شارلوك هولمز في شوارع متوحشة

رويداً رويداً، يصبح الجلوس في المنزل عادة نستكين لها، نطمئن لفكرة الانعزال عن الخارج، والتحصن داخل جدران البيت، وأمام شاشة التلفزيون، أو قرب منفذ للكهرباء حيث يمكننا شحن هواتفنا، لا يهمنا في أي يوم نحن، أو في أي شهر، وحده الوقت مهم فقط، ننظر إلى الساعة لنعلم موعد انقطاع التيار الكهربائي وموعد عودته، ففي بلادي (سوريا)، موظفو الكهرباء دقيقون جداً في موعد قطع التيار، ويحاولون أن يكونوا دقيقين في موعد وصله. بحسب الساعة نعرف إن كان يمكننا الخروج من المنزل أم أن وقت حظر التجول قد بدأ، ووفقها أيضاً، نعرف موعد حلقة اليوم من مسلسلنا، يسير كل شيء برتابة مملة، نحاول كسرها أحياناً بخوض مغامرة شراء بعض الحاجيات.

كمعاناة المصابين بالـ”أغورافوبيا” (رهاب الخروج من المنزل)، نبدأ التفكير والتحضير لمغامرتنا، نرسم مخططاً لسيرنا، الحاجيات التي يجب شراؤها، الوقت اللازم لهذه المهمة، نجهز أسلحتنا (الكمامة، المعقم الكحولي)، وننطلق إلى المجهول.

المجهول هنا هو حينا الفارغ تقريباً من المارة، أو هذا ما نظن أننا سنراه في كل مرة نخرج فيها إلى الشارع، لنفاجأ أن الحياة مستمرة برغم إغلاق الأسواق، يمر بقربنا صديق يومئ من خلف كمامته، تسير خلفه سيدة تجر طفلين. على الرصيف الآخر، يقف أربعة شبان أمام محل لبيع القهوة، يشربون قهوتهم ويدخنون ويتبادلون النكات. مع اقترابنا من سوق الخضار، يزداد الازدحام بشكل تدريجي، قبل أن نفاجأ بأنه مكتظ، نقف أمامه في حيرة بطل في أحد أفلام “الزومبي” عليه أن يخترق مجموعة كبيرة من “الأحياء الأموات” لإنقاذ حبيبته.

بإصرار بطل الفيلم، نقرر إتمام المهمة، نشد كماماتنا، نتأكد من استعداد المعقم الكحولي، ونخترق الازدحام، نحاول جاهدين عدم التلامس مع أحد، نزجر أحد الباعة، ونتجاهل ضحكات طفل يبيع البقدونس بعد أن ضبطنا نعقم أيدينا بشكل مستمر.

وسط الزحام، وأمام حالة الاستنفار الداخلية التي نعيشها، نشعر أننا تحولنا إلى “مجهر الكتروني” يرصد الميكروبات والجراثيم والفيروسات، نتنبه لبائع يلحس يده قبل أن يحمل كيساً لفتحه وملئه، وآخر يمسح عرقه بيده التي يحمل فيها النقود. نسمع كل عطسة وسعال وسط الزحام، نراقب حركة يد شاب تثاءب فوضع يده على فمه، قبل أن يصافح صديقه، نتردد قبل أن نأخذ الكيس من البائع بعد أن وزن الخضار ودفعنا ثمنه.

نغير ثيابنا، نتخلص من الكمامات، نستحم، ونستعد لجولتنا الأخيرة من هذه المغامرة، حيث علينا تقمص دور “شارلوك هولمز” في تقفي آثار الفايروس على مشترياتنا، ودور خبراء منظمة الصحة العالمية في طرق وأساليب تعقيمها

بعد صراع مع كل هذا الحشد، وكل هذه التفاصيل، ننجح في شراء بعض الخضار، نخرج من الزحام وبيدنا أكياسنا وعلى وجوهنا مزيج من القلق وسعادة الانتصار، لتبدأ الخطوة الثانية وفق الخطة التي أعددناها. نراقب الوقت المتبقي لنا، أقل من ساعة لبدء حظر التجول، إذ يبدأ الحظر يومي الجمعة والسبت من الساعة الثانية عشر ظهراً، ونحن نتسوق يوم السبت، علينا أن نسرع.

أمام محل بيع المواد الغذائية والألبان والأجبان، حشد كبير أيضاً، صاحب المحل نظم عملية البيع بحيث حدد عدد الأشخاص الذين يمكن أن يستوعبهم محله، فوضع موظفاً مهمته السماح لشخص واحد فقط بالدخول فور خروج شخص مقابل من داخل محله. هذه المعادلة لم تعجب أحد الحاضرين لتقع مشكلة، وتليها مشكلة أخرى، تدافع وتزاحم، والوقت يمر، دون تفكير طويل، نقرر خوض المغامرة مرة أخرى، ونتمكن من الدخول ونشتري بعض الحاجيات ونخرج.

الساعة تشير إلى الحادية عشرة و43 دقيقة، لدينا ربع ساعة لنشتري بعض المواد من محل آخر يحتاج الوصول إليه نحو عشر دقائق، علينا أن نسرع، نصل فعلاً اليه قبل موعد الحظر بثماني دقائق، ندخل مسرعين، يقوم صاحب المحل بإغلاق محله علينا من الداخل، قبل أن يشرح لنا أنه تعرض لمخالفة كبيرة الأسبوع الماضي بسبب تأخره عن الإغلاق ربع ساعة، نشتري بقية حاجاتنا، يفتح الباب، يراقب الشارع قبل أن يسمح لنا بالخروج، نهرول مسرعين إلى بيتنا، ونصل في تمام الساعة الثانية عشرة حاملين الأكياس كأنها جوائز إتمام المهمة. نغير ثيابنا، نتخلص من الكمامات، نستحم، ونستعد لجولتنا الأخيرة من هذه المغامرة، حيث علينا تقمص دور “شارلوك هولمز” في تقفي آثار الفايروس على مشترياتنا، ودور خبراء منظمة الصحة العالمية في طرق وأساليب تعقيمها.

علاء حلبي

صحافي سوري

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy course