مصارف سوريا والتزامات “الانكشاف” على لبنان.. إنكار ثم انهيار بعنوان “الإصلاح”!

لا يُمكن التعامل مع القرار الصادر عن مصرف سوريا المركزي، والقاضي بإلزام المصارف العاملة في البلاد بتغطية كامل انكشافها على القطاع المالي اللبناني خلال ستة أشهر، بوصفه مجرّد إجراء تنظيمي لتحسين الميزانيات أو تطبيقًا ميكانيكيًا لمعايير المحاسبة الدولية.

يعكس قرار المصرف المركزي السوري ذهنية نقدية مأزومة تتعامل مع أزمة معقّدة بأداة واحدة كي تُصلح كل شيء، وتختبئ خلف شعار «الانضباط المالي» لإطلاق عملية إعادة تشكيل عميقة للقطاع المصرفي السوري من بوابة «المؤونات»، ولكن تحت سقف نوايا سياسية ومالية مضمرة.

من الناحية التقنية، يشير الانكشاف على لبنان إلى تلك الأرصدة التي أودعتها المصارف السورية في المصارف اللبنانية، سواء لتغطية تمويلات تجارية أو لتسهيل التحويلات الخارجية التي كانت شبه مستحيلة في ظل العقوبات الدولية ولا سيما الأميركية (قانون قيصر وغيره). غير أن القرار الأخير، الذي يُلزم المصارف خلال ستة أشهر كحدٍّ أقصى بتغطية هذا الانكشاف بنسبة 100%، في حين غطّت حتّى الآن أكثر من 50%، يتعامل مع هذه الأرصدة لا كأموال محجوزة أو متعثرة، بل كخسائر محقّقة ونهائية. وبهذا تصبح المصارف العاملة في القطاع، ملزَمة بتشكيل مؤونات توازي تقريبًا كامل رساميلها القابلة للتشغيل.

عمليًا، يُدفَع القطاع إلى تفريغ نفسه من السيولة ورأس المال العامل كي يثبت «التزامه» بمبدأ الشفافية المحاسبية، كما يُعرّفه المصرف المركزي السوري.

في الشكل، قد يبدو الإجراء تصحيحًا متأخرًا بعد سنوات من ترحيل الخسائر وتغليفها في بنود محاسبية مبهمة. لكنّ التمعّن في مضمون القرار يكشف سريعًا تناقضًا صارخًا بين منطقه المعلن ونتائجه الفعلية. فالمصرف المركزي يرفع شعار «الاستقرار المالي»، فيما يدفع الجهاز المصرفي إلى المزيد من الاختناق. ويطالب بتعزيز المؤونات لتحصين المصارف، ثم يفرض مهلة تنفيذ لا تسمح بأيّ مسار تدريجي أو خطة رسملة متدرّجة، فيضرب في الوقت نفسه ميزانيات البنوك وقدرتها التشغيلية. هكذا يُعلِن الحرب على «التعثّر» الخارجي، بينما يحتضر الاقتصاد المحلي تحت وطأة تعثّر أعمق وأكبر.

ولعل المفارقة الأبرز أنّ فقط نحو ثلث الانكشاف الذي أُعلِن أنّه يبلغ نحو 1.6 مليار دولار، يرتبط بمصارِف ذات مساهمات لبنانية مباشرة (500 مليون دولار)، فيما تتوزع بقية المبالغ على المصارف السورية الحكوميّة، وبالتحديد المصرف التجاري السوري.

وعلى الرغم من ذلك، لا يُميّز قرار المصرف المركزي السوري بين أنواع الانكشاف ولا بين نِسب المساهمة ولا بين جودة الأصول أو طبيعتها. المعيار واحد، والمهلة واحدة، وكأن الهدف ليس إدارة المخاطر وِفق خصوصيّة كل مصرف، بل إلغاء الفوارق بين اللاعبين ودفع القطاع إلى إعادة ترتيب هيكلي يتمّ فيه إقصاء مصارف وفتح الأبواب أمام أخرى، بما يُعيد تشكيل الخريطة المصرفية وِفق ميزان قوى إقليمي جديد.

إعادة توزيع المراكز في القطاع المصرفي

بهذا المعنى، يتحوّل المصرف المركزي السوري، الذي يُفترَض أن يكون جهة تنظيمية محايدة تضبط الإيقاع وتراقب المخاطر، إلى طرفٍ مباشر في لعبة توزيع أدوار جديدة. فهو لا يستخدم أدوات السياسة النقدية الكلاسيكية، بل عصا الإخضاع الإداري: من يستطيع زيادة رأسماله ضمن المهلة المقررة يبقى في اللعبة، ومن يعجز يُدفَع إلى الخروج أو يُعرَّض للاستحواذ. ولكن لن تكون النتيجة الحتمية تحصين النظام المالي، بل فتح الباب واسعًا أمام إعادة توزيع المراكز داخل القطاع، من دون أن يترافق ذلك مع بناء ثقة حقيقية أو ترسيخ قواعد حوكمة مستقلة.

