ما بعد «دويلة قسد».. أكراد سوريا واختبار المواطنة (1)

ما جرى في شمال شرق سوريا لم يكن مجرّد اندفاعة عسكرية خاطفة. بل كان تعبيراً عن تقاطعات سورية وإقليمية ودولية اجتمعت تحت مظلة حماية وحدة الدولة السورية، بشرط انضوائها تحت سقف منظومة مصالح أميركية – تركية – سعودية، يؤمل أن تأخذ في الاعتبار لاحقاً مصالح دول أخرى أولها إسرائيل وثانيها الأردن.

خلال أيامٍ معدودة، تدافعت الوقائع كأنها تُطوى بيدٍ واحدة: مناوشات محدودة في الشيخ مقصود والأشرفية بحلب؛ اندفاع ميداني بلغ تخوم الحسكة والقامشلي، تتقدّمه مهلة قصيرة تُلقى في وجه «قسد» كعبارة فاصلة لا تحتمل التلوين: إمّا الاندماج تحت سلطة الدولة بكل ما يعنيه ذلك من إنهاءٍ لصيغة الكيان العسكري–الأمني–الإداري، وإمّا مقامرة مفتوحة على خسارة الزمن والأرض معاً. غير أنّ مغزى هذا التسارع لا يتوقف عند حدود “إقفال ملف قسد”، بل يتخطاه إلى ما هو أعمق: محاولة دمشق نقل القضية الكردية من خانة التفاوض الأمني إلى خانة المواطنة، وفكّ الاشتباك الذي تراكم طوال أكثر من عقد كامل بين حقوق الأكراد وبين وجود تنظيم مسلّح يحتكر تمثيلهم.

هنا ولدت المعادلة الجديدة بوضوح لا لبس فيه: مسار لحقوق الأكراد بوصفه تصحيحاً تاريخياً داخل دولة موحّدة، ومسار آخر لمصير “قسد” باعتباره ملفاً سيادياً يتصل بالسلاح والإدارة والثروة والحدود.

تريد دمشق فصل المسارين لأن مزجهما يُبقي المسألة الكردية أسيرة منظومة عسكرية نشأت أصلاً في سياق الحرب على “داعش”، ثم تمددت في فراغ الدولة وتحولت إلى مرجعية قسرية لها علمها ووحداتها العسكرية واقتصادها واداراتها. في المقابل، يخشى خصوم هذا الفصل-كلٌّ لأسبابه-أن يتحول الاعتراف بالحقوق إلى ستار سياسي لعملية إعادة السيطرة، أو يراهنون على إبقاء “قسد” بوصفها البوابة الإلزامية لأي حلّ. وبين إرادة الفصل وهواجس الخلط، تتشكل ملامح مرحلة يمكن أن تكون فرصةً تاريخية أو بداية جرح جديد.

المرسوم الرئاسي الذي صدر في ذروة الحراك لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً ولا زينة لغوية. في جوهره هو إعلان انتقال من لغة “الملف الأمني” إلى لغة “الحق”. أعاد الاعتبار لمئات آلاف من الأكراد الذين تراكمت مظلوميتهم منذ إحصاء الحسكة عام 1962، وتناسلت عبر الأجيال، وألغى آثار تدابير استثنائية نزعت الجنسية وخلقت فئات معلّقة بين الأرض والهوية. وإلى جانب ذلك، اعترف باللغة الكردية بوصفها لغة وطنية يسمح بتعليمها في مدارس المناطق ذات الغالبية الكردية، وأقرّ الاحتفال بعيد النوروز عيداً وطنياً وعطلة رسمية في عموم البلاد. قيمة هذه البنود لا تنحصر في كونها “مكاسب” تقنية، بل في كونها تُسقط إرث الإنكار وتستبدله باعتراف صريح: ما تعرّض له الأكراد لم يكن خطأً إدارياً عابراً، بل خللاً في عقد المواطنة لا يُرمَّم إلا بإعادة الحق إلى موضعه الطبيعي.

