أميركا الترامبية المتعثرة.. امبراطورية بلا ذاكرة!

يستعد الأميركيون للاحتفال بمرور قرنين ونصف على إعلان استقلال الولايات المتحدة. يسبق هذا العيد مناسبات أخرى تستحق أيضًا أن يتفرغ الرأي العام الأميركي للاستعداد لها وهو مرتاح نفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا. نحن أيضًا، وأقصد جمهرة صناع الرأي، أميركيين كنا أم أجانب، نشعر بأن واجبنا يحتم علينا أن نساهم في هذه الاستعدادات. اخترت شخصيًا أن أستعد بحصر أولي لمجمل الإنجازات التي حققتها الولايات المتحدة، ومجمل الإخفاقات التي وقعت نتيجة أعمال من أطراف أجنبية ومن مسؤولين أميركيين ومؤسسات داخلية.

بدأنا قبل أسابيع في إعداد الحصر، ليكتشف أحدنا ويعلن أننا في نهاية الطريق سوف نبدو، بالحصر الذي نحن على وشك الانتهاء من إعداده، كما لو كنا تعمدنا القيام بعمل كيدي، وليس ثمرة جهود بحثية موضوعية. قال الزميل: “يستحيل أن ينتهي باحث أو مسؤول من قراءة قائمة الإخفاقات إلا ويعلن شكوكه في نوايا القائمين على الحصر، أو يعلن بأعلى صوت اعتراضه على سلامة عقل المسؤولين عن صنع السياسة والقرار، أو قلة خبرتهم بشؤون إدارة الحكم في دولة عظمى، أو حتى في دولة صغيرة ناشئة”.

***

لا يغيب عن بال باحث متمرس مكلف بمثل هذا العمل حقيقة أن سكان الولايات المتحدة عاشوا ويعيشون في “محمية طبيعية”؛ دولة في حجم قارة، يحميها من الشرق محيط، ومن الغرب محيط آخر، ومن الشمال كندا، الحليف الطبيعي والمنطقي أيضًا، ومن الجنوب قارة أخرى من دول اعتبرت نفسها من توابع الدولة الأعظم التي تفرض نفسها منذ أعلنت دول شمال القارة الجنوبية استقلالها عن النظام الإمبراطوري الأوروبي. النتيجة المنطقية لمثل هذا الموقع الجغرافي أن يميل حكامه إلى استخدام العنف ضد الدول المعادية، مطمئنين إلى أن الأعداء لن يجازفوا بشن عدوان بحري أو جوي على موقع حصين بطبيعته، وبما اكتسب من منعة وقوة نتيجة هذه الحصانة.

يُحسب لهذا الكيان المحصن أنه سمح لأكثر من عشرين دولة في أميركا الجنوبية أن تستقل وتعيش مستقلة لقرنين، مستفيدة من نظام الحماية الإجبارية الذي فرضته الولايات المتحدة عليها. ويُحسب لقادة الولايات المتحدة أيضًا أنهم، بقرارهم عدم الانخراط في النزاعات الأوروبية، وتعاليهم على قادة أوروبا، واستعاراتهم الغزيرة من فكر وتقاليد وأسس الحضارة الأوروبية، وبخاصة ما ارتبط منها بفلسفة الحكم، استطاعوا التفرغ لبناء دولة قوية.

ويُحسب للولايات المتحدة أيضًا أنها تدخلت مرتين لتنهي حربًا عالمية ناشبة لسنوات ومتسببة في خسائر بشرية ومادية هائلة. خرجت من الحرب العالمية الأولى وفي نية حكامها الانعزال تحت ضغوط الرأي العام، وخرجت من الحرب العالمية الثانية، وفي الواقع لم تخرج منها، إلا وقد وضعت الأساس لبناء منظومة دولية بقواعد عمل وسلوك لازمة لتحقيق السلم والأمن الدوليين والمحافظة عليهما. وتُحسب لها هذه الأعمال كإنجازات مهدت لانسحاب الاستعمار التقليدي من مناطق الجنوب، ونشأة عشرات الدول المستقلة، والنهاية الفعلية لأدوار التوسع والسيطرة التي مارستها الإمبراطورية البريطانية ثم الفرنسية. ولها الفضل تحديدًا في إعلان نهاية العمل بهذه الأدوار، بتدخل الرئيس آيزنهاور وزعماء الاتحاد السوفييتي في حرب السويس.

***

أميركا وروسيا ساهمتا معًا، من وجهة نظرنا، في تحقيق نوع من السلم العالمي خلال فترة ممارستهما أسس وقواعد نظام القطبية الثنائية. والمقصود بالسلم العالمي هنا هو عدم نشوب حرب عالمية على المستوى الذي اتخذته الحربان العالميتان الأولى والثانية. لا شك أن الدولتين العملاقتين ارتكبتا تجاوزات بشعة في أقاليم تابعة لهما أو قريبة منهما، ولكنهما، معًا، استطاعتا توفير هدوء دولي يسمح للدول حديثة النشأة بالتركيز على مشاريعها في البناء والتعمير. حدث هذا في أغلب بقاع العالم، وليس في كل مكان.

