الجهل المُصنَّع: حين يُختزل الغرب في هوية واحدة

أخطر ما يجري اليوم ليس الجهل بحد ذاته، بل صناعته وتوظيفه سياسيًا. فباسم التفسير أو النقد، يجري أحيانًا تسويق سرديات مبسّطة تختزل تعقيدات التاريخ والحضارة في مقولات جاهزة، من بينها تصوير اليهود بوصفهم أصل الحضارة الغربية أو مركزها المهيمن. هذا الطرح، على جاذبيته الشعبوية، لا يصمد أمام أي تدقيق علمي، بل يعكس اختزالًا معرفيًا يعيد إنتاج أنماط تفكير إقصائية طالما ادّعى معارضتها.

تاريخيًا، لم يكن اليهود كتلة واحدة متجانسة، بل جماعات متعددة ومتباينة في التجربة والثقافة والانتماء. وقد شكّلوا جزءًا من مكونات الحضارة الغربية، لكنهم لم يكونوا مصدرها الأحادي ولا مركزها المطلق. فالحضارة الغربية نفسها هي نتاج تفاعل طويل بين الإرث اليوناني والروماني، والمسيحية، والتجربة الإسلامية، وعصور النهضة والتنوير، والتحولات الاقتصادية والسياسية الحديثة. ضمن هذا السياق المركّب، يمكن فهم دور اليهود بوصفه مساهمة ضمن شبكة أوسع، لا بوصفه قوة مهيمنة تختزل المسار كله.

إن اختزال الغرب في أصل إثني واحد لا يختلف، من حيث البنية الفكرية، عن الخطابات التي قامت على فكرة “نقاء الحضارات” أو “تفوق الأعراق”. فكما أن نقد المركزية الغربية لا يبرر استبدالها بمركزية إثنية مضادة، فإن مواجهة الهيمنة لا تعني تبنّي تفسير مؤامراتي يعيد تفسير العالم من خلال جماعة واحدة. في الحالتين، نحن أمام تبسيط مخلّ يختزل التعقيد التاريخي ويستبدله بسردية مغلقة.

وإذا كان من الصحيح أن للنفوذ السياسي والاقتصادي شبكات معقدة داخل الغرب، فإن هذه الشبكات لا يمكن ردّها إلى هوية دينية أو إثنية واحدة. فالولايات المتحدة وأوروبا تشهدان صراعات داخلية حادة بين تيارات سياسية وفكرية متباينة، من اليمين القومي إلى اليسار النقدي، مرورًا بالتيارات الليبرالية والمحافظة. وهذه التباينات تنعكس في السياسات العامة، وفي المواقف من قضايا كبرى مثل الحروب، الهجرة، العولمة، الطاقة والممرات إلخ…

كما أن الجماعات اليهودية نفسها تعكس هذا التنوع والانقسام. فداخلها تيارات دينية وعلمانية، صهيونية ومعارضة للصهيونية، ليبرالية ومحافظة. وقد برز في هذا السياق عدد من المفكرين اليهود الذين قدّموا نقدًا عميقًا للمشروع الصهيوني أو لبعض ممارساته، من بينهم حنة آرندت التي حذّرت مبكرًا من مخاطر تحوّل الدولة القومية إلى أداة إقصاء.

وبعد “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، شهدت المجتمعات الغربية تحولات لافتة للانتباه في النقاش العام، حيث اتسعت دوائر النقد للسياسات الإسرائيلية، وبرزت موجات احتجاج طلابية وجامعية، إلى جانب تصاعد الجدل داخل وسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية حول أخلاقيات السياسة الخارجية. كما بدأت بعض الأوساط الثقافية في إعادة التفكير في مركزية بعض السرديات التاريخية، بما في ذلك موقع الهولوكوست في الذاكرة الغربية، من خلال توسيع النقاش ليشمل ضحايا آخرين، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني، من دون أن يعني ذلك إنكار تلك المأساة أو التقليل من حجمها.

حتى المؤسسات الدينية لم تبقَ بعيدة عن هذا النقاش، إذ دعا البابا الراحل فرنسيس في أكثر من مناسبة إلى ضبط استخدام القوة، واحترام الكرامة الإنسانية، وتعزيز ما يمكن تسميته بثقافة “الضمير الكوني”، في مواجهة منطق الغلبة. ودعا خليفته البابا لاوُن الرابع عشر، إلى وقف الحرب في الشرق الأوسط واعتماد درب الحوار سبيلاً وحيداً لبلوغ السلام، مؤكداً أنّ الاستقرار لا يتحقق بالتهديد المتبادل ولا بالأسلحة التي تزرع الدمار والألم والموت، بل من خلال حوار عقلاني، أصيل ومسؤول.

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل دور التحولات الرقمية والإعلامية في تفكيك السرديات التقليدية. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحات أوسع لنقل صور الحروب والضحايا، ما ساهم في كسر احتكار الرواية، وأعاد تشكيل الرأي العام، خصوصًا لدى الأجيال الشابة في المجتمعات الغربية. هذا العامل، وإن كان لا يغيّر موازين القوى مباشرة، إلا أنه يضغط على صناع القرار ويعيد صياغة النقاش الأخلاقي داخل المجتمعات الغربية، ولا سيما إزاء أحقية قضية فلسطين.

في المحصلة، لا يمكن فهم الغرب بوصفه كيانًا موحدًا أو خاضعًا لهوية واحدة، كما لا يمكن اختزال اليهود في أيديولوجيا بعينها. ما كشفته التحولات الأخيرة، خصوصًا بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، ليس تماسكًا صلبًا، بل شبكة معقدة من التوازنات والهشاشات، حيث تتقاطع المصالح مع القيم، وتتصادم السرديات داخل المجتمع الواحد.

إن مواجهة الجهل لا تكون بإنتاج جهل مضاد، بل بإعادة الاعتبار إلى التحليل المركّب، الذي يرى العالم كما هو: متعددًا، متناقضًا، وعصيًا على الاختزال.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  "إكرع" كأسك يا أخي.. إنسَ!
أورنيلا سكر

باحثة لبنانية متخصصة في الدراسات الإستشراقية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  نقاط إجبارية.. في مفاوضات اليوروبوند