لكنّ النص وحده لا يصنع الثقة. فالذاكرة الكردية، في سوريا وفي الإقليم، مثقلة بتجارب وعود تُكتب ثم تُمحى، وتُعلن ثم تُنسخ. لذلك بدا طبيعياً أن يطفو منذ اللحظة الأولى سؤال الضمانات: ما الذي يمنع أن يُسحب هذا الاعتراف بقرارٍ لاحق؟ وما الذي يحوّل المرسوم من إعلان نوايا إلى سياق قانوني راسخ؟

هنا يطالب جزءٌ من الفاعلين الأكراد بأن تُستعاد الحقوق عبر الدستور والتشريعات والمؤسسات، لا أن تبقى رهناً بصيغة يمكن تبديلها. وفي المقابل، ترى دمشق أن الطريق إلى تثبيت هذه الحقوق يمر عبر بناء مؤسسات المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى صوغ مسار قانوني يُترجم المعنى السياسي للوعود بخطوات واضحة وحددة لا تقبل أي التباس.

في قلب هذا النقاش يطل عامل لا يمكن تجاهله: تبدّل الموقف الأميركي. فـ“قسد” قامت تاريخياً على وظيفة محددة في الحرب على “داعش”، وعلى مظلة دولية منحتها معنى الوجود. وحين يُعلن أن الغرض الأصلي انتهى، وأن لا مكان لمشروع الفدرلة، وحين تتصاعد أحاديث عن انسحاب أميركي أو إعادة تموضع، يجد التنظيم نفسه أمام حقيقة قاسية: لا وقت لمزيد من التأجيل. وهذا التحول لا يُقرأ فقط كضغط على “قسد”، بل كإشارة قبول أميركي بواقع سوريا الجديد، واستعداد لنسج علاقة أمنية مختلفة مع الدولة السورية في ملف مكافحة الإرهاب

المعضلة أنّ المرسوم لم يصدر في فراغٍ سياسي هادئ، بل خرج في لحظة تتقدم فيها القوات على الأرض بسرعة. وهذا يجعل التوقيت نفسه مادة جدل. هناك من قرأ الخطوة بوصفها تاريخية لأنها تكسر قطيعة طويلة مع الاعتراف، وهناك من رأى أن صدورها منفردة، متزامنة مع اندفاعة عسكرية، قد يُنتج شعوراً بأن الحقوق تُمنَح من موقع الغلبة لا من موقع الشراكة الوطنية. وبين هؤلاء وأولئك يتقدم رأيٌ ثالث يضع الإصبع على جوهر الإشكال: المشكلة ليست في مضمون الاعتراف بقدر ما هي في كيفية إنتاجه؛ فلو جاء ضمن حوار وطني ومشاركة سياسية أوسع، لكان أقدر على تبديد الشكوك، ولتحول إلى بند ضمن عقد اجتماعي جامع لا مجرد مبادرة أحادية تُقرأ بلغة ميزان القوة.

وعلى الضفة الأخرى من المشهد، يظهر ملف “قسد” بما هو أعقد من اختزاله في كلمة “تنظيم”. إنه واقعٌ تراكَم خلال عشر سنوات: إدارة وأجهزة أمنية، وهياكل تعليم وثقافة وخدمات، وشبكة علاقات مع التحالف الدولي، وتجربة قتال طويلة ضد “داعش”. لذا، لا تختزل فكرة إنهاء هذا الوجود في إعلان اندماج، لأن الاندماج نفسه يفتح أسئلة حساسة: هل سيكون جماعياً أم فردياً؟ شاملاً أم انتقائياً؟ وهل يُدار بمنطق “التصفية” أم بمنطق “الاستيعاب الكريم” الذي يمنع ترك أحقادٍ مؤجلة داخل المؤسسة العسكرية أو داخل المجتمع؟

إقرأ على موقع 180  الأسطورة الصهيونية تتمدد في الشرق الأوسط!

الترتيبات المطروحة في سياق الاتفاق تشير إلى ما يتجاوز حل التشكيل العسكري: دور لقائد “قسد” في اقتراح مرشح لمنصب مساعد وزير الدفاع وآخر لمنصب محافظ الحسكة، وأسماء للتمثيل في مجلس الشعب، وقوائم توظيف داخل مؤسسات الدولة. وفي المقابل، تنتهي العملية بإنهاء الوجود العسكري والأمني والإداري لـ“قسد” في شمال شرق سوريا لصالح الدولة، مع التشديد على عدم خلط هذا المسار بمسار حقوق الأكراد. وكأن دمشق تقول: الحقوق تُبحث معكم بصفتكم مواطنين داخل الدولة، أما السلاح والإدارة فلا يملكان مساراً موازياً خارجها. وبهذا تُسحب من “قسد” ورقتها الأثقل: الادّعاء بأنها بوابة إلزامية لأي حل كردي.

