هذا التردّد اللبناني لا يمكن فهمه بوصفه سوء تقدير ظرفي أو انتظارًا حذرًا، بل هو انعكاس لخلل بنيوي في صناعة القرار. فبدل أن تكون السياسة الخارجية أداة لحماية المصلحة الوطنية وإعادة التموضع في الإقليم، تحوّلت إلى مرآة للهواجس والانقسامات الداخلية. الدولة التي فشلت في إنتاج موقف موحّد من الأزمة السورية، ولم تنجح في تحييد نفسها عن ارتداداتها، تجد نفسها اليوم عاجزة عن مقاربة ما بعد التحوّل، فتستعيد منطق «إدارة الوقت الضائع» فيما تتحرّك المنطقة بوتيرة متسارعة.
يزيد من كلفة هذا التردّد أنّ جزءًا من الطبقة السياسية اللبنانية ما زال أسير علاقة ملتبسة مع النظام السوري السابق؛ علاقةلٌ لم تُخضع يومًا لمراجعة نقدية جدّية. لم يُفصل فيها بين مقتضيات السيادة اللبنانية ومتطلبات الصراع الداخلي على السلطة، فبقيت سوريا إمّا ورقة توظيف داخلي أو ذريعة لتعليق القرار، لا جارًا ينبغي التعامل معه وفق قواعد المصالح المتبادلة.
وفي خلفية هذا المشهد، تستمر عقلية «الاحتماء بالخوف» في التحكّم بجزء وازن من القرار اللبناني. فبدل قراءة التحوّل السوري بوصفه إعادة تشكّل سياسي يمكن التأثير فيه والتفاعل معه، يُختزل في مقاربة أمنية وطائفية ترى في أي تغيّر مخاطرة وجودية. هكذا يصبح الخوف بديلاً عن السياسة، والتحوّط السلبي بديلاً عن المبادرة.
غير أنّ كلفة الفرصة الضائعة لا تُقاس فقط بما فوّت لبنان ويُفوّت من مكاسب اقتصادية أو سياسية مباشرة، بل بما يترسّخ داخله من عجز عن مواكبة التحوّلات. فكل يوم تأخير في إعادة تعريف العلاقة مع الجار المتغيّر هو يوم إضافي في تكريس لبنان كدولة ردّ فعل لا كدولة مبادرة، وككيان يراقب التاريخ وهو يُكتب على حدوده من دون أن يشارك في صياغته.
ما يحتاجه لبنان اليوم مع سوريا وغيرها من الدول ليس اصطفافًا جديدًا ولا انقلابًا في الخيارات، بل إعادة تعريف لوظيفته ودوره في بيئة إقليمية متحوّلة. فالدول لا تُقاس فقط بمواقفها الحادّة، بل بقدرتها على قراءة اللحظة، والتكيّف معها، وتحويل المتغيّرات إلى عناصر استقرار نسبي بدل أن تبقى مصادر قلق دائم. وفي هذا السياق، يبقى التحوّل السوري فرصة مفتوحة، لا مكسبًا مضمونًا ولا خطرًا حتميًا، بل مسارًا يمكن أن يساهم في إعادة وصل لبنان بمحيطه إذا ما أحسن مقاربته، أو يكرّس عزلته إن استمر التردّد بديلاً عن السياسة
في المقابل، تشير تجارب ما بعد النزاعات إلى أن الدول الخارجة من الحروب لا تعود إلى ما كانت عليه، بل تُعاد صياغتها وظيفيًا. هذا ما ينطبق على سوريا اليوم. فبغضّ النظر عن الموقف السياسي من النظام الجديد، يتعامل الواقع الإقليمي والدولي مع دمشق بوصفها دولة انتقلت من موقع «الاستثناء» إلى موقع «الملف القابل للإدارة». عودة إلى الفضاء العربي، فتح قنوات مع عواصم كانت في موقع القطيعة، حضور دولي متزايد، وحديث جدّي عن إعادة الإعمار والطاقة والربط الإقليمي، وكلها مؤشرات على انتقال سوريا من دولة تُدار بالعقوبات إلى دولة تُدار بالمصالح.
