وفاء أبو شقرا, Author at 180Post

FB_IMG_1606764947351-1280x1225.jpg

هل رأيت يوماً طفلاً في الثالثة من عمره يسير بخطى قصيرة، فيما يبدو سرواله مليئاً بالغائط، وعلى وجهه نظرة دهشة كأنّها تسأل: مَن تغوّط في سروالي؟ بهذا السؤال، يوطّئ الكاتب Andrew Fuller لشرحه عن شخصيّة الإنسان المراوغ. Fuller، المتخصّص في علم النفس العيادي، يُدرِج الناس المراوغين ضمن لائحة لأبرز أنواع الشخصيّات التي تنكّد على البشر حياتهم. "سبع شخصيّاتٍ تسمّم حياتكم"، هو عنوان كتابه المرجعي الصادر عام 2009.

FB_IMG_1601796551066-1280x1124.jpg

"لبنان اليوم، هو من أكثر البلدان انقساماً، لكنّه غير قادر على تحمُّل أعباء هذا الانقسام. والمفارقة، أنّ اللبنانيّين أنفسهم، ممّن يتفشّى بينهم وباء الانقسام، هم على وعيٍ تامّ بهويّتهم المشتركة". من هذه الحقيقة، يعيد المؤرّخ والمفكّر اللبناني الراحل كمال الصليبي النظر، في الأساطير التاريخيّة المرويّة عن لبنان.

122008274_1644155949072174_454503750591861013_o-1280x853.jpg

في 17 أكتوبر، ثار اللبنانيّون على أنفسهم وعلى الواقع المأزوم الذي باتوا معه رهائن. ما عادوا يريدون أن يكونوا طُفيْليّين في بلدٍ طُفيْلي. أشعلت السلطة، بأناملها، شرارة غضب شعبي مكتوم تلقّفته الشوارع والساحات، على كامل خارطة الوطن، ما أعطى الدليل الحسّي على نضج العامل الموضوعي للتغيير. لتغيير النظام الذي فقد كلّ شرعيّةٍ لبقائه. لإسقاط نظامٍ لا يعترف بشعبه، ولا يعرف أن يتعاطى إلاّ مع "شوارع طائفيّة". فإذا به، ذات تشرين، يجد نفسه بمواجهةٍ مع هذا الشعب.

FB_IMG_1601796564494-1280x943.jpg

في الشتاء المنصرم، أعادت منصّات التواصل الاجتماعي الترويج لرقصة "حاملي النعوش" الغانيّة، عبر مقطع فيديو صادم أثار أصداءً مدوّية. يُظهِر هذا الفيديو، بضعة شبّان ببزّاتهم السوداء وقبّعاتهم البيضاء وأحذيتهم البيضاء والسوداء ونظّاراتهم السوداء، وهم يحملون نعشاً ويراقصونه بطريقةٍ بمنتهى الغرابة. وهُم لا يكتفون بهزّ النعش، فحسب. بل، وعلى وقْع الأنغام المعدنيّة لأغنية "astronomia"، يبدؤون استعراضهم. فيقذفون قبّعاتهم في العالي ويسقطون على الأرض ويدورون ويتلوّون، حتى أنّهم يرمون النعش في الهواء كوداعٍ أخير للميت بأسلوبٍ يحضّره، باعتقادهم، للحياة الأخرى.

Lebanon-.jpg

بداية هذا الصيف، عرضت إحدى الشاشات اللبنانيَّة دراما سوريَّة بعنوان "دقيقة صمت"، أثارت جدلاً واسعاً لدى الرأي العامّ، ولا سيّما السوريّ منه. فالمسلسل المذكور، يسلّط الضوء على فسادٍ رهيب "يُمارَس" في دهاليز المتنفِّذين في سوريا. ويفضح مأساة بلدٍ أوجعته الحروب، بينما قادته، في دوائر الدولة وسلطاتها، غارقون في الصفقات والمؤامرات.

fdd3-.jpg

"شعرتُ بنارٍ تجتاح صدري. الدمّ ينزف منّي. أنا أموت"، هذا ما قاله شابٌ لبناني نجا من الموت بأعجوبة. فلقد اخترقت رصاصة طائشة صدره (قبل أربع سنوات)، بينما كان يسير في الشارع مع أفراد عائلته في الضاحية الجنوبيَّة لبيروت. "كانوا يحتفلون بالفوز في الانتخابات البلديَّة.. فيما كنّا نبكي دماً"، تعلّق والدة الشاب المصاب بالرصاص والذي باتت حياته مسلسل رعب، كما يؤكّد.

--1280x745.jpg

8 حزيران/يونيو 1982 تاريخٌ محفور في ذاكرتي. يومها، كنتُ عائدة برفقة عمّتي من النبع الواقع في طرف قريتي عماطور (الشوف). ذهبنا لملء الغالونات. فلا مياه للشرب في بيوتنا، ولا كهرباء، ولا شيء من كلّ ما تتطلَّبه الحياة الكريمة (مثل حالنا اليوم تماماً). كنا ما زلنا نسير في طريق العودة، وإذا بصوت أزيز جنازير الدبّابات على الإسفلت يتناهى إلى مسامعنا من البعيد.

dictator__wissam_asaa-.jpg

قبل ألفيْ سنة، جلس نيرون في برجٍ مرتفع يتأمَّل روما وهي تحترق. وتروي كتب التاريخ والأساطير، أنّ الإمبراطور الروماني الخامس (والأخير)، كان يمسك القيثارة ويغنّي أشعاراً لهوميروس وينظر إلى ألسنة اللهب. طوال خمسة أيام، التهمت النيران ثلثيْ المدينة. راقب نيرون المشهد بمتعة، وقيل إنّه كان يدخِّن ويرتشف الشاي السيلاني. وحدث الأفظع عندما خمد الحريق. إذْ أمَرَ، على الفور، بتشييد قصرٍ له على أنقاض الدمار الساخنة.

-9.jpg

"أُعلنُ توقّفي عن ممارسة مهامّي كرئيسٍ للجمهوريَّة". بسبعِ كلماتٍ، تنازل الجنرال شارل ديغول عن السلطة في فرنسا. لم يتحمّل عنفوانه الشخصي وتاريخه النضالي، رفْض 52،41% من المواطنين الفرنسيّين إصلاحاته التشريعيَّة التي كان قد طرحها في استفتاءٍ عامّ بعد ثورة أيّار/مايو الشهيرة (1968). عقب صدور النتائج بعشر دقائق، صدح ليلاً صوت الجنرال الفرنسي الأشْهَر وهو يخاطب الشعب مودِّعاً.

hajo.jpg

"عندما يمسك بالقلم جاهل، وبالبندقيَّة مجرم، وبالسلطة خائن، يتحوّل الوطن إلى غابـة لا تصلح لحياة البشر". هذا ما كتبه أحدُهم مهاجِماً مقالتي (السبت الماضي)، عن صورة حزب الله المهشَّمة في وجدان الكثير من اللبنانيّين. المقصود بالجاهل (في تعليقه) "أنا"، كاتبة المقال. فلستُ في السلطة لأخون، ولا أملك البنادق لأرتكب الجرائم. بل جلّ ما أملكه، هو "الكلمة" التي تخيف أمثاله من الشتّامين. أي "الكلمة" المؤمنة بأنّ الكتابة هي "لحظة وعي"، وليست وظيفة إيديولوجيَّة. بأنّها لحظة الإنعتاق الوحيدة.