عشرون عاماً من الحب.. ولبنان ينهار من حولنا

تزوّجنا في عيد العمال، وعشنا بعدها بين الحروب والانهيارات والخذلان والنجاة.. وبقي البيت هو الوطن الوحيد الذي لم يسقط.

قبل أن تأتي، كانت يدي تربّت على كتفي.

كنتُ أُواسي نفسي بنفسي، وأُقنع قلبي أن الحياة تُحتمل، وأن هذا البلد الذي يُشبه ورشة دائمة للخراب، قد يمنحنا يوماً هدنة صغيرة نعيش فيها بسلام. وكنتُ أظن أن الاكتفاء بالنفس شكل من أشكال الحكمة، وأن الإنسان قادر على إكمال الطريق وحده، إلى أن التقينا للمرة الأولى ليلة عيد الميلاد عام 2003، ومنذ تلك اللحظة، حدث شيء يشبه المصالحة بيني وبين الحياة.

في تلك الأمسية، “دغري ارتحنا لبعض”. لم نشعر أننا نتعارف للمرة الأولى، وإنما بدا الأمر كأننا نستكمل حديثاً قديماً انقطع منذ زمن. المفارقة الجميلة أننا من الضيعة نفسها ولكن لم نلتقِ يوماً هناك، واختارت لنا بيروت، بكل ضجيجها وفوضاها، أن تجمعنا للمرة الأولى.

بدأ كل شيء بنقاش حول كتاب “خطاب إلى الرجل الصغير”. ومن تلك المصادفة الصغيرة التي بدت عابرة، بدأت حكاية كاملة لم تكن عابرة أبداً.

قالت لي إيمان في بداية تعارفنا: معك يصبح الحب خياراً آخر للحياة. ومعها، أصبح الحب خيراً آخر في الحياة.

وسريعاً، جاء الأول من أيار/مايو 2006، يوم تزوّجنا في عيد العمال. لم يكن التاريخ عابراً بالنسبة إلينا، نحن أبناء تلك المرحلة التي كانت ترى في اليسار أكثر من موقف سياسي، كانت تراه حساسية مُبكرة تجاه العدالة الاجتماعية، وانحيازاً فطرياً لـ”المعتّر بكل الأرض”، وإيماناً طفولياً بأن العالم يمكن أن يكون أقل قسوة.

***

كأن القدر كان يُعلن منذ البداية أن هذا الزواج، كأي زواج، سيكون عملاً شاقاً وطويلاً، يحتاج إلى صبر لا يترفّع عن التفاصيل اليومية، وإلى قلب لا يُقدّم استقالته عند أول أزمة. لنكتشف لاحقاً أن أصعب مشروع إصلاحي في الحياة ليس تغيير العالم، وإنما إدارة زواج ناجح في لبنان.

بعد الزواج مباشرة، حملنا حبنا وسافرنا به. فعلنا ما يفعله معظم اللبنانيين. الإمارات كانت وجهتنا لنكسب رزقنا، ونبني بيتنا بعيداً عن المفاجآت الوطنية اليومية. لم يكن السفر هروباً من لبنان، وإنما محاولة لحماية الحلم من الانهيار المبكر، وتأمين حياة طبيعية لأسرة ناشئة تُريد فقط أن تعيش بلا نشرة “أزمات” مسائية.

لكن لبنان لا يمنح أبناءه كثيراً من الوقت لالتقاط أنفاسهم. بعد شهرين فقط، اندلعت “حرب تموز”. كنا نتابع الحرب من بعيد، وقلوبنا معلّقة هناك، على أهلنا الذين تشرّدوا من كفرشوبا، ومن سائر مدن وقرى الجنوب، وعلى بلدنا الذي كانت آلة القتل والتدمير الإسرائيلية تُعيد تمزيقه من جديد.

شهر العسل في حياة اللبناني قد يأتي أحياناً على شكل ملاحق إخبارية عاجلة تحمل صور النزوح والمجازر والدمار وقلقاً ممتداً حتى الفجر. يومها تعلّمنا أن الغربة ليست سفراً فقط، بل شعور دائم بالعجز حين يكون من نُحبّهم تحت النار، ونحن لا نملك سوى الدعاء وانتظار خبر إعلان وقف إطلاق النار.

