إغلاق مضيق هُرمز الذي يتسبب في خنق الاقتصاد العالمي، يعد اليوم من أقوى الأوراق التي تستخدمها إيران في مواجهة التفوق الجوي والصاروخي الواضح للولايات المتحدة وإسرائيل. ويضاف إلى ذلك، الاستهدافات الإيرانية للقواعد العسكرية الأميركية والمنشآت النفطية والمدنية في دول الخليج العربية، التي تجد نفسها تدفع ثمناً باهظاً لحرب لم تشارك في اتخاذ قرارها. كذلك تحرك “حزب الله” في لبنان و”الحشد الشعبي” في العراق واعلان الحوثيين في شمال اليمن أنهم اتخذوا قرارهم بالوقوف إلى جانب إيران وسيعلنون عن ساعة الصفر في الوقت المناسب.
كلها عوامل لم تكن مدرجة في حسابات ترامب قبل الحرب، وهو يقر أيضاً بأنه لم يكن يتوقع أن ترد إيران على الحرب الأميركية-الإسرائيلية، بهذا الحجم من القصف على إسرائيل والقواعد الأميركية والبنى التحتية في دول الخليج والعراق والأردن. وكانت توقعات الرئيس الأميركي أن تكتفي إيران بردود رمزية كتلك التي تلت حرب الـ12 يوماً في حزيران/يونيو 2025، مثل قصف قاعدة العديد في قطر بعد انذار مسبق، أو كما حصل في 2019 عقب اغتيال قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في بغداد، عندما قصفت إيران قاعدة عين الأسد في العراق، أيضاً بعد انذار مسبق.
الذي تغيّر، هو أن النظام الإيراني يخوض هذه المرة حرب بقاء، ولذا اسقط فيها كل الحدود ولجأ إلى كل أوراق القوة التي في يده، ووسّع هجماته أفقياً. وهذه الردود فرضت بدورها تأثيرات على مسار الحرب، وجعلت أميركا تنشغل الآن، بدرس الخيارات التي يتعين اعتمادها لحمل طهران على فتح مضيق هرمز، الذي يشكل ضغطاً كبيراً على ترامب في الداخل والخارج.
بعد مرور أسبوعين على الحرب، لا يظهر محتجون في شوارع المدن الإيرانية يطالبون باسقاط النظام، وكمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة ليست في متناول أميركا وإسرائيل بعد، والصواريخ الإيرانية ما تزال تنطلق. لقد بدّدت تداعيات الصراع الدائر في الخليج، وإلى حد كبير، طموحات ترامب بجعل إيران، “فنزويلا جديدة”!
يعني ذلك أن تأثيرات الصدمة النفطية الحالية، تفوق بكثير تأثيرات صدمة 1973، عندما أعلنت “أوبيك” حظر تصدير النفط إلى الغرب عقب الحرب العربية-الإسرائيلية عامذاك، حيث تضاعف سعر البرميل أربع مرات، وتفوق أيضاً ما حدث بين عامي 1979 و1980، عندما تعطلت الإمدادات بفعل الثورة التي أطاحت بشاه إيران محمد رضا بهلوي وما أعقبها من حرب عراقية-إيرانية استمرت ثماني سنوات.
وأخفقت المواقف التي يتحدث فيها ترامب عن اقتراب الحرب من نهايتها، أو بأن أميركا “انتصرت” ولم تعد تجد أهدافاً لتقصفها، في تهدئة الأسواق بعدما لامس سعر البرميل أوائل الأسبوع الـ120 دولاراً، ليعود إلى ما دون الـ90 ومن ثم ليقفز مجدداً إلى ما فوق المئة دولار. هذا التذبذب، يُشعر الأميركيين بالقلق بعدما ارتفع سعر غالون البنزين بنحو 70 سنتاً، ومعه بقية البضائع. ينذر مثل هذا التطور بخسارة الجمهوريين لمجلسي الكونغرس، بحسب كل استطلاعات الرأي الأخيرة.
