استذكرت هذا الحديث وأنا أستمع، عبر إذاعة “النور”، إلى حلقة خاصة عن شهيدة “الأخبار” والجنوب الزميلة آمال خليل، وهي تقول إنها يمكن أن تكون مهنية، لكنها لا تستطيع أن تكون موضوعية فيما يخص قضية الجنوب.
لله درّ هذا الجنوب، ما أفتنه! متى زار هواه الفؤاد استملكه. لله درّ هذه «الجنّات مُدَّ النظر» وألفاظ «السلام عليكم» من شفاه أبناء عاملة، المجبولين بالحب والسلام لمن سالمهم، و«المحروقة بصلتهم» لأجل نهش جسد من توعّد لهم.
لا يضيع في الهوى عاشق، ولا تُشتّته الرياح، ولا حتى المهالك. ونداء الهوى الفطري كالصلاة: الله أكبر يا جنوب، ما أجملك، ما أكملك. الله أكبر يا جنوب، قال المُنادى، والمنادي دوالي عنب ربما، وربما رائحة التنور، أو أغنية لفيروز باللكنة الجنوبية، أو محبوبة تُهدي حبيبها دعاءً بالحفظ والصون كأغلى ما تملك.
هكذا ينتقي الجنوب «اللاموضوعيين». يصبح التطرّف في مقامه محمودًا، ويصبح الإعلام عنه وفيه مدرسة خاصة جدًا. امتحان الدخول إليها سهل وبسيط: أن تذوب في هذا التراب وفي حقك به، حتى يحرّرك متى استملك هواك، وحتى يستنطق حرفك وقولك.
وهكذا فقط يتردّد صوت الشهيدة آمال خليل في المسامع الراغبة بأخبار وفيرة وقيّمة وحقيقية، بل يتردّد حتى في مسامع العدو المتعطّش للدماء، الحاقد على حب الجنوبيين لأرضهم قبل حقده على المسيّرات والصواريخ التي تزعزع أمن كيانه الغاصب. الحب هنا يصيبه في مقتل، ولذلك حتى تمثال المسيح لن يتحمّله، فهل سيتحمّل صوت الآمال يسري من بين أزيز الحقد بسلاسة كأغنية شحرورة: «عالبساطة البساطة، يا عيني عالبساطة!».
هكذا، ببساطة، بكل حلاوة البساطة الذكية وأريحيّتها، يتهادى «الميكروفون» في مدرسة الجنوبيين ومدرسة الآمال على وتر مشدود في الروح، يتنفّس: «الله معك يا بيت صامد بالجنوب، يلّي تحت سقفك عالوفا ربّيتنا، مش كتير عليك ترخصلك قلوب، وبنوب ما مندشرك يا بيتنا».
لم «تُدشِّر» آمال تراب الجنوب، بل دثّرته. ولم تُدشِّر أرواحنا، بل استنهضتها. عدوٌ أحمقٌ، كلما خفنا على الأجيال اللاحقة من الاستكانة، عاد وأشعل فيها جذوة الرفض. هي جذوة تشتعل الآن، ليس في قرى الجنوب وحسب، بل في ما يُسمّى ببلدان الجنوب العالمي، بل حتى في شماله. عدوٌ سيُعييه بطشه، ولن يثنه شيء عن الإمعان فيه، حتى يأكل نفسه بنفسه، وهو بات يشتري مقته في الأنفس هنا وهناك. هي نسخة من الداعشية، بدت أكثر وضوحًا بعد «طوفان الأقصى»، ولا بد أن تنال عواقبها.
إسرائيل الداعشية، كلما أسالت دمًا راكمت به البحر، ولن يكون لها «موسى» حتى يُنجيها. هي الفرعون، وكل من تجمّل بحب موطنه موسوي. وهنا، لا حديث في السياسة والخيارات، وما كان وما يجب أن يكون، وكيف كان وكيف عليه أن يكون. ذاك مبحث متشابك ومعقّد. أما محضر هذه العبارات فبسيط وواضح: إسرائيل تتبّعت وكمنت وقتلت صحافية استثنائية، مهنية، عاشقة، شجاعة، ثم «غير موضوعية» في «جنوبيتها».. تمامًا كما قتلت من قبلها زملاء مهنيين كثيرين.
يضيق القانون الدولي على مداها الداعشي، وستتعاظم صورتها بوصفها بيئة طاردة للقانون والحب والقيم، زارعة للحقد والفتن ورائحة الدم، وكاتمة لصوت الحقيقة أينما حلّت. أما الجنوب، فسيظل مكانًا فُصِّل على مقاس الحب والآمال والبيلسان. ومن أحبّه خرج من حياد العالم، ولا فرق عندها إن فارق الحياد أو فارق الحياة.
