إيران.. من ذاكرة التدخل الخارجي إلى عقيدة الاستقلال

ليس من السهل مقاربة سياسات الثورة الإسلامية الإيرانية بوصفها مجرد نتاج لحظة سياسية عابرة، إذ لم تكن هذه الثورة انقلابًا على نظام حكم فحسب، بل جاءت تتويجًا لمسار تاريخي طويل من الصراع مع الخارج والسعي إلى الاستقلال.

منذ قرون، شكّلت إيران ساحة تنازع بين قوى كبرى، ما رسّخ في وعيها الجمعي حساسية عميقة تجاه النفوذ الأجنبي، وجعل من فكرة السيادة الوطنية محورًا لأي مشروع سياسي. من هنا، يمكن فهم منطلقات الثورة الإسلامية لا كخيار أيديولوجي فقط، بل كتعبير عن ذاكرة تاريخية مثقلة بالتدخلات، ومحاولة لإعادة تعريف موقع إيران في العالم.

إن التعرف إلى منطلق سياسات الثورة الإسلامية مسألة معقدة، إذ لم تكن الثورة مجرّد انتقال للسلطة أو استبدال حاكم بآخر، بل مثّلت قطيعة مع بنية كاملة من المؤسسات والمفاهيم والعلاقات التي قام عليها النظام الشاهنشاهي. لقد سعت القوى الإسلامية التي استلمت الحكم عام 1979 إلى بناء مؤسسات بديلة قادرة على تجسيد المبادئ التي رفعتها الثورة، ولا سيما في ما يتعلق بالسياسة الخارجية.

حملت الثورة الإيرانية شعارات الاستقلال ورفض التبعية، وهي شعارات لم تولد معها، بل سبقتها وشكّلت عنصر تعبئة أساسيًا في مواجهة النظام السابق وعلاقاته الوثيقة بالغرب وبإسرائيل. وقد قدّمت نفسها بوصفها مشروعًا يسعى إلى انتهاج سياسة خارجية قائمة على الاستقلال، والحياد النسبي، والوحدة الإسلامية، ودعم قضايا الشعوب المستضعفة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

ولا يمكن فهم هذا التوجّه من دون العودة إلى التاريخ الإيراني الحديث. فإيران كانت، على مدى قرون، مسرحًا لتنافس القوى الكبرى. فقد سقطت الدولة الصفوية عام 1722، ودخلت البلاد في مرحلة طويلة من الاضطرابات، قبل أن تستعيد شيئًا من وحدتها مع قيام الدولة القاجارية أواخر القرن الثامن عشر. غير أن القرن التاسع عشر شهد تعمّق النفوذ الأجنبي، حيث خسرت إيران أجزاء من أراضيها لصالح روسيا القيصرية، وتحولت إلى ساحة نفوذ مشترك ومتنازع عليه بين روسيا وبريطانيا.

وقد ترافق ذلك مع تزايد الامتيازات الأجنبية واستفحال الاستبداد الداخلي، ما أسهم في نشوء حركات سياسية ذات طابع تحرري واستقلالي. وفي هذا السياق، برزت حركات معارضة للهيمنة الخارجية، كان من أبرزها التيار الوطني الذي قاده محمد مصدق في منتصف القرن العشرين، والذي سعى إلى تقليص النفوذ البريطاني عبر تأميم النفط، ومحاولة تحقيق استقلال القرار الإيراني.

إلا أن تجربة مصدق انتهت مع انقلاب 1953 في إيران، الذي شكّل نقطة تحول مفصلية، إذ أعاد تثبيت حكم الشاه وفتح الباب أمام صعود الدور الأميركي في إيران. وبرغم أن الولايات المتحدة لم تكن قوة استعمارية تقليدية في إيران قبل ذلك، فإن تدخلها في هذا الحدث رسّخ حضورها كفاعل رئيسي في المعادلة الإيرانية.

في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، تصاعد التوتر الداخلي مع سياسات التحديث المفروضة من أعلى، ومع تعمّق الارتباط بالغرب. وشكّلت الاحتجاجات التي اندلعت عام 1963، بقيادة روح الله الخميني، محطة مفصلية، إذ عبّرت عن رفض واسع لسياسات الشاه، بما في ذلك “الثورة البيضاء” ومنح الحصانة القانونية للمستشارين الأميركيين. ومنذ ذلك الحين، تكرّس الخميني كرمز للمعارضة، حتى عودته إلى إيران قبيل انتصار الثورة.

ومن خلال تتبّع المزاج الشعبي في التاريخ الإيراني المعاصر، يتضح أن معاداة النفوذ الأجنبي شكّلت عنصرًا ثابتًا في الوعي السياسي، وإن تداخلت مع عوامل داخلية سياسية واقتصادية واجتماعية. وقد نجحت الحركة الإسلامية في توظيف هذا العامل بفعالية، من خلال شعارات مثل: “لا شرقية ولا غربية”، و”الجمهورية الإسلامية”، و”دعم المستضعفين” و”الوحدة الإسلامية” و”تحرير فلسطين”، ما منحها قدرة تعبئة واسعة مقارنة بغيرها من التيارات الإيرانية المعارضة.

إن فهم سلوك إيران بعد الثورة لا يكتمل من دون إدراك أن هذا السلوك ليس وليد قرارات آنية، بل امتداد لمسار تاريخي طويل من مقاومة الهيمنة والسعي إلى الاستقلال. فالسياسات التي تبدو من الخارج تصادمية، تُقدَّم في الداخل بوصفها دفاعًا عن سيادة وطنية تعرّضت مرارًا للاختراق. وبين هذين المنظورين، تستمر إيران في تموضعها داخل شبكة معقدة من الصراعات، حيث يبدو التاريخ، أكثر من أي وقت مضى، حاضرًا في صياغة الحاضر.

يُحيلنا هذا النص إلى أسئلة من نوع آخر: هل يُمكن لإيران الثورة أن تتخلى عن منظومة الوعي التي رسّختها طوال خمسة عقود من الزمن، في حال توصلها إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، أم أن بمقدورها التكيف وتكريس ثقافة جديدة يُصبح معها العامل الداخلي هو العامل المحدد أولاً لسياسات إيران الخارجية؟

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  من يجرؤ على عرقلة حكومة ماكرون اللبنانية؟
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "قيصر" الجديد.. تقسيم المُقسّم وتأزيم المُؤزَم!