حين ترحل آمال.. حين يرحل المعنى

ليست خبراً يُكتب على عجل ثم يذوب في زحمة الشاشات والصفحات، ولا اسماً يمرّ في ذاكرة الصحافة كما تمرّ الوجوه التي لا تترك أثراً. بعض الناس حين يرحلون، يتركون غياباً، أما هي فقد تركت وطناً كاملاً من الحنين، وتركت في القلب فجوة لا يسدّها الزمن، لأن الوقت نفسه يقف مرتبكاً أمام الذين يشبهون المعنى حين يتجسد في إنسان.

آمال يوسف خليل ليست ابنة مهنة المتاعب وحسب؛ هي ابنة أرض تعرف جيداً كيف تصنع أبناءها من الصبر والصلابة والكرامة. ابنة الجنوب الذي لا يُقاس بالخرائط، بل بالدم الذي سال ويسيل على ترابه، وبالقمح والتبغ وزهر الليمون الذي نما  وتفتّح برغم الحرائق، وبالأمهات اللواتي تعلمن كيف يخبزن الخبز ويخفين الدموع في الوقت نفسه. كانت من تلك البلاد التي لا تقول عن نفسها كثيراً، لكنها حين تُختبر، تقف كأنها الجبل نفسه.

***

ربما كانت زهرة الجنوب، لكن الزهور كثيراً ما تُقطف وتُنسى، وآمال لم تكن مما يُقطف. كانت أقرب إلى سنديانة قديمة على تلة عالية، تعرف الريح اسمها، وتعرفها الطيور العائدة عند المساء، وتعرف أن النار قد تأكل الأغصان لكنها لا تصل إلى الجذور. كانت من ذلك النوع الذي لا يرحل، حتى حين يغيب، يبقى كأنه جزء من شكل الأرض نفسها.

وربما كانت عصفورة البكاء، تلك التي تمرّ فوق القرى المعلقة بين الخوف والانتظار، وتحمل من بيت إلى بيت وجع الناس وصلواتهم، لكن العصافير تعرف الرحيل، وآمال لم تعرف إلا البقاء. بقيت حيث يجب أن يكون الإنسان حين يشتد الامتحان، عند الحافة التي يهرب منها كثيرون، وعند الباب الذي تدخل منه الحقيقة بلا استئذان.

***

في الجنوب، حين يقال إن امرأة تشبه الأرض، فذلك ليس مديحاً، بل شهادة كاملة. وآمال كانت كذلك. فيها شيء من تبغ القرى، من تعب الحقول، من رائحة الصباح حين تخرج النساء باكراً إلى المواسم، ومن صوت الجدات وهن يرددن تلك الأهزوجة القديمة التي لا تموت:

يا أرضنا يا أمّنا
يا خبزة التنور والزيت
يا زغرودة وقت الوجع
يا صبرنا إذا البيت ضاق
ويا اسمنا إذا ضاع الاسم.

كانت تشبه هذه الكلمات دون أن تقولها. كانت تسير وكأن خلفها قرى بأكملها تمشي معها، وكأن جبل عامل نفسه يضع يده على كتفها ويقول لها: لا تتوقفي عند أي حدود.. هذه البلاد لا يحرسها إلا من يعرف وجعها.

***

حرةٌ كانت، لا لأن الحرية كلمة جميلة تصلح للخطب، بل لأنها اختارتها بكل ما فيها من ثمن. حرة حتى في لحظة الدم، حرة حتى في المواجهة الأخيرة، حرة في أن تبقى حيث الخطر لا حيث النجاة السهلة. لم تكن تبحث عن بطولة، لأن البطولة الحقيقية لا يعلنها أصحابها، بل يعيشونها بصمت.. وهناك، عند تخوم الصمت، حيث الليل ثقيل ورائحة الحديد والنار تملأ الهواء، كانت تعرف أن النوم الكبير ليس بعيداً، وأن الإنسان قد يفتح عينيه على العالم ويغلقهما على الوطن. كانت تراقب ذلك كله لا كمتفرجة، بل كجزء من المشهد، كمن يعرف أن الكلمة حين تُقال بصدق تصبح أحياناً أكثر بقاءً من العمر نفسه وأن الصورة حين ترسخ تصبح أكثر حفظاً من السيرة الذاتية.