الإضطرابات في التجارة العالمية التي أحدثتها صدمة اقفال مضيق هرمز بعد الإضطرابات التي نجمت عن قرارات ترامب بزيادة الرسوم الجمركية بنسب كبيرة فور عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي، دفعت المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي إلى التحذير من أن الزيادة في سعر البنزين، ستقوّض الدعم المحلي للحرب، علماً أن هذا الدعم لا يتجاوز في أفضل الأحوال 28 في المئة، بينما هناك 68 في المئة من الأميركيين، بحسب استطلاع لمجلة “الإيكونوميست” البريطانية، لا يعرفون ما هي أهداف الحرب. وبديهي ألا يؤيد الناس حرباً لا يعرفون أهدافها. ومع ذلك، لا يزال ترامب يصغي إلى أصوات المعسكر المتشدد على غرار السناتورين ليندسي غراهام وتوم كوتون والإعلامي مارك ليفين.
ويظهر ترامب تردداً في إرسال البحرية الأميركية لمرافقة ناقلات النفط، لأن مثل هذا الإجراء ينطوي على مخاطر التعرض للاشتباك مع زوارق الحرس الثوري أو التعرض لصواريخ بر-بحر، على رغم أن المسؤولين الأميركيين يؤكدون تدمير السفن الحربية الإيرانية. لكن هذا لا يشمل مئات الزوارق السريعة والغواصات الصغيرة والمُسيّرات البحرية التي يملكها الحرس الثوري. كما أن تنظيف المضيق من الألغام غير مُتيسّر تحت النار. ولا تبدي شركات النفط تجاوباً مع نداءات الرئيس الأميركي، كي تتجرأ وتعبر المضيق، خصوصاً أن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، أكد في أول بيان له بعد انتخابه خلفاً لوالده، على ابقاء المعبر مغلقاً.
وسط هذا الاحتدام، لجأ ترامب إلى قصف جزيرة خرج الإيرانية بقاذفات “بي-2″، في رسالة فحواها أن أميركا مستعدة في مرحلة ما للسيطرة على الجزيرة، التي يمر عبرها نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية إلى الخارج. وتزامن ذلك، مع طلب القيادة المركزية الأميركية من البنتاغون إرسال 5 آلاف جندي من المارينز إلى الشرق الأوسط.
كتب فريد زكريا في صحيفة “الواشنطن بوست” مقالاً بعنوان “سقوط أميركا في الفخ الإمبريالي بإيران”، جاء فيه أن “القوى العظمى لا تسقط عادة بسبب غزوها من قبل جيوش أجنبية. إنها تسقط لأنها تبالغ في بسط نفسها على المحيط، بينما تهمل القلب”. وأورد مثالاً ذلك كيف أثّرت التدخلات الخارجية على وضعية بريطانيا ابتداء من أواخر القرن الـ19
القصف الأميركي على خرج، ينطوي على مخاطر أكثر مما يحمل من فرص. إذ حذّرت إيران من أنه إذا استهدفت أميركا المنشآت النفطية في خرج، فإن الرد الإيراني سيطاول كل منشآت النفط العائدة للشركات الأميركية في المنطقة. وهذا ما سيؤدي إلى ارتفع جديد في سعر برميل النفط وتصاعد الأزمات الاقتصادية في العالم.
والوسيلة الوحيدة التي تضمن فتح هرمز عسكرياً، تتمثل في السيطرة على الأراضي الإيرانية المحاذية للمضيق في البر الإيراني. ومثل هذه العملية، بحسب جنرال الجو الأميركي المتقاعد إس. كلينتون هينوت تحتاج إلى “إنزال عدد كبير من القوات البرية للسيطرة على الشاطىء، في حين أن الحل الدائم للمضيق هو باعتماد الطرق الديبلوماسية”.
وترامب الذاهب إلى الصين في نهاية الشهر الجاري، سيعرض على الرئيس شي جين بينغ الانعكاسات السلبية لإغلاق هرمز، لا سيما وأن 80 في المئة من النفط الذي يمر في المضيق، وجهته الصين.
