عندما نفتقد قهوتنا الصباحية الدافئة

ها أنا أخرج من منزلي وعزلتي بإتجاه المستشفى إستعدادا لفترة الدوام الليلي، أو بالأحرى إستعداداً لجولة صراع جديدة مع الذات والموضوع.

برغم بعض مظاهر الربيع الفرنسي المبكر، يوحي الجو العام بالكثير من الوجوم والكآبة والقلق والتوتر والرهبة والصمت الثقيل. كنت أشعر بإنسياب الوقت ببطء، فيما السكون المريع يحيط بالأمكنة كلها.

دخلت إلى مكتبي لإرتداء الملابس الواقية واللوازم الروتينية ثم توجهت إلى القسم لتبادل المعلومات والتوصيات مع فريق العمل النهاري. وجوه من هم حولي، من دون ملامح، وتشي حركاتهم وعباراتهم بتوترهم. مزيج من التعب والشحوب المتراكم والإنفعال الزائد.

سلمني الزميل المسؤول هاتف المناوبة الليلية.

وجدت طبق الطعام المعد لفترة الليل في غرفة الإستراحة. أخذته بحركة لاشعورية ثم وضعته على طاولة خشبية مجاورة. لم تكن لدي أدنى شهية للطعام.

كانت صفارات الإنذار تمزق صمت الليل الكئيب ومناخ الوجوم والترقب والهلع من ذلك العدو اللعين.

إفتقدنا المناوبات العادية عندما كنا ننتظر ساعات الفجر الأولى للتحلق حول شطائر البيتزا وفناجين القهوة الدافئة وبعض الحكايات القصيرة والنكات المسلية.

أيضاً، فقدت شهية الكتابة. شهية تحضير باقة الأغاني والمقامات الموسيقية للويك أند القادم واللقاءات الثقافية المعتادة.

***

ينتابني شعور غريب في هذه الأيام. تفاهة الأشياء وضحالة القضايا. كمية السخافات والضحالة والضعف والهوان في حياتنا.

تهاوت الكثير من المفاهيم والأفكار ومشاريع العطل والزيارات المفترضة ووو..

ثمة حالات صراع داخلية تهز الكثير من البديهيات والمسلمات والتراكمات في غياهب اللاوعي وزوايا العتمة الداكنة والغبار الكثيف المحيط بالأحلام.

***

في صباح اليوم التالي، أستعيد برفقة قهوتي الصباحية شريطاً من الذكريات والقصص القديمة. شريط يمر ويتفاعل بطريقة جنونية داخل رأسي مع دوران مخيف وشعور بالغثيان والصداع والضمور النفسي. تبادلت مع زملاء الصباح بعض التعليمات الضرورية وغادرت المكان بشيء من الغصة.

كانت شمس الصباح تشي ببعض الأمل لأيام قادمة محملة بالفرح والبشارة والقدرة على التوثب.

(*) طبيب فلسطيني مقيم في فرنسا

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course