***

تنتمي آمال إلى قناعاتها كما تنتمي الشجرة إلى ترابها، لا تتبدل مع الفصول، ولا تغير ظلها لإرضاء أحد. كانت تشبه صبايا الجنوب اللواتي يعرفن كيف يحملن البيت على أكتافهن، وكيف يودعن أبناءهن بابتسامة مكسورة كي لا يُرينَ أحداً ضعفهن.

***

قيل يوماً عن أهل جبل عامل إنهم أحرار، وإن كل امرأة ورجل منهم قائد حر، ولم يكن ذلك وصفاً بل حقيقة تُرى في تفاصيلهم الصغيرة؛ في طريقة الوقوف، في نبرة الكلام، في رفض الانحناء ولو كان الثمن العمر كله. وآمال كانت من هذه السلالة، من هذا النسغ القديم الذي لا يجف.

***

لم ألتقها إلا عبر الهاتف، والصوت أحياناً يكشف ما تعجز عنه الوجوه. كان صوتها سريعاً، واضحاً، مشغولاً بما هو أهم من المجاملة. لا وقت لديها للزينة اللفظية، كأنها تعرف أن الحقيقة دائماً مستعجلة، وأن الحياة أقصر من أن تُهدر في الكلام الفائض.

حديثنا غالباً كان محصوراً بخبر أو معلومة أو حدث يخص الناس الذين يعيشون خارج الأضواء. لكنها حتى في تلك الثواني القليلة، كانت تترك أثراً لا يزول. بعض البشر يحتاجون سنوات لتفهمهم، وبعضهم يكفيهم صوت واحد لتعرف أنهم من معدن نادر، من أولئك الذين إذا حضروا شعر المرء أن العالم ما زال قابلاً للاطمئنان.

***

كانت تعرف المضحين من زهدهم، من فقرهم الذي لا يطلب شفقة، من أيديهم الخشنة التي لا تعرف التصفيق لنفسها، من تعففهم الذي يشبه الصلاة الصامتة. وتعرف أيضاً أولئك الذين بنوا ثراءهم على تعب الآخرين، الذين جعلوا من الناس الطيبين سلعة، ومن الوجع تجارة، ومن الشعارات سوقاً مفتوحة. كانت ترى ما وراء الوجوه، لأن من عاش قريباً من الأرض لا تخدعه الأقنعة. كانت تعرف الفرق بين من يحمل الهمّ ومن يحمل دفتر الحسابات، بين من يبقى حين تضيق الطرق، ومن يختفي حين يبدأ الامتحان الحقيقي.

إقرأ على موقع 180  لبنان: نظام ضريبي يُحابي الرأسماليين.. ويَحدُل الفقراء

***

آمال، لوجهك الحقيقي قدرة نادرة على أن يدلنا إلى المساحات الواسعة التي لا يضيع فيها الإنسان عن نفسه. كنتِ مثل نافذة تُفتح فجأة في بيت خانق، يدخل منها الهواء والضوء واليقين. أما الظلم، فدائماً يحتاج إلى الأبواب المغلقة، إلى الزوايا المعتمة، إلى الوجوه المقنعة، لأنه يعرف أنه لا يحتمل الضوء المباشر.

ولهذا كان حضورك قلقاً دائماً لكل باطل. ليس لأنك رفعت صوتك، بل لأن الصدق وحده يكفي أحياناً لهزيمة جيوش من الكذب. الحقيقة لا تحتاج صخباً، يكفي أن تقف بهدوء حتى يرتبك كل شيء حولها.

