نقاط إجبارية.. في مفاوضات اليوروبوند

بغضّ النظر عن آراء المشاركين اللبنانيين في المفاوضات المقبلة على إعادة هيكلة الديون، هناك نقاط سوف يُدرجها ممثلو أصحاب السندات (اليوروبوند) على جدول أعمال النقاش، شاء الوفد اللبناني أم أبى. وبغض النظر عن قبول أو معارضة الوفد اللبناني، فإنّ هدف الوفد المُقابِل هو استعادة أمواله التي ضمنت الدولة اللبنانية سنداتها، وزيادة ربحيتهم قدر الإمكان. هذه بديهيات اللعبة، ومن مصلحة لبنان، أن تنجح هذه المفاوضات. فالبلد غير قادر على مواجهة تداعيات فشلها. لذلك، فإنّ هدف هذا البحث هو التعرّف على التركيبة التفاوضية لمثل هذه المفاوضات. ومهما كانت شروط التفاوض ومهما كانت صعوبتها، فإنّها لا يمكن أن تخرج عن هذا الإطار.

على المفاوضات بين الطرفين، الدائن والمدين، أن تتعامل مع المسائل التالية:

  • مسألة الفائدة:

سيطلب الوفد اللبناني تأجيل مواعيد تسديد الدين. إلّا أنّ عليه أن يتذكّر أنه لا يفاوض مؤسسة خيرية أو إحدى المؤسسات التابعة للأمم المتحدة. وليس لسندات اليوروبوند علاجات سياسية أو عاطفية. إن لبنان قد استدان من القطاع الخاص، وأصبحت سنداته بأيدي عدد كبير من المستثمرين الصغار أو المتوسطي الحجم، إلى جانب بعض الكبار. وهدف استثمارهم هو الربح. فإذا طُلِب منه تأخير استرجاعه المال، فسيطلب بالمقابل زيادة الفائدة، إذا قَبِل التأجيل. وستكون قيمة هذه الزيادة موضع تفاوض رئيسية. فالفائدة هي أولى النقاط التي سوف تفرض نفسها على المفاوضات.

  • مصادر الدولة المالية:

لقد استحقت السندات، لكن الدولة اللبنانية تطلب تأجيل الدفع (أي إعادة الهيكلة). فما الذي يمنعها أن تطالب بتأجيل إستحقاق إعادة الهيكلة مرّة أخرى، بعد ستة أشهر مثلاً؟ السؤال إذاً: من أين ستأتي الدولة اللبنانية بالمال لتدفع استحقاق السند المقبل؟

بلغة أخرى، ما هي الخطة الاقتصادية التي تضفي المصداقية على وعد الدولة اللبنانية بسداد دينها؟

للمفاوضات هدف. والهدف ليس مقصوراً على إرضاء الطرف اللبناني. إنّه أيضاً إقناع الدائنين. والدائنون حالياً أمام طرفٍ (لبنان) وعدَ سابقاً وفشل بالوفاء بوعده. فقد وقّع لبنان على سنداتٍ مالية، ووثق الدائنون بوعده المُثبت خطياً في السند المالي، ثم يأتي اليوم ليعلن عن امتناعه عن الدفع لعدم قدرته. فالطرف اللبناني وعدَ وأخطأ. فما الذي يضمن أنّه لن يخطئ مرة أخرى؟

ليس لدى الدولة اللبنانية جواب إلّا بتقديم خطة اقتصادية تثبت أنّها سوف تكون قادرةً على الوفاء بوعدها وسداد ديونها في مواعيد استحقاقها.

وللدولة اللبنانية (مثل غيرها من الدول) مدخول واحد، وهو الضرائب وجبايتها. لكن مدخول الدولة ليس مقصوراً على سداد الدين. فعليها قبل ذلك توفير الخدمات للمواطنين، مثل الكهرباء والهاتف والإنترنت والبيئة (مثل النفايات) والأمن. وبعد أن تُتمّ الدولة واجباتها وتقدم الخدمات الإجبارية لمواطنيها، عليها أن تُوَفّر فائضاً يسمح لها بسداد ديونها. فالسؤال هو مجدداً عن الخطة الاقتصادية التي سوف تتبعها الدولة اللبنانية والتي تسمح لها بكسب المصداقية تجاه دائنيها.

لقد وضعت الدولة اللبنانية نفسها في وضع مُستهجن. ففي الأوضاع العادية، فإنّ خطتها الاقتصادية وموازنتها هما رهن موافقة ممثلي الشعب، أي البرلمان. إلّا أنها أصبحت الآن مضطرة أن تكسب رضا الدائنين أيضاً. وبدونه، أي بدون مصداقية الخطة، أي بدون برنامج اقتصادي واضح وموازنة مقنعة، فإنّ الدولة اللبنانية لن تنجح بإقناع الدائنين بقدرتها على تنفيذ التزاماتها الجديدة بعد إعادة الهيكلة.