مثلًا، يُحسب على الولايات المتحدة أنها تدخلت عسكريًا، بدون مبرر معقول، في دول عربية وإسلامية، متسببة في إطلاق مرحلة من عدم الاستقرار مستمرة إلى يومنا هذا. ولا يوجد مؤشر واحد يشير إلى أن أميركا تفكر في تعويض هذه الدول عما فقدت، أو مساعدتها في استعادة ما هُدم بقنابلها ووحشية بعض جنودها. كثير من الأعمال العنيفة التي شهدتها المنطقة العربية خلال الأعوام السبعين الماضية تتحمل أميركا جانبًا كبيرًا من المسؤولية، لكونها الدولة الأعظم التي قدمت لإسرائيل، منذ نشأتها، السلاح والخبرة والحماية الدولية.

***

إلا أننا، في مقالنا هذا كما في مقالات أخرى، نحاول فهم ما تغير في السياسة الأميركية، بحيث صارت كما هي الآن تعبيرًا دقيقًا عن حالة غريبة من التسيب، لا أظن أننا قابلنا مثيلًا لها في الدراسات الأميركية وغير الأميركية عن أميركا الراهنة. نستطيع التأكيد على حقيقة أن معظم ما تغير، وبخاصة خلال العام الأخير، يتحمل الجانب الأكبر من مسؤوليته الرئيس دونالد ترامب، آخذين في الاعتبار أنه في قراءة التطورات الدولية يجب الافتراض أن للأحداث جذورًا وبذورًا في مراحل سابقة.

نستطيع مثلًا أن نقرر أن أميركا، في عهد الرئيس ترامب، دمرت حلف الأطلسي (الناتو)، وأساءت أيما إساءة إلى الحلف الغربي عامة. ولن نغفل عن حقيقة مهمة، وهي أن الغرب عمومًا يشهد، منذ فترة ليست بالوجيزة، انحدارًا كجماعة حضارية، ربما لأسباب اقتصادية، وربما كحالة نسبية تتعلق ببعث جديد للحضارة الآسيوية؛ البعث الذي يعيد إلى الأذهان النظريات التي ناقشت مسألة تطور الحضارات اشتقاقًا من نظرية تطور الجنس البشري.

إقرأ على موقع 180  الهجرة اليهودية إلى فلسطين.. البدايات والسمات

نستطيع أن نقول أيضًا إن أميركا في العهد نفسه تشوهت سمعتها وساءت مكانتها بسبب الفساد العارم والمكشوف الذي تمارسه النخبة الحاكمة في الإدارة الراهنة، وكذلك بسبب ميلها إلى التسلط. أهملت فقراء أميركا على مرأى من جميع فقراء العالم، وأمام أستار من صمت أغنياء يزدادون غنى بتوحش وجشع. وحولت شرطتها وحراس أمنها الشرعيين إلى أشباه وحوش يقمعون ويعذبون ويقتلون. وراحت السلطة، بتعليمات وابتزاز من جانب إسرائيل وجماعات ضغطها والممولين الصهاينة الكبار، تسيء معاملة الطلبة الأجانب، مع العلم أنهم جماعة مهاجرة أو ساعية للعلم تفيد في تعزيز وتقدم البحوث التي جعلت من أميركا منارة البحث العالمي. وهي أيضًا جماعة تدر دخلًا للخزانة الأميركية، وتضيف سمعة إيجابية لمختلف الجامعات التي يدرسون فيها.

***

عادت أميركا، في ظل الإدارة الجمهورية الراهنة بقيادة ترامب، تبذر بذور الغضب في مختلف دول أميركا الجنوبية. أهانت حكامها وشعوبها عندما شنت حملة طرد للمغتربين من المتحدثين بالإسبانية، وتكرر استخدام الرئيس ترامب صفة “المجرمين” و”تجار المخدرات” لوصف المهاجرين من دول أميركا الجنوبية. أضف إلى ما سبق حملته البحرية لاحتلال فنزويلا دون استشارة منظمة الدول الأميركية، واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، وإعلان نفسه رئيسًا محله، قبل أن يعود فيعين نائبة مادورو رئيسة بلا صلاحيات، وبعد ترتيب الاستيلاء بأساليب استعمارية على كل إنتاج فنزويلا من النفط الخام.

***

في حربه الكلامية ضد إيران، استخدم ترامب عبارات شديدة التأثير وعنيفة من نوع “محو إيران” أو “تدمير الحضارة الفارسية” أو “قصف جميع مصادر الطاقة والمياه”. لا يهم الآن القول إنه أساء إلى نفسه وإلى بلده وإلى الحضارة الغربية التي يتحدث باسمها ويحاول الزج باسمه ملكًا عليها أو نبيًا؛ الأهم أنه عرض بلاده لاتهامات أخطرها أنه، بهذه الصفات، استحقت أميركا اتهامها بارتكاب جرائم حرب.

تسببت حكومة أميركا بأزمة اقتصادية عالمية، وبخاصة في مجالات الطاقة والأسمدة والكيماويات، كادت تتحول لتصير مدخلًا إلى حرب عالمية ثالثة؛ الحرب التي سعت أميركا وروسيا إلى تجنيب البشرية ويلاتها خلال القرن الفائت.

أعترف بأنني أتطلع إلى قراءة، ولا أقول الاستماع إلى، خطاب الرئيس ترامب يوم الاحتفال بعيد استقلال أميركا في الرابع من تموز/يوليو المقبل، وأتطلع لما سيقوله فيدينه.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

دبلوماسي مصري سابق، كاتب متخصص في القضايا الدولية

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  التكنولوجيا.. والعبودية الجديدة