لكن الصين يبدو أنها احتاطت للأمر منذ بدء التوتر في الخليج بداية العام، بحيث زادت صادراتها من النفط في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير بنسبة 15.8 في المئة عما استوردته في الفترة ذاتها من العام الماضي. وبذلك، باتت تملك احتياطاً استراتيجياً يقدر بـ1.2 مليار برميل، أو ما يعادل استيراد 115 يوماً بواسطة الناقلات.
وحتى توصية وكالة الطاقة الدولية بسحب 400 مليون برميل من النفط من الاحتياطات الاستراتيجية العالمية، حصة أميركا منها 182 مليون برميل، لن تهدىء الأسواق إلا لفترة محددة، في حال بقي هرمز مغلقاً. واضطرت إدارة ترامب إلى اعفاء مبيعات النفط الروسي من العقوبات مؤقتاً، متجاهلة اعتراضات الإتحاد الأوروبي على هذا الإجراء الذي من شأنه توفير المزيد من الأموال لآلة الحرب الروسية في أوكرانيا.
هذه التعقيدات، يُمكن أن تحمل ترامب إلى إعلان النصر ووقف العمليات العسكرية الكبرى، من دون إيجاد حل مستدام، بينما ستبقى أسواق النفط عرضة للتقلب طالما بقي مضيق هرمز مغلقاً، وسيكون على أميركا الاستعداد لخوض غمار حرب أخرى كلما شعرت بأن النظام يعمل مجدداً على استئناف برنامجه النووي وتطوير برنامجه الصاروخي.
الديبلوماسي الأميركي السابق فيليب غوردن الباحث في معهد بروكينغز حالياً، لاحظ في مقال بمجلة “فورين بوليسي” الأميركية، أن “التدخلات لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط الكبير – والتي تعود إلى انقلاب عام 1953 في إيران، ومؤخراً في أفغانستان والعراق وليبيا – تتسم بأنماط متشابهة بشكل واضح. بمجرد أن يقرّر الرئيس (الأميركي) التحرك، فإنه وكبار مسؤولي إدارته يبالغون في التهديد، ويضخّمون فوائد العمل، ويعلنون النصر قبل الأوان، ويكتشفون مجموعة من العواقب غير المقصودة، ثم يجدون أنفسهم في مواجهة كارثة سياسية واستراتيجية مكلفة”.
ويعيد المحاضر البارز في جامعة تكساس بمدينة أوستن روبرت د. كابلان في مجلة “فورين أفيرز” الأميركية التذكير بـ”مبدأ باول” نسبة إلى رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال كولن باول الذي صار في ما بعد وزيراً للخارجية، والقائم على أن الولايات المتحدة “ينبغي لها ألا تلتزم بالحرب، ما لم تكن لديها قوة ساحقة، واستراتيجية خروج، ومصلحة وطنية حيوية، وهدف واضح، ودعم واسع النطاق”.
وكتب فريد زكريا في صحيفة “الواشنطن بوست” مقالاً بعنوان “سقوط أميركا في الفخ الإمبريالي بإيران”، جاء فيه أن “القوى العظمى لا تسقط عادة بسبب غزوها من قبل جيوش أجنبية. إنها تسقط لأنها تبالغ في بسط نفسها على المحيط، بينما تهمل القلب”. وأورد مثالاً ذلك كيف أثّرت التدخلات الخارجية على وضعية بريطانيا ابتداء من أواخر القرن الـ19.
ويجد ترامب، نفسه على وشك الغرق في نزاع شرق أوسطي آخر، بينما بنى إرثه السياسي على التنديد بمثل هذه التدخلات “الغبية” لأسلافه.
في الخلاصة؛ بعد مرور أسبوعين على الحرب، لا يظهر محتجون في شوارع المدن الإيرانية يطالبون باسقاط النظام، وكمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة ليست في متناول أميركا وإسرائيل بعد، والصواريخ الإيرانية ما تزال تنطلق.
لقد بدّدت تداعيات الصراع الدائر في الخليج، وإلى حد كبير، طموحات ترامب بجعل إيران، “فنزويلا جديدة”!