فالنقطة الثانية التي لا مهرب من بحثها هي الخطة الاقتصادية والمالية اللبنانية.

إنّ الوفد الغربي المفاوض ليس ساذجاً، وهو مطّلع على وضعنا المالي والإقتصادي، وربّما كان مطّلعاً على أرصدة المصارف اللبنانية والسياسيين في الخارج. وعلينا أن نفترض أن لا شيء يخفى عليه

  • موضوع الثقة:

مهما كان الإتفاق، فإنّ قيمته تبقى رهناً بالثقة التي يوحي بها للطرف المفاوض. وسوف يُسأل الوفدُ اللبناني بالتأكيد عن موضوع الثقة. فقد استلمت الدولة اللبنانية خلال السنوات السابقة مبالغ خيالية من أموال الدين ونهبها الساسة الذين حكموا البلاد منذ ثلاثين عاماً.

الموضوع لا يتعلّق بالإتهامات. فالدائنون يهمهم استعادة أموالهم مع فوائدها وليس الإصلاح السياسي في لبنان. لكن الدولة اللبنانية تعترف بوجود الفساد وذلك في بند الأموال المنهوبة في البيان الوزاري للحكومة الحالية. ويظنّ ويشككّ الدائنون، بحق، أنّ الذين نهبوا أموالهم هم حالياً مُمثلين في البرلمان، وأنّهم يشكلون الأغلبية الساحقة فيه. وقد أصدروا قوانين تجعل محاسبتهم عملية شبه مستحيلة (القانون رقم 13/90، في 18 آب/أغسطس 1990). فالذين نهبوا أموال الدولة وأوصلوا البلد إلى العجز المالي هم الذين تعتمد عليهم الحكومة للموافقة على القوانين الاقتصادية والمالية المطلوبة.

فهل مِن أمل أن يوافق البرلمان على القوانين الجديدة؟ وهل سيسمح بمواجهة الفاسدين واللصوص الذين سطوا على أموال الدولة؟

إنّ الوفد الغربي المفاوض ليس ساذجاً، وهو مطّلع على وضعنا المالي والإقتصادي، وربّما كان مطّلعاً على أرصدة المصارف اللبنانية والسياسيين في الخارج. وعلينا أن نفترض أن لا شيء يخفى عليه. ففي دُوَل الغرب أشخاص هم شركاء في نهب البلد، وكهفُ “على بابا”، حيث أخفيت الأموال المنهوبة، موجود في مصارفهم. لذلك، فلا داعي للتذاكي أو للبهلوانيات الفكرية. فهم يعرفون بلدنا مثلنا، وربما أكثر منا.

لذلك، فهم لا يثقون بقدرة الحكومة على محاربة الفساد وتمرير القوانين التي تجيز هذه المواجهة.

لذلك فالسؤال عن قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المقبلة، أي عند الموافقة على إعادة الجدولة، أمرٌ مشكوكٌ فيه. فهي حكومة مرتهنة لبرلمان يمنع محاكمة الوزراء والرؤساء وقد تبنّت موازنة الفاسدين التي أقرّتها الحكومة السابقة. وهي ليست قادرة على تنفيذ وعودها، لأنّ هذه الوعود تتعارض مع مصالح الفاسدين. فالحكومة لا تُقنع إصلاً، لأنّها لم تبدأ حتى بمعالجة موضوعي الزراعة والصناعة، ولم تبحث في تخطيط مستقبل هذين القطاعين الحيويين.

فكيف يُقنع الوفد اللبناني إذا تحدّث عن تحدّي المؤسسة السياسية الفاسدة؟

إذا قُدّر لهذه الحكومة أن تتخذ قراراً اقتصادياً، فعليها أن تستعد للتفاوض مع الذين أتوا بها إلى السلطة. كذلك، فإنّ عليها أن تتفاوض مع الذين عارضوهم عندما أتوا بها إلى السلطة. فهي بحاجة إليهما كليهما لتمرير القوانين

النتيجة:

المُفاوض الغربي الذي اختَلَست منه الطبقةُ السياسية اللبنانية أموالاً طائلة ليس غبياً. إنّه ليس بريئاً لكنه في هذه الحالة هو الذي يدافع عن مصالحه. لكنه لاعب قوي. علينا أن نتصوّر أنه يلعب بنا مثلما تلعب القطة بالفأر، عندما تؤجل موعد التهامه. فهي تلعب ونحن نخاف، ويخاف الفاسدون الأثرياء مِنه معنا.

وبرغم رسائل الإطمئنان التي يطلقها حقوقيون محليون، فإنّ الدائنين الغربيين سوف ينقلون قضيتهم إلى المستوى السياسي، إذا فشلت المفاوضات.