ومنذ ذلك اليوم، فهمنا أن الزواج في حياة اللبناني امتحان طويل للصبر، بإشراف مباشر من الأزمات الوطنية والاحتلال الإسرائيلي الجاثم على حدودنا، وأن الحب مشروع صمود يومي، لا مجرد حكاية رومانسية.

***

منذ اليوم الأول، لم تكن حياتنا الزوجية منفصلة عن لبنان، حتى ونحن بعيدون عنه. كنا نبني بيتنا هناك، فيما الوطن هنا يبدّل أزماته بسرعة تفوق قدرتنا على الفهم. استقالة وزراء، أزمة نهر البارد، فراغ رئاسي، أحداث 7 أيار/مايو 2008، زمن “السين سين”، سعد الحريري في دمشق، المحكمة الدولية، حكومات تسقط وأخرى تُولد لتسقط من جديد، ثم الحرب السورية، ثم معركة عرسال… ومرحلة السؤال اللبناني الأبدي: إلى أين نحن ذاهبون؟

الجواب كان بسيطاً: إلى البيت. لأن البيت وحده كان يبدو أكثر استقراراً من الجمهورية.

في العام 2008، وُلد فارس. كانت تلك لحظة نادرة شعرت فيها أن الله يربّت على قلوبنا ويرسل لنا عزاءً جميلاً ويفتح لنا نافذة نور وسط كل هذا الخراب. طفل صغير جاء ليعلن هدنة شخصية وسط كل هذا الضجيج. يومها فهمت أن الأبوّة ليست مسؤولية فقط، بل فرصة ثانية للحياة. فارس لم يكن مجرد ابن، بل كان وعداً صغيراً بأن المستقبل قد يكون أقل قسوة من الحاضر.

وراح فارس يكبر بهدوء يشبه الموسيقى، مشروع عازف بيانو واعد، يحاور العالم بالمفاتيح البيضاء والسوداء، ويستعد اليوم لرحلة أكبر، ربما إلى باريس، حيث تليق الأحلام التي تعرف كيف تصبر وتكبر.

وفي عام 2011، وُلدت هند، واكتمل مثلث السعادة: الأم، الابن، والبنت. دخلت البيت كفراشة تعرف طريقها جيداً إلى القلب. خفيفة الظل، كثيرة الفرح، تحمل مواهبها بالفطرة، وتتعامل مع الحياة كما لو أنها رقصة باليه طويلة لا يجب أن تتوقف.

رحلتنا مع طفلينا كانت أجمل ما حدث لنا. خفيفة، سعيدة، مفعمة بالسلام والاستقرار والتواصل. كنا نعيش داخلنا ما يشبه الوطن الذي تمنيناه في الخارج ولم نجده.

***

أمضينا عشر سنوات في الخليج. لم تكن تلك التجربة اغتراباً، ولا حياةً من نوع “آكل شارب نايم” كما كان يسخر زياد الرحباني، وإنما ورشة بناء طويلة: بيت وطفلان ومدارس وتعب جميل، واستقرار يشبه الرفاهية بالنسبة لمواطن لبناني عادي يعيش على إيقاع الملاحق الإخبارية الطارئة وتحت رحمتها.

كنا نُحب وطننا من بعيد، ونُرسل له المال من بعيد أيضاً، ونُراقب من خلف الشاشات كيف يُصرّ على اختبار قدرتنا المستمرة على الاحتمال.

في العام 2015، قرّرنا العودة إلى لبنان، لا لأن العاقل يعود طوعاً إلى الفوضى، وإنما لأن القلب أحياناً يتخذ قرارات لا تمرّ على العقل. عُدنا ونحن نحمل ما هو أثقل من الحقائب، سنوات من التعب النظيف، وأحلاماً صغيرة نُريد فقط أن نعيشها بهدوء. لكن لبنان، كعادته، كان يعتبر الهدوء لأبنائه نوعاً من الترف والمحرّمات.

خارج البيت، كانت الدولة تُمارس هوايتها المفضلة: الانهيار المُتدرّج. أزمة نفايات، شغور رئاسي، انتخاب رئيس، استقالة مفاجئة، حكومات تتأخر أكثر مما تعيش، ثورة، انهيار مالي، مصارف تبخّرت معها أعمار الناس قبل أموالهم، كورونا، انفجار مرفأ بيروت، أزمة بنزين وكهرباء ودواء، كوليرا، شغور جديد، وحروب لا تنتهي.