***

ستبقين الشمس التي تشرق على عاملة بلا غروب. لا لأن الموت لم يصل، بل لأنه عجز عن أن يأخذ منك ما زرعته في الناس. ستبقين في الحقول التي تعرف وقع خطواتك، في الطرق الترابية التي تحفظ أسماء العابرين، في شرفات البيوت التي كانت تنتظر أخبارك كما تنتظر النساء عودة الغائبين.

ستبقين في زغرودة أمٍّ جنوبية خرجت من قلب الحزن لا من الفرح، في ذلك الصوت الذي يشبه الدعاء حين يعلو فوق الجنازات:

هيلا يا بنت الأرض
هيلا يا ضوّ العين
هيلا يا خبزة الفقير
ويا ستر الدار
ويا عزّ السنين.

***

في الجنوب، حتى الحزن له موسيقاه الخاصة، وحتى الفقد يلبس ثوب الكبرياء. لا يبكون الراحلين كما يبكي الناس، بل يضعون دموعهم في القلب ويمشون مرفوعي الرأس، لأن الذين يرحلون بهذه الطريقة لا يجوز أن يُودَّعوا بالانكسار.. وسنبقى نحن هنا، في هذا الخراب الكبير، نرتب ما تبقى من معنى، نحاول أن نفهم كيف يمكن لامرأة واحدة أن تترك هذا الاتساع كله خلفها. نحاول أن نقنع أنفسنا أن الغياب ليس النهاية، بل طريقة أخرى للحضور، وأن بعض الناس لا يرحلون فعلاً، بل يبدلون فقط مكانهم فينا.

***

لأجلك، ذرفت عاملة دمعة مقدسة. دمعة تشبه النهر حين يخرج من قلب الصخر. دمعة خرجت من عين الأرض نفسها، من تراب يعرف أبناءه واحداً واحداً، ويحفظ أسماءهم كما تحفظ الأم أسماء أطفالها.

ستكبر هذه الدمعة، ستصير نهراً، وعلى ضفافه سينبت الشجر، وستأتي الطيور كل صباح لتغني لك أغنية لا تنتهي. سيجلس العابرون قرب الماء، ويحكون عن صبية كانت تمشي بينهم كأنها واحدة منهم، لكنها في الحقيقة كانت تحمل في قلبها بلاداً كاملة.

***

آمال، لم ترحلي، لأن الذين يشبهون الحق لا يغيبون. يصيرون ظلاً لشجرة، ورائحة تراب بعد المطر، وصوتاً خافتاً في آخر الليل يطمئن القلب. يصيرون صلاة صغيرة نرددها من دون أن نشعر، ووجهاً نتذكره كلما خفنا من هذا العالم.

صرتِ الآن أكثر اتساعاً من العمر، وأكثر بقاءً من الجسد، وأكثر حياةً من كل هذا الموت العابر. صار اسمك يشبه الطريق إلى البيت، ويشبه الضوء الذي لا نراه لكنه يمنع العتمة من أن تكتمل.

ولهذا، حين تشرق الشمس على عاملة كل صباح، سيعرف الجنوب أنك ما زلت هنا، في الحقول، في الأبواب القديمة، في صوت المؤذن البعيد، في أجراس الكنائس، في زعتر الأمهات، في خبز التنور، في دعاء الجدات، وفي تلك الأهزوجة التي لا تزال القرى تحفظها عن ظهر قلب:

نامي قريرة يا بنت التراب
فالأرض تعرف أبناءها
والسماء لا تنسى الطيبين
ومن مرّ هنا صادقاً
لا يغيب… بل يعود نوراً.

***

آمال؛ سنؤجل البكاء، ونستعير من ذاكرتك بعض القوة لنكمل الطريق. لأن الذين يشبهونك لا يتركوننا بلا وصية، حتى لو لم يقولوها. وصيتهم تكون في سيرتهم، في طريقتهم، في تلك البساطة الشريفة التي تجعل الإنسان أكبر من حياته نفسها.

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  غزّة ولبنان.. هل أعاد المشهد الشعبي تشكيل نتيجة الحرب؟