاً قال للجنرال شارل ديغول، يوماً: "فرنسا دولةٌ عظيمة لأنَّ الثورة الفرنسيّة صنعتها". فأجابه ديغول: "لا، لم تصنعها الثورة، بل صنعها ديكارت". وكان الرئيس الفرنسي يريد أن يلفت، بالتأكيد، إلى أنَّ الثورة الفرنسيّة (1789-1799)، إنّما كانت نتاجاً وتتويجاً لعصر الأنوار وثورته الثقافيّة. ومَن أوقد شعلة تلك الثورة التنويريّة، هو رينيه ديكارت الفيلسوف والعالم الفيزيائي الشهير الملقَّب بـ"أبو الفلسفة الحديثة".

IMG_7971-750x420-1.jpg

بينما كنتُ أوضِّب مكتبتي، وقع نظري على كتابٍ كان قد أهداني إيّاه رفيقٌ مغربي في الجامعة. "صديقنا الملك" هو عنوان الكتاب الذي يؤرِّخ لأربعة عقودٍ من حُكم الملك المغربي الراحل الحسن الثاني. فيه، فَضَح الصحافي الفرنسي Gilles Perrault (عام 1990) زيفَ الواجهة الديمقراطيّة الحديثة للمغرب، والتي كانت تخفي وراءها ديكتاتوريّةً وحشيّة لطاغيةٍ مصابٍ بجنون العظمة.

-ناجي-العلي-49-1280x864.jpg

تطرأ أمورٌ في كواليس الطيران والسفر، يحرص طاقم الطائرة أن يُبقيها بمنأى عن الركّاب، لئلاّ يُصابوا بذعرٍ قد يتسبّب في إرباك هذا الطاقم، ولا سيّما الربّان. إذْ للأخير، الدورُ الأساسي في إنجاح الرحلة التي يعني "عدم نجاحها"، ببساطة، الهلاك الحتمي للجميع. خصوصاً أنّ الربّان، ومتى كان كفوءًا وماهراً، بمقدوره أخْذ الكثير من المشاكل على عاتقه وحلّها، من دون أن يعرف الركّاب، أصلاً، بوجودها.

whos_stopping_trump___marian_kamensky.jpeg

صباح يوم الثامن من كانون الأوّل/ديسمبر 1988، شَدَدْتُ الرِحال، مع زميلٍ لي، وقصدنا قرية المختارة الجبليّة، لحضور مؤتمرٍ صحفي كان مقرّراً أن يعقده، نائب الشوف ووزير كلّ الحكومات (حينها) وليد جنبلاط. كنتُ متهيِّبة كثيراً تغطية الحدث، لسببيْن: الأوّل، أنّه كان قد مضى على بدْء عملي في الإذاعة عامٌ واحد (بالكاد)، أي إنّني كنتُ غضَّة الخبرة في "الميدان"؛ والسبب الثاني، هو توجُّسٌ لديّ من مواجهة جنبلاط، المعروف بشخصيّته النزقة وعدم لطفه مع الصحافيّين.

LaLaLandDam.jpg

في مرجٍ أخضر، كان يعيش ضفدع ضخمٌ وفخورٌ بحجمه كثيراً، كما تقول الحكاية. سمع الضفدع يوماً الحشرات تتحدّث عن ثورٍ ضخم ومهيب الحجم، يقطن في الجوار، فصرخ: "كيف يمكن أن يكون هناك أيّ مخلوق أكبر منّي في العالم كلّه؟" وصادف أنْ رأى الضفدع هذا الثور مرةً، فسأل اليرقات: "هل هذا هو الوحش الضخم"؟ فردّت بخوف: "نعم". فقال بسخرية: "أنا أستطيع أن أكون بضعف حجمه إنْ أردت، شاهدوني". وأخذ الضفدع نَفَسَاً كبيراً جدّاً جدّاً جدّاً، وبدأ ينفخ وينفخ وينفخ، ومن ثمّ يكبر ويكبر ويكبر. وفجأة! دوّى صوت فرقعة. لقد انفجر الضفدع المسكين... بعدما كَبُر ادّعاؤه وأصبح أضخم من حجمه.

FFF8204-1_546033_highres-1280x689.jpg

دُعي الخبير البلجيكي "فان زيلاند" إلى بيروت، عقب الاستقلال، لتنظيم وترشيد الاقتصاد اللبناني، وبعد أسابيع قليلة على وجوده، كما تقول رواية مجلّة "الحوادث"، قصد رئيس الوزراء رياض الصلح. قال له شاكياً: "كيف لي، يا دولة الرئيس أن أعرف، أنّ التفّاح في بلادكم ماروني، والبرتقال سنّي، والزيتون أرثوذكسي، والتبغ شيعي، والعنب كاثوليكي؟ ولو كنتم قد أخبرتموني بذلك قبل مجيئي إلى لبنان، لما غامرتُ بسمعتي كخبير في هذه البلاد التي تنتسب فيها، كلُّ ثمرةٍ، إلى طائفة". غالباً ما أتذكّر مقولة المسكين "فان زيلاند"، كلّما ضربت أزمةٌ "محصولاً" من محاصيل إحدى ثمار بلدنا المثمر بالأزمات، وآخرها موسم "الزيتون الأرثوذكسي"!