غير أن هذا الفصل يصطدم بثقةٍ هشّة. ثمة من يستحضر اتفاقاتٍ قريبة لم تُنفّذ: تعهدات سابقة بدمج أجهزة الأمن المحلية مع وزارة الداخلية لم تتحقق، وتراكم شكّ حتى صار الخوف من “الخديعة” جزءاً من الخيال السياسي. ومع تسارع الأحداث وبروز نزعة فرض الغلبة، يتضخم السؤال: هل تُستوعب “قسد” ومناطقها ضمن الدولة بوصفها شريكاً وطنياً، أم بوصفها خصماً يُجرَّد من أدواته بسرعة ثم يُطلب منه التصفيق من الهامش؟

في قلب هذا النقاش يطل عاملٌ لا يمكن تجاهله: تبدّل الموقف الأميركي. فـ“قسد” قامت تاريخياً على وظيفة محددة في الحرب على “داعش”، وعلى مظلة دولية منحتها معنى الوجود. وحين يُعلن أن الغرض الأصلي انتهى، وأن لا مكان لمشروع الفدرلة، وحين تتصاعد أحاديث عن انسحاب أميركي أو إعادة تموضع، يجد التنظيم نفسه أمام حقيقة قاسية: لا وقت لمزيد من التأجيل. والأكثر دلالة أن هذا التحول لا يُقرأ فقط كضغط على “قسد”، بل كإشارة قبول أميركي بواقع سوريا الجديد، واستعداد لنسج علاقة أمنية مختلفة مع الدولة السورية في ملف مكافحة الإرهاب. تغيّر شكل الوجود الأميركي- المكان والوظيفة والتشكيلة- قد يعني أن الحرب على “داعش” لن تُدار بعد اليوم عبر “قسد” بوصفها ذراعاً مستقلة، بل عبر ترتيباتٍ مع مؤسسات الدولة السورية الجديدة، بما يقطع الطريق على بقاء كيان مسلح خارج السيادة بذريعة مكافحة التنظيم.

ومع ذلك يبقى البعد الأمني فخاً إن أُسيء التعامل معه. “داعش” لا ينتظر اكتمال الحوار الوطني ولا ولادة المؤسسات. الحدود السورية-العراقية رخوة، والحدود السورية-اللبنانية..سائبة. والفراغ يولّد انفلاشاً، والمناطق الممتدة تحتاج إلى معرفةٍ بالأرض وخبرةٍ ميدانية. لذلك يصبح الاستيعاب أكثر من واجبٍ أخلاقي: إنه ضرورة عملية. فهناك عناصر مدرّبة يمكن توظيف خبرتها داخل مؤسسة الدولة بدل دفعها إلى العطالة أو التمرد أو الانزلاق إلى شبكاتٍ أخرى. لكن الاستيعاب يتطلب توازناً دقيقاً: بين حق الدولة في ضبط السلاح، وحق المجتمعات المحلية في ألا يتحول الأمن إلى سيفٍ مصلت عليها من خارجها. وفي الجزيرة- هذه “سوريا المصغّرة” بتداخل العرب والكرد والسريان والآشوريين- لا تنجح أي هندسة أمنية أو حوكمة إذا أصرّت على لونٍ واحد.

ولأن الأزمة ليست أمنية فحسب، فإن المرسوم وحده لا يكفي ما لم يواكبه مسار حوكمة يعيد الحياة إلى الناس.

انتقال الموارد الطبيعية إلى إدارة الدولة يفتح امتحاناً مباشراً: هل تستطيع الدولة تحويل السيطرة على الثروة إلى تنميةٍ محلية فعلية بشراكاتٍ محلية، ولا مركزيةٍ إدارية وتنموية تطمئن السكان وتُشعرهم أن “الدولة” ليست شعاراً بل ممارسة؟ لأن أفضل ضمانة للحقوق ليست النصوص وحدها، بل شعور المواطن بأن الدولة تحميه وتخدمه ولا تتعامل معه كـ“ملف”.

(*) غداً الجزء الثاني والأخير: الدولة السورية، الأكراد و”داعش”: لحظة الانتقال الخطِرة

Print Friendly, PDF & Email
إيڤون أنور صعيبي

كاتبة وصحافية لبنانية

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  مقامرة أردوغان الأخيرة