والسؤال الكبير المخفيّ هنا هو كيف وصل رصيد المصرف التجاري السوري في لبنان إلى هذا المستوى؟ ومنذ متى. وكيف سيغطّي هذا المصرف المؤونة المطلوبة؟

يستعيد القرار الخطوات التي كان مجلس النقد والتسليف السوري قد اتخذها في نهاية عام 2021، لكن مع فارق جوهري في المنهجية والحدّة. في ذلك الوقت، جرى تصنيف الانكشاف على لبنان كقروض متعثرة تُغطّى تدريجيًا بنسبة 30% حتى نهاية 2022، مع حظر توزيع الأرباح قبل استكمال المخصّصات. كانت تلك مقاربة أكثر واقعية، تأخذ في الاعتبار اختلاف أحجام المصارف وقدرتها على الامتصاص. وقد صادق حاكم مصرف سوريا المركزي الحالي عبد القادر الحصرية على ذلك كونه كان المحاسب القانوني المعتمد لدى الكثيرٍ من هذه المصارف. أمّا اليوم، فيتم نسف مبدأ التدرّج المهني لصالح قاعدة جامدة تُسقط الجميع في خانة واحدة. هذا الانتقال من «تنظيم المخاطر» إلى «فرض العقوبة» يكشف عجز المؤسسة النقدية عن إدارة الأزمة عبر أدواتها الطبيعية، ولجوئها إلى القرار الإداري كحلّ أسرع، لكنه أيضًا الأكثر تدميرًا.

البُعد السياسي للقرار لا يقلّ وضوحًا عن بُعده المالي. فاللافت للانتباه أنّ القرار قد جاء دون أيّ تشاور مع مصرف لبنان المركزي، في حين يتعرّض القطاع المصرفي في لبنان لضغوط دولية كبيرة. ويأتي التعميم السوري في لحظة انتقال اقتصادي حسّاسة في سوريا، بعد رفعٍ جزئي لبعض العقوبات وفتح قنوات تواصل أولية مع رؤوس أموال خليجية وتركية وأوروبية. في مثل هذه المراحل الانتقالية، كانت السلطات النقدية لتميل إلى تهيئة السوق لاستقبال شركاء جدد عبر فتح مجال لإنشاء مصارف جديدة أو بيع المصارف المتعثّرة الموضوعة تحت الحراسة القضائيّة. من هنا يمكن قراءة خلفية القرار كعملية تصفية بطيئة تحت شعار الحوكمة، وإعادة فرز للملكية بما ينسجم مع خارطة سياسية واقتصادية متوقعة في مرحلة «سوريا جديدة».

لا تنحصر مخاطر قرار المصرف المركزي السوري في كلفته المباشرة، بل في ما يحمله من آثار سياسية بعيدة المدى. فتحت غطاء «مهني»، يجري عمليًا رسم خريطة جديدة للقطاع المصرفي بما يتناسب مع المرحلة القادمة والانفتاح الجزئي على الخارج. في الشكل، هناك لغة حوكمة وشفافية؛ أمّا في الجوهر، فهناك إعادة اصطفاف لمراكز النفوذ المالي لمن يُمسِك بمفاتيح التمويل في سوريا في المرحلة المقبلة. في المقابل، يُترك الاقتصاد الحقيقي، إنتاجًا واستهلاكًا، خارج المعادلة، كأنه أيضاً مجرّد تفصيل ثانوي في معركة السيطرة على القطاع المصرفي

فاقد الشيء لا يُعطيه!

في المقابل، يطالب المصرف المركزي السوري المصارف بمستويات حوكمة تفوق بكثير قدرته هو نفسه على تطبيق الحدّ الأدنى منها داخل مؤسساته. فالنظام النقدي الحالي يقوم عمليًا على اقتصاد “الكاش”، حيث تتولى تطبيقات غير مرخّصة وشركات تحويل دفع رواتب موظّفين حكوميين وتمرير مدفوعات خارج النظام المصرفي الرسمي. في ظل هذه البنية الهشّة، يبرز سؤال بديهي: كيف لمؤسسة عاجزة عن تنظيم المدفوعات الإلكترونية وضبط سوق التحويلات أن تطلب من مصارف استمرّت في دعم اقتصاد بلادٍ في ظروف صعبة أن تلتزم بمعايير «بازل» الكاملة خلال نصف عام فقط؟ وكيف لدولة تفتقِر إلى أي تصنيف ائتماني أو تقييم خارجي مستقلّ لنظامها المالي أن تبرّر تجنيب مؤونات بهذا الحجم والكلفة، وكأنها تعمل في بيئة مالية طبيعية ومنفتحة؟