في لبنان، نحن لا نُخطّط للمستقبل، نحن فقط نُراقب أي كارثة ستصل أولاً.

إقرأ على موقع 180  في غزة.. لا الأرض ترحم ولا السماء!

***

كنت ضدهم جميعاً، وما زلت. “كلّن يعني كلّن”. لم أبحث عن طائفة تحميني، ولا عن زعيم يُفسّر لي معنى الكرامة، ولا عن حزب يمنحني بطاقة نجاة مؤقتة. كنت أؤمن أن الإنسان إذا فقد نفسه داخل الاصطفاف، لن تُنقذه كل الشعارات في العالم.

النجاة الوحيدة كانت هنا، تحت هذا السقف. لكن حتى البيوت التي نحتمي بها، لا تنجو دائماً من طرق الأزمات على أبوابها.

حتى الأزمات المادية دخلت بيتنا بأحذية ثقيلة. في واحدة من محطات التعثّر، اضطررت إلى بيع سيارتي الـ”بيكانتو”، لتسديد قسط المدرسة. يومها شعرت أن لبنان يملك موهبة خاصة في تحويل الأشياء الصغيرة إلى ملاحم وجودية، وأقنعت نفسي أنني لم أبع سيارة، وإنما استثمرتُ في مستقبلٍ أفضل للأولاد.

حتى المرض قرّر أن يشارك في الحكاية، وكأن الأزمات الوطنية وحدها لم تكن كافية. ظهر ذلك الضيف الخبيث فجأة، من دون استئذان، محاولاً أن يختبر قدرتي على الاحتمال من زاوية أخرى. لم أتعامل معه كعدو، وإنما كامتحان إضافي في هذه السيرة الطويلة من الصبر. لم أبحث عن شفقة أو ذريعة للانكسار، كنت أبحث عن معنى آخر للصمود، وعن يقين داخلي بأن الإنسان قد يتعب، لكنه لا ينكسر ما دام يعرف جيداً من ينتظره على الضفة الأخرى: إيمان، وفارس، وهند.

وفي ذروة كل ذلك، عام 2020، بين الانهيار المالي وكورونا وانفجار المرفأ، حصلتُ على الماستر البحثي في علوم الإعلام، في محاولة أخرى لأقول لهذا البلد إننا، برغم كل شيء، ما زلنا قادرين على بناء أنفسنا وسط الركام، وعلى انتزاع معنى من قلب الفوضى.

إيمان، من جهتها، لم تكن زوجة فقط، بل حالة طمأنينة كاملة. حين سافرت إلى تايلاند ستة أشهر، لم تكن تهرب من الحياة، بل كانت تذهب لتمنح الحياة معنى أهدأ، كأستاذة في تقنية “التأمل التجاوزي”. عادت ومعها غبطة حقيقية. شيءٌ يُشبه السلام المنزلي الدائم. البيت بعدها صار أقل ضجيجاً، وأنا صرت أكثر اقتناعاً أن الحب أحياناً ليس كلمات، بل شخص يعرف كيف يُعيد ترتيب فوضاك الداخلية بصمت.

حتى فارس، بعمر الخامسة عشرة، قرر أن يسبق عمره بخطوات. بدأ يعطي دروس بيانو للأطفال، وأصرّ أن يكون له دوره في تحمّل المسؤولية بطريقته الخاصة. هناك لحظات يدرك فيها الأب أن ابنه لم يعد فقط من يحتاج الحماية، وإنما صار جزءاً من الحماية نفسها، وسنداً حقيقياً في البيت.

شجاراتنا؟ طبعاً كانت موجودة. نحن لسنا إعلاناً مصرفياً، العائلة فيه تبتسم طوال الوقت، كأن الحياة لا تعرف خلافات ولا فواتير ولا أزمات ولا خيبات. كنا نتشاجر على تفاصيل تافهة جداً، أشياء تبدو في لحظتها كأنها أزمة شرق أوسطية مصغّرة، ثم نضحك لاحقاً لأن الحياة نفسها مسرحية هزلية ضخمة، ونحن مُجرّد ممثلين نحاول حفظ أدوارنا بكرامة.