هذا التحوّل لم يكن مفاجئًا ولا تفصيليًا، بل مسارًا تراكميًا كان يمكن للبنان أن يتهيّأ له. غير أنّ الدولة اللبنانية تعاملت معه كإحراج سياسي مؤجَّل لا كفرصة لإعادة التموضع. فالتردّد، الذي يُفترض أن يكون حالة استثنائية، تحوّل إلى نمط حكم مستقر. النظام السياسي لا يتعطّل صدفة، بل يعمل فعليًا على منع الحسم، خوفًا من أن يُنتج القرار رابحين وخاسرين داخليًا، أو يفرض اعترافًا بأن مرحلة إقليمية انتهت وأخرى بدأت.
في هذا السياق، يصبح التحوّل السوري مصدر قلق لا لأنه خطر، بل لأنه يسحب الذرائع. فالدولة التي كانت تُستخدم لتبرير الشلل («الوضع السوري غير محسوم») لم تعد كذلك، ما يضع لبنان أمام سؤال لا يريد الإجابة عنه: لماذا لم نكن نحن المبادرين؟ فلبنان الرسمي لم يطوّر خارطة عمل مع سوريا، ولا خطة تفاوض اقتصادية أو أمنية، ولا حتى خطابًا سياسيًا يعكس قراءة جديدة للواقع الإقليمي.
النتيجة أن لبنان دخل مرحلة ما بعد التحوّل السوري كغياب. لا كلاعب ولا كشريك ثانوي، بل كساحة مفتوحة على نتائج تفاوض الآخرين. وفي السياسة، الغياب لا يعني السلامة، بل فقدان القدرة على التأثير في شكل النتائج ومساراتها.
تظهر هذه الخسارة بوضوح في الاقتصاد. فلبنان، الذي لم يكن يومًا دولة إنتاجية بحتة، بنى دوره تاريخيًا على الخدمات والترانزيت والوساطة. كان التحوّل السوري فرصة لإعادة تفعيل هذا الدور عبر الترانزيت البرّي، والانخراط المنظّم في إعادة الإعمار، وتنظيم الأسواق الحدودية، والمشاركة في شبكات الطاقة والنقل الإقليمي. غير أنّ غياب القرار حوّل الجغرافيا من فرصة إلى عبء، والحدود من بوابة تجارة إلى مساحة فوضى، والأسواق من رافعة نمو إلى رهينة للتهريب. هنا يصبح الاقتصاد دليلًا كاشفًا على عطب القرار السياسي لا ضحية له فقط.
أمنيًا، لم يستوعب لبنان التحوّل في مفهوم إدارة الحدود، التي باتت تُدار إقليميًا بوصفها فضاءات مشتركة لإدارة المخاطر لا خطوط فصل جامدة. فبقيت الحدود مع سوريا في منطقة رمادية: لا اتفاقيات أمنية وقضائية حديثة، ولا إدارة متكاملة، ولا ربط فعلياً بين الأمن والتنمية. هذا الفراغ أنتج نمطًا مألوفًا من التهريب والتوترات الحدودية وارتباكًا مكشوفًا في التعامل مع ملف الموقوفين..
في المحصلة، لا يكمن التحدي اللبناني في التحوّل السوري بحدّ ذاته، بل في كيفية مقاربته. فهذا التحوّل لا يفرض على لبنان مسارًا واحدًا أو تموضعًا إلزاميًا، بقدر ما يضعه أمام اختبار القدرة على التفكير السياسي الهادئ، القائم على المصلحة الوطنية لا على ردود الفعل أو الحسابات المؤجلة. وبين الانخراط غير المشروط والقطيعة السلبية، مساحة واسعة يمكن للدولة أن تتحرّك فيها لو امتلكت الحد الأدنى من الرؤية والقرار.
إن ما يحتاجه لبنان اليوم مع سوريا وغيرها من الدول ليس اصطفافًا جديدًا ولا انقلابًا في الخيارات، بل إعادة تعريف لوظيفته ودوره في بيئة إقليمية متحوّلة. فالدول لا تُقاس فقط بمواقفها الحادّة، بل بقدرتها على قراءة اللحظة، والتكيّف معها، وتحويل المتغيّرات إلى عناصر استقرار نسبي بدل أن تبقى مصادر قلق دائم. وفي هذا السياق، يبقى التحوّل السوري فرصة مفتوحة، لا مكسبًا مضمونًا ولا خطرًا حتميًا، بل مسارًا يمكن أن يساهم في إعادة وصل لبنان بمحيطه إذا ما أحسن مقاربته، أو يكرّس عزلته إن استمر التردّد بديلاً عن السياسة.