اقتصاديًا، ستكون النتيجة المباشرة للقرار انكماشًا حادًا في الائتمان. فالسيولة المحدودة أصلاً ستُحوَّل إلى حسابات مؤونات جامدة بدل توجيهها إلى تمويل التجارة أو الصناعة أو رأس المال العامل للقطاع الخاص. إذ أنّ كل دولار يُجمَّد كمؤونة هو دولار يُسحب من الدورة الاقتصادية. ومع تراكم القيود، سترتفع كلفة التمويل، ويتقلّص حجم القروض الجديدة، وتتراجع القدرة على تجديد الموجودات. وهذا يعني عمليًا تعطيلًا إضافيًا لحركة السوق الداخلية، وتعميقًا لركود اقتصاد فقدَ أكثر من 80% من ناتجه خلال العقد الأخير، ويُطالب قطاعه المصرفي اليوم بأن «يُثبت سلامة صحته» عبر خنق ما تبقّى من أنفاس!

إقرأ على موقع 180  اليسار الفرنسي ينتصر لخطاب "الإسلاموفوبيا"!

والأخطر أن القرار يتبنّى خطاب صندوق النقد الدولي حول «الشفافية والمحاسبة»، لكن في بيئة تخلو من أبسط مقومات الرقابة المستقلّة أو القضاء المالي النزيه. فالمؤسسة نفسها التي تطالب المصارف بتكوين مؤونات ضخمة لم تقدّم هي ميزانية شفّافة للرأي العام، ولم تصدر تقارير دورية دقيقة عن الاحتياطات أو القاعدة النقدية أو سياسات سعر الصرف. بهذا المعنى، تُطبّق شعارات الحوكمة على القطاع الخاص بوصفها التزامًا إلزاميًا، فيما تُستثنى الجهة المنظِّمة نفسها من هذه القواعد، في مفارقة تجعل من «الشفافية» واجبًا على الآخرين ومحرّمًا داخل المؤسسة المركزية.

ومن المفارقات البنيوية أيضًا أن القرار يتعامل مع لبنان كـ«بؤرة خطر» تستوجب التنظيف الفوري، في حين أن النظام المصرفي اللبناني نفسه لم يخضع بعد لإعادة هيكلة كاملة أو لتوزيع واضح للخسائر بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان والمودعين. فلبنان لم يحسم بعد ملف إعادة الرسملة أو «شطب» الرساميل المتآكلة، ولم يحدّد بدقة آلية ردم الفجوة المالية. في هذه الظروف، تصبح مطالبة المصارف اللبنانية، التي تشكّل المساهم الأكبر في بعض المصارف السورية، بضخّ أموال جديدة في دمشق شبه مستحيلة ماليًا. ومع ذلك، يتصرّف المصرف المركزي السوري وكأن هذا المستحيل تحصيلٌ حاصل، متجاهلًا أن النتيجة الواقعية ستكون خروج الشريك اللبناني وبيع حصصه، أي إعادة تموضع استثماري يخدم رؤية السلطة النقدية أكثر مما يعكس منطق الوقائع المالية.

بهذا، نحصل على معادلة خاسرة للطرفين. المصارف السورية ستفقد جزءًا كبيرًا من رساميلها العاملة لتكوين مؤونات غير منتجة وغير قابلة للاستخدام في توسيع الائتمان. والمصارف اللبنانية، من جهتها، ستخسر ما تبقّى من حضورها الخارجي في السوق السورية. وفي المقابل، لن يكسب النظام المالي السوري سوى قطاعاً أصغر حجمًا، أضعف قدرة، وأقلّ مرونة في تمويل إعادة الإعمار التي يُفترض أن تكون أولوية المرحلة المقبلة. أما الثقة، رأس المال الحقيقي لأي نظام مصرفي، فستتراجع أكثر مع كلّ قرار يُتخذ باسم الشفافية ويُطبّق بأدوات القوة لا بأحكام القانون.

والمعادلة الخاسرة ستنطبق أيضاً على المصرف التجاري السوري الحكومي. فهل تكمُن النيّة في أن يبيع أصوله وعقاراته بسرعة؟ ولمن؟ وعن طريق من؟

علاج الجرح ليس بالبتر!