***

في هذا الطريق المتعرج، خسرنا كثيرين. في العام 2011، رحلت نائلة، زوجة أخي، وصديقة القلب لكل أفراد العائلة. خسارة لا تُقاس بالكلمات. كانت من أولئك الأشخاص الذين يتركون فراغاً أكبر من حضورهم نفسه. وفي الأول من آذار/مارس 2020، وُري صديقي يوسف، أبو زياد، رفيق والدي، في تراب الخِيام الذي كان يراه أقدس من كل مدن فرنسا، برغم السنوات الطويلة التي عاشها هناك. ورحل غيرهما كثيرون، وتواروا بصمت تحت نعمة النسيان، لكنهم سكنوا الذاكرة ولم يغادروها.

بعض الأصدقاء ساندوا، وبعضهم تخلّى. هذه أيضاً من دروس العمر. ومن قال إنني لم أخذل أحداً من حيث لا أدري؟ هكذا هي الحياة: لا بد أن نُصاب فيها بالخيبات، وأن نُخيّب ظن أحدهم فينا أحياناً.

وفي كل مرة كانت الحرب تعود بوجه جديد، كنا نكتشف أن هذا الكابوس المسمّى إسرائيل لا يتقن سوى صناعة الخراب. نجاة أبي من غارة عنيفة وقعت بالقرب منه كانت تذكيراً قاسياً بأن القلق هنا لا يشيخ، وأن فلسطين ولبنان يدفعان الفاتورة نفسها منذ زمن طويل. واليوم، مع عودة الحرب، يعود القلق نفسه على أبي وأمي في بيتنا عند أحضان جبل الشيخ، ونبكي منزل جدّي في الخيام، وسائر بيوت العائلة من جهة أمي في بلدتها وفي الضاحية، كما نبكي كل ما يتركه هذا الشر خلفه من غياب وخراب. ما نريده بسيط جداً: أن ينتهي هذا الكابوس وأن ينتهي هذا الشر الذي حوّل القتل إلى عادة، والخراب إلى مشهد يومي.

***

وُلدتُ قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 بقليل، ثم فتحت عيني على بعض فصول الحرب الأهلية اللبنانية، وعشت حرب “تصفية الحساب” في تموز/يوليو 1993، و”عناقيد الغضب” في نسيان/أبريل 1996، ومعارك دعم الانتفاضة الفلسطينية الثانية انطلاقاً من بوابة مزارع شبعا، ثم “حرب لبنان الثانية” 2006، واليوم نعيش “زئير الأسد”، وبين كل ذلك سلسلة طويلة من الانهيارات والحروب والأزمات المفتوحة، كأن هذا البلد يأبى أن يمنح أبناءه حياة عادية. تربّيت على صوت الأخبار أكثر مما تربّيت على صوت الطمأنينة، وعلى فكرة أن الغد قد يحمل مفاجأة جديدة، وغالباً لا تكون سارة.

وبرغم كل هذا وذاك، عشتُ معكِ سلاماً داخلياً حقيقياً. منذ حضرتِ إلى حياتي. صار الخراب خارج الباب أقل قدرة على الوصول إلى الداخل. وصار القلب يعرف طريقه إلى الطمأنينة. معكِ، وقّعتُ هدنة دائمة مع الحياة من دون وسيط ولا مفاوضات.

عشرون سنة من الزواج، وعشرون سنة من النجاة أيضاً. عشرون سنة من بناء جمهورية صغيرة داخل جمهورية تتعثر باستمرار. ربّينا فارس وهند، عبرنا المرض والخذلان، والارتحال والترحيل، والحروب والديون والخسارات، والنجاة.. وبقينا.

قبل أن تأتين، كانت يدي تربّت على كتفي. ومعكِ تصالحتُ أخيراً مع الحياة.

ووسط كل هذا الخراب، ما زلتِ أنتِ المشروع الوحيد الذي لم يفشل في هذا البلد.. و”بعدني بحبك”، كما غنّت فيروز للبنان: كيف ما كنتِ بحبك، لأن الحب لا يحتاج سبباً، يكفي أنه وطن.

Print Friendly, PDF & Email
ضياء عبد العال

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  هل تُغيّر "ضربة القنصلية" المسار النووي في الشرق الأوسط؟