كان علي لاريجاني يُصنَّف ضمن التيار المحافظ البراغماتي. جمع الرجل بين الالتزام بأيديولوجيا النظام والقدرة على التكيّف مع المتغيرات الداخلية والخارجية. أتاح له هذا الموقع أداء دور وسيط بين مراكز القوى الداخلية المتعددة. كما أسهم، من خلال موقعه، في أن يكون فاعلاً في إدارة التوازنات الدقيقة داخل النظام، سواء عبر احتواء التوترات بين التيارات المختلفة أو من خلال الحفاظ على قنوات تواصل مع الأطراف الخارجية. وعليه، فإن غيابه لا يرتبط فقط بخسارة شخصية سياسية إيرانية، بل يمتد إلى تراجع وظيفة كانت تضطلع بدور مهم في تنظيم التفاعلات داخل بنية الحكم. لذا، يُمكن فهم موقع لاريجاني بوصفه جزءًا من طبقة وسيطة داخل النظام وحلقة وصل بين اتجاهات مختلفة، الأمر الذي أتاح له هامش حركة نسبي داخل بنية قرار متداخلة ومعقدة جداً.
هذا الموقع من جهة وثقافته السياسية والدينية الواسعة من جهة ثانية وفرا له قدرة تواصل ومد جسور وهامشاً من المناورة والمرونة السياسية بما يسمح لأمثاله بلعب أدوار، وبخاصة في حالة الأزمات، بما يكفل إدارتها من دون تصعيدها ولا خفض السقف خلافاً لتوجهات الولي الفقيه. هذا الدور لم يكن قائمًا على فرض قرارات كبرى، بقدر ما كان يرتبط بإدارة المخاطر ولعبة الوقت وتخفيف حدّة التباينات، وهو ما أسهم في الحفاظ على قدر من الاستقرار النسبي داخل نظام استطاع أن يصنع “تنفيسات” و”تخريجات” كفيلة بامتصاص الأزمات على مر العقود التي أعقبت انتصار الثورة عام 1979.
واللافت للانتباه أن علاقة لاريجاني بمؤسسة الحرس الثوري كانت تتسم بطابع عملي قائم على التنسيق أكثر من الاندماج، حيث شكّل قناة للتعامل مع ملفات تتطلب مقاربات سياسية، سواء أكانت متصلة بالتوازنات الداخلية أو الضغوط الدولية. ومع ذلك، ظلّ هذا الدور محكومًا بحدود واضحة، نظرًا لاختلاف طبيعة الأدوار بين المؤسسات السياسية والعسكرية، إذ لم يُنظر إليه كفاعل أمني مباشر، بل كوسيط يمكن الاستفادة منه في إدارة بعض الملفات المعقدة.
ويُمكن القول إن الدور الذي اضطلع به لاريجاني يندرج ضمن ما يُوضع في خانة مرونة الأنظمة السياسية، أي قدرتها على التكيّف مع التحديات من خلال توفير قنوات التواصل وإدارة التناقضات بدل تفجيرها.. وبالتالي الحفاظ على توازن نسبي بين متطلبات الاستقرار الداخلي من جهة وضغوط البيئة الخارجية من جهة ثانية.
ومن جهة أخرى، يشير هذا التطور إلى احتمال انتقال تدريجي في مركز الثقل نحو المؤسسات الأمنية، وهو ما يتقاطع مع بروز شخصيات ذات خلفيات عسكرية أو أمنية في مواقع متقدمة. ويعكس هذا المسار توجهًا نحو إعطاء أولوية أكبر لاعتبارات الأمن والاستقرار، لا سيما في ظل بيئة دولية-إقليمية تتسم بارتفاع مستويات التوتر. ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني بالضرورة إلغاء الدور السياسي، بل قد يؤدي إلى إعادة تعريفه ضمن إطار أكثر ارتباطًا بالاعتبارات الأمنية.
وفي هذا السياق، ثمة تقديرات من أنّ تزايد تأثير المؤسسات الأمنية قد يؤدي إلى تعزيز مركزية القرار، مقابل تراجع نسبي في هوامش التفاوض والمفاوضين السياسيين. وفي المقابل، قد يوفّر هذا النمط درجة أعلى من الانضباط الداخلي، لكنه قد يحدّ من القدرة على المناورة في بعض الملفات التي تتطلب مقاربات مرنة، أي أن تعزيز الدور الأمني تحصيناً للتماسك الداخلي، يضع النظام في مواجهة تحديات خارجية متزايدة، وبخاصة في ظل بيئة دولية وإقليمية متغيرة. حتماً لن يكون لاريجاني حالة نادرة في النظام، غير أن طغيان المقاربات الأمنية سينعكس على أساليب إدارة الملفات الإقليمية والدولية، مع احتمال تراجع نسبي في استخدام القنوات غير الرسمية أو المرنة التي كانت تُستخدم في بعض المراحل. هذا الأمر قد يؤدي إلى إعادة صياغة أنماط التفاعل مع القوى الدولية، بحيث تصبح أكثر ارتباطًا بحسابات القوة والردع.
في المحصلة، يشير اغتيال علي لاريجاني إلى مرحلة محتملة من إعادة تشكيل توازنات السلطة داخل إيران، حيث تتجه بنية النظام نحو قدر أكبر من المركزية والتشدّد، مع حضور أوضح للمؤسسات الأمنية ولا سيما مؤسسة الحرس في عملية صنع القرار. ومع ذلك، تبقى طبيعة هذا التحول وحدوده مرهونة بتطورات داخلية وخارجية متداخلة، ما يجعل من الصعب تحديد مساراته النهائية بشكل حاسم في المدى القريب.