يزداد التناقض وضوحًا عند النظر إلى التوقيت. ففي الوقت الذي يتحدث فيه الخطاب الرسمي عن «انفتاح» اقتصادي واستقطاب استثمارات جديدة، يوجّه المصرف المركزي السوري رسالة معاكسة تمامًا للمستثمرين. قرارٌ بهذه الضخامة، يُتّخذ بلا تشاور معلن، ومن دون خارطة طريق تنفيذية واضحة، يكشف هشاشة الإطار التشريعي، ويؤكد ضعف القدرة المؤسسية على اعتماد التدرّج في الإصلاح. لا مصارف خليجية جدّية، ولا صناديق سيادية، ستجازف بالدخول إلى سوق لا يُعرف فيها متى يمكن أن يخرج تعميم مشابه يُعيد قلب قواعد اللعبة خلال ستة أشهر.

قد يدافع البعض عن القرار بوصفه محاولة لـ«إغلاق جرح قديم» اسمه الانكشاف على لبنان. لكن معالجة الجروح المالية العميقة لا تتمّ بالبتر السريع، بل بعمليات تنظيف تدريجية تحافظ على ما تبقّى من نسيج القطاع. التجارب الدولية، من قبرص إلى اليونان، تُظهر أن خطط إعادة رسملة المصارف جرت في العادة على مراحل، وضمن أطر قانونية واضحة، وبإشراف صندوق النقد الدولي، وليس عبر إملاءات زمنية تعسفية. في الحالة السورية، الصورة معكوسة تمامًا: لا إشراف خارجياً، ولا بيانات مالية مركزيّة منشورة، ولا سوق مالية متطوّرة، ومع ذلك يُتّخذ قرار بحجم 1.6 مليار دولار كما لو أنه مجرّد تعديل تقني في بندٍ ثانويّ.

هكذا لا تنحصر مخاطر القرار في كلفته المباشرة، بل في ما يحمله من آثار سياسية بعيدة المدى. فتحت غطاء إجراء «مهني»، يجري عمليًا رسم خريطة جديدة للقطاع المصرفي بما يتناسب مع المرحلة القادمة والانفتاح الجزئي على الخارج. في الشكل، هناك لغة حوكمة وشفافية؛ أمّا في الجوهر، فهناك إعادة اصطفاف لمراكز النفوذ المالي لمن يُمسِك بمفاتيح التمويل في سوريا في المرحلة المقبلة. وفي كل الأحوال، يُترك الاقتصاد الحقيقي، إنتاجًا واستهلاكًا، خارج المعادلة، كأنه أيضاً مجرّد تفصيل ثانوي في معركة السيطرة على القطاع المصرفي.

هكذا يتمّ تحميل المصارف كامل كلفة الخسائر الناجمة عن أزمة هي بالأساس نتاج سياسات إقليمية وحصار خارجي وتراكم أخطاء داخلية، ثم يتركها وحيدة أمام معادلة مستحيلة: الامتثال ولو على حساب البقاء، أو الزوال والخروج من السوق.

الانكار السوري اللبناني المشترك!

ليس القرار الصادر عن المصرف المركزي السوري في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تصحيحًا ماليًا. بل هو أقرب إلى تصفية مقنّعة للقطاع المصرفي القائم، تحت غطاء تنظيمي، وتحديداً لفروعه اللبنانية التي كانت سبّاقة للانفتاح على الاقتصاد السوري. وإذا كان الهدف المعلن هو بناء قطاع قادر على تمويل التعافي، فإن هذه ليست الطريق إليه. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتجفيف الائتمان بل بإعادة بناء الثقة. ولا يُقاس بحجم المؤونات المجمّدة بل بقدرة المصارف على تمويل الإنتاج والتجارة. ولا يتحقّق بتعاميم فوقية بل بخطّط تشاركية توازن بين المحاسبة والاستدامة.

بهذا المعنى، لا يختلف المصرف المركزي السوري كثيرًا عن نظيره اللبناني في ذروة الأزمة: كلاهما أنكر المشكلة سنوات، ثم واجهها بقرارات صادمة تخطّت قدرة الاقتصاد على الاحتمال. الفارق أنّ لبنان انهار أولًا ثم حاول أن يلتقط أنفاسه، بينما تبدو سوريا اليوم كمن يختار الانهيار المبرمج باسم «الإصلاح»، في درسٍ جديدٍ عن كيفية استخدام المصارف كأداة هيمنة لا كرافعة تنمية، وعن كيف تتحول الحوكمة إلى شعارٍ جميل يغطي أقسى أشكال السيطرة على ما تبقّى من بنية النظام المالي السوري.

وفي الحالتين اللبنانية ثم السورية، يُعطي البلدان نماذج تستحق أن تُدرس في أهم الكليات الإقتصادية في العالم، باعتبارها وصفات جاهزة لإماتة الميت!

Print Friendly, PDF & Email
إيڤون أنور صعيبي

كاتبة وصحافية لبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  بدائل دياب: فوضى.. الحريري أم حكومة عسكرية؟