إنّ في لبنان ثروة نفطية وغازية يحرص على الإستفادة منها. وفي البلد موارد يمكن خصخصتها، أكان بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل فكرة الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وهي تشمل الكهرباء والهاتف والماء والموانئ والمطارات وغيرها. وليس من حق أحد أن يضع البلد أمام مخاطر الإستيلاء عليها. هذه مخاطر يعرفها الوفد الغربي ويعرف طُرُقها ومخارجها.

فهل تنجح الحكومة بإنقاذ الوطن؟

إذا قُدّر لهذه الحكومة أن تتخذ قراراً اقتصادياً، فعليها أن تستعد للتفاوض مع الذين أتوا بها إلى السلطة. كذلك، فإنّ عليها أن تتفاوض مع الذين عارضوهم عندما أتوا بها إلى السلطة. فهي بحاجة إليهما كليهما لتمرير القوانين. الشيء الأكيد، هو أنّ على الحكومة أن تقرّر كيف تكسب مصداقيتها مع الوفد المقابل. فهي حتى الآن، لم تتمكن من اتخاذ قرارات بسيطة، مثل تجاوز نظام المحاصصة في التعيينات التي وُضعت مُؤخّرأً على جدول أعمالها. وهي لم تقم بأيّة مبادرة مقنعة باتجاه الإصلاح.

فإذا كانت الأملاك البحرية والنهرية واضحة وضوح الشمس وتشكل مخالفةً للقانون، فما الذي يمنع وضع اليد عليها؟ أليست مصدراً لعدد من المليارات لخزينة الدولة؟ فهل امتنعت عن القرار لأنه يتعارض مع مصالح السلطة الفاسدة؟

وإذا كانت المرامل والكسارات التي شوّهت البلد مخالفة للقانون، فما الذي يمنع إحالتها إلى القضاء وطلب العطل والضرر من المخالفين. أليست مصدراً لعدد من المليارات لخزينة الدولة؟

والإنتقال من المازوت إلى الغاز في قطاع الكهرباء يوفّر المليارات بشكل فوري. وقد وكانت الحكومة السابقة قد وعدت تنفيذه خلال شهرين في بيانها الأخير قبل استقالتها. أليست مصدراً لعدد من المليارات لخزينة الدولة؟

وماذا عن سيطرة الدولة على المطارات والموانئ؟ أليست مصدراً لعدد من المليارات لخزينة الدولة؟

إن الإصلاحات والقرارات الأساسية أصبحت واضحة لكل اللبنانيين، لا تحتاج المزيد من الشرح. كلها قرارات كان يمكن أن تُكسب الوفد اللبناني مصداقية أكبر، لو كانت ممكنة.

علينا أن نعود للواقع ونتذكر أنه من غير الممكن فصل السياسة عن الاقتصاد والمال. فالإقتصاد غير ممكن بلا سياسة. فالدولة ليست إلّا سياسة. ومهمتها هي خدمة الشعب. والأحزاب تتحايل على الدولة لتسيطر على قرارها. ومشكلة لبنان الاقتصادية هي فساد السلطة. وليس فيها مظلوم إلّا الشعب. مشكلة القرارات الإصلاحية أنّها تتعارض مع مصلحة الذين نهبوا الدولة، ونهبوا ديون اليوروبوند، والذين ما زالوا مسيطرين على مقدراتها.

فالتفاوض على الدين غير ممكن بلا سياسة لبنانية، أولاً، تجاه الفاسدين المتغلغلين والمختبئين في ثنايا السلطة، وثانياً، تجاه القضايا الفعلية العالقة مثل الزراعة والصناعة والنشاطات الاقتصادية التي توظف وتخفف الإستيراد وتزيد التصدير، وأخيراً، وفقط على ضوء ذلك، تخطيط الوضع المالي والنقدي.

مَن الذي يتأمّل من هذه الحكومة أن تواجه سلطة الفاسدين؟

إنّ آخر هؤلاء هو الوفد الغربي الذي يفاوض الحكومة على إعادة هيكلة ديونه. فهو لا يهذي ولا يحلم ولا يتأمّل. ولا يهمه الشعب اللبناني ولا مصالحه. فديونه هو هي المنهوبة. فقط هذا هو الذي يهمه.

الظاهر أنّ على الحكومة أن تختار خياراً أساسياً. فإذا أقنعت الوفد الغربي فإنّ المساعدات والقروض تصبح فوراً ممكنة. وإن لم تقنعه، فلا أمل بالنجاح وإعادة هيكلة الدين. والخيار الأساسي هو الإستقلال عن شبكة السلطة والفساد. وليس للحكومة في مثل هذه المواجهة حليف. اللهم إلّا الشعب. فهل تختار أم أنّها اختارت وانتهى الأمر؟